تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.
قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟
* طلبة: الجزم.
* الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].
* الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟
* طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن.
وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك.
قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟
* طلبة: يشمل.
* الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم.
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير.
ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟
* طلبة: داعٍ.
* الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: يا أخي صلِّ، اتقِ الله، يا أخي، لا تغشّ الناس اتقِ الله، فهذا؟
* طلبة: نهي عن منكر.
* الشيخ: لا.
* طلبة: أمر.
* الشيخ: أمر بمعروف ونهي عن منكر. ولي الأمر إذا رأى آلة عزف وكسّرها، هذا تغيير منكر، ولكل درجات، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكلمة ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ تدل على أنهم يتكلمون مع الناس على وجه الاستعلاء لا على وجه العلو؛ يعني على وجه أنني آمِر، والآمِر بالخير أعلى مرتبة من المأمور.
وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ المعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات فعلًا كانت أم تركًا، أو فعلًا فقط؟ فعلًا لأنه قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إذن فعلًا لما جُمع بينهما صار المراد بالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه من العبادات المأمور بها، معناه: المعروف.
* طالب: ما عرفه الشرع وأقرَّه فعلًا أو تركًا.
* الشيخ: إي، حذفنا أو ترك في النهاية من فعل الطاعات؛ لأن ينهون عن منكر تكون مقابل للفعل. إذن ما عرفه الشرع وأقره من أمر الطاعات هو المعروف، فالأمر بالتوحيد أمر بمعروف، الأمر باتباع السلف في العقيدة أمر بمعروف، الأمر بالصلاة أمر بمعروف، الأمر ببر الوالدين أمر بمعروف، وهلم جرًّا، هذا الأمر بالمعروف.
قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿يَنْهَوْنَ﴾ النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء؛ يعني يطلبون من الناس أن يكفوا عن المنكر، وما هو المنكر؟ المنكر ما أنكره الشرع، ما أنكره الشرع من الأعمال والأخلاق فهو أيش؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: فهو منكر، طيب الزنا؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: السرقة؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: شرب الخمر؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: قتل النفس؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: العدوان على الناس بأخذ أموالهم؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: انتهاك أعراضهم، كل هذه منكرات، فهم ينهون عن المنكر.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أولئك) المشار إليه الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وهي مبتدأ (أُولاءِ)، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ.
فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون (هم) مبتدأ ثانيًا، والمفلحون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأننا لو قلنا ذلك لفاتتنا فوائد ضمير الفصل، ويدل لهذا يعني أننا لا نجعل ضمير الفصل مبتدأ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وجه الدلالة أنه لم يجعل ضمير الفصل مبتدأ، لو جعل مبتدأ لقال: إن كانوا هم الغالبون، حتى تكون الغالبون خبرًا لـ(هم)، على كل حال ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن جاء على صفة الضمير الاسمي الضمير الاسمي.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هم الناجون من الكربات الحاصلون على المطلوبات، فالفلاح هو النجاة من المكروبات، أو من المكروهات، والحصول على المطلوبات، إذن ففيه أمران: سلامة وكسب، السلامة من أين؟
* طلبة: من المكروبات.
* الشيخ: من المرهوبات، والكسب؟
* طلبة: للمطلوبات.
* الشيخ: للمطلوبات، ولهذا تُعتبر كلمة الفلاح من أجمع الكلمات، فالمفلح إذن الفائز بمطلوبه الناجي من مرهوبه، هذا هو المفلح.
في هذه الآية الكريمة، نقرأ اللي بعدها أحسن عشان نصل.
قال: ﴿