×

العنكبوت

الآيات ٦–٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٦﴾

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٧﴾

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾

وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت ٦] . * من فوائد هذه الآية: أنَّ الإنسان لا بد أن يَحْصُل له مَشَقَّةٌ في القيام بما يجب عليه؛ لأنَّ الجهاد معناه بذْلُ الجهد لإدراك أمْرٍ شاقٍّ. * ومن فوائدها: أنَّ مَن جاهَدَ في العمل الصالح فإنَّ جهاده لنفسه لا ينتفع الله به. * ومن فوائدها: إثبات غِنَى اللهِ سبحانه وتعالى عن خلْقِه؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُجاهِد فإنَّ ضرره على نفسه؛ لأنَّه إذا كانت منفعةُ الجهاد لك فمضرَّةُ ترْكِهِ عليك. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٧] . * من فوائد الآية هذه: فضيلة الإيمان والعمل الصالح. * ومن فوائدها: أنه تُكَفَّرُ به السيئات، والمراد بالسيئات الصغائر ولَّا لا؟ الصغائر؛ لقوله ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ما تُكَفَّر عنه بعمل الصالحاتِ، فلا بُدَّ فيها من توبة. * ومنها: أنَّ جزاءَ الله تعالى أفضلُ مِن عَمَلِ المؤمن وأحسنُ؛ لقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * ومن فوائدها: أنَّه لا بُدَّ في العمل من أنْ يكون صالحًا، والصالح ما جمع شرطينِ: الإخلاصَ لله عز وجل، والمتابعةَ للرسول ﷺ؛ فإذا لم يكنْ مُخْلَصًا فهو فاسدٌ، وإذا لم يكنْ على وَفْقِ الشريعة فهو أيضًا فاسدٌ؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. * طالب: (...). * الشيخ: التصديق مِن الإيمان. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) الإخلاص والمتابعة. * الطالب: (...). * الشيخ: التصديق؟ ما يمكن إخلاص إلا بالتصديق، وما يمكن متابعة إلا بالتصديق، الإيمان سابق على.. * الطالب: (...). * الشيخ: أنَّ الإيمان بمعنى التصديق؟ * طالب: (...). * الشيخ: القَبول لا بُدَّ مِن الإيمان، الإيمان شرطٌ في القَبول؛ أيُّ إنسانٍ غير مؤمنٍ ما يُقْبَل منه عَمَلٌ، لا بُدَّ من التصديق السابق على العمل الصالح، ثم الإخلاص؛ ما يكون إخلاصٌ إلا بالتصديق، كيف تُخْلِص لِمَن لا تُصَدِّقُ به؟! أو كيف تَتَّبِع من لا تُصَدِّق به؟! فالإخلاص والمتابعة متضمِّنانِ للتصديق. * طالب: (...). * الشيخ: المعروف عند أهل العلم شرطان، ولا يوجد شرطٌ ثالثٌ، شرطان فقط. * * * قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت ٨] الوصِيَّة معناها العهدُ بالشَّيءِ المهِمِّ؛ فمعنى وصَّيْناه أي: عهِدْنا إليه بأمرٍ مُهِمٍّ ليقوم به. وقوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: أُمِّه وأبيه. وقوله: ﴿حُسْنًا﴾ مفعولٌ لـ﴿وَصَّيْنَا﴾، أو منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي: عَهِدْنا إليه بِحُسنٍ؛ أي بإحسانٍ إليهما، ولا حاجةَ إلى ما قاله المؤلِّف رحمه الله: (أي: إيصاءً ذا حُسْنٍ بأنْ يَبَرَّهما). بلْ إنَّ الموصَى به ما هو؟ نفس الْحُسْنِ، وليس الْحُسْنُ هنا وصْفًا للإيصاء، بلْ هو وَصْفٌ للمُوصَى به. المؤلِّف يريد مِن تقديره أن يكون الْحُسْن وصْفًا لإيصاء الله، والصواب أنه وَصْفٌ لأيِّ شيء؟ للموصَى به؛ أي: وصَّيْناه بأمْرٍ ذي إحسان؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف ١٥]. وقول المؤلِّف: (بأنْ يَبَرَّهما) ما هو البِرُّ؟ البِرُّ هو الإحسانُ (...) يُحْسِنُ إليهما بالقول وبالفعل وبالمال، والمالُ في الحقيقة من الفعل، فيُحسِن إليهما بالقول لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء ٢٣]، وبالفِعْل: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة﴾ [الإسراء ٢٤]، وبالمال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ [الإسراء ٢٦]؛ فمثلًا إذا كان الإنسان يُحْسِن على والديه بالمال ولا (...) عليهما (...) أبدًا، قد أَغْرقَهما إغراقًا بالمال، لكنَّه مُجْنِفٌ عنهما مِن قِبَل الكلام، شَكِسٌ عليهما، عَبُوسٌ في وجههما، هل يكون قد قام بالبِرِّ؟ لا، كذلك لو كان ضَحُوكًا إليهما وليِّنًا معهما بالقول مُغْدِقًا لهما بالمال، لكنْ لا يخدِمُهما بنفسِه إذا دَعَتِ الحاجة إلى ذلك؛ فإنَّه ليس بِبَارٍّ؛ فالبِرُّ لا بُدَّ أنْ يكون بالقول والفعل والمال. قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت ٨]. ﴿إِنْ جَاهَدَاكَ﴾ أي: بَذَلا جُهْدَهما، وتعرفون أنَّ الجهاد معناه: الإلزام والإرغام والإحراج. ﴿جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ يعني أمَرَاك بالشِّرك وبَذَلا الجهد في ذلك بالتلْزِيم عليك والإحراج؛ تارةً بمدح الشِّرك، وتارةً بذَمِّ التوحيد، وتارةً بالإلزام والإرغام، وتارةً بالتَّوَعُّد بالقطيعة، إذا جاهدَاك على هذا يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾. لِماذا؟ لأنَّ حقَّ الخالق مُقَدَّمٌ على حقِّ المخلوق، والإشراك بالله ظُلْمٌ في حقِّ الخالق كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، فلا يجوز أن تُفَرِّطَ في حقِّ الله من أجْلِ حقِّ هؤلاء. وقوله: ﴿جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ هو مثل قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان ١٥]. وقوله: ﴿لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ (أي: بِإشْراكِهِ) ﴿عِلْمٌ﴾ يقول المؤلِّف: (موافَقةٌ للواقع، فلا مفهوم له). لاحظ الآية ﴿لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هلْ يقول قائل: فإنْ جاهَدَاك على أنْ تُشرِك بي ما لك به عِلْم فأطِعْهُما؟ لو أخذْنا بظاهر الآية لقُلنا: إنَّها تدُلُّ على أنَّ الإشراك بالله ينقسم إلى قِسْمين: إشراك ليس به عِلم، وإشراك به عِلم؛ فالإشراك الذي به عِلم يجوز، والإشراك الذي ليس به عِلم لا يجوز. قلنا: ليس الأمر كذلك، ولكنَّ هذا بيانٌ للواقع أنَّ كلَّ شِرك بالله فإنه لا عِلمَ به عند الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف ٣٣]، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى ما جَعَل شِركًا فيه سلطانٌ، كُلُّ الشرك ليس فيه سلطانٌ، بلْ إنَّ الشرك قد قامَ السلطانُ والعلمُ الصحيح على أنَّه باطلٌ ولَّا لا؟ على أنَّه باطلٌ، فصار معنى قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ معناه أنَّه موافقٌ للواقع، فيكون كالتعليل لتحريم الشِّرك؛ كأنَّه يقول: على أنْ تُشرك بي والحالُ أنَّ الشِّرك ليس لك به عِلم؛ فإنَّ الشِّرك قطْعًا لا يُمْكن أن يقومَ الدليلُ على وجوده، بلْ إنَّ الدليلَ الصحيحَ على انتفائه؛ فإنَّ الله تعالى لا شريك له. (﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾ في الإشراك). لو قال الوالدُ والوالدةُ مثلًا: إذا لم تُشرك فإنَّنا نُقاطِعك ولا نكلِّمك ولا نأتي إلى بيتك. ما تقول في هذا؟ * الطلبة: ما يُطاعون. * الشيخ: ما يُطاعون مَهْمَا كان الأمر؛ لأنَّ هذا هو معنى قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾. ﴿فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ معناه: ولا تظُنّ أنك بمعصيتك لهما يَلحَقُك إثمٌ في هذا؛ فإنَّ مَرجعكم إليَّ، متى؟ يومَ القيامة. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمراد بالإنباء هنا لازمُهُ، وهو المعاقَبة والمؤاخَذة؛ فأنت بقِيتَ على التوحيد فتُجازَى جزاءَ الموحِّدِ، وهما بَقِيَا على الشرك فيُجازَيانِ جزاءَ المشرك، بل أَبْلَغ مِن ذلك يُجازَيانِ جزاءَ المشرك الداعي إلى الشِّرك؛ يعني هما ما جاهَدَاهُ على الإشراك إلا وهما مُقِيمانِ عليه ومُصِرَّانِ عليه، فيكون عليهما عقوبتانِ: إحداهما عقوبةٌ على إشراكهما، والثانية عقوبة على دعْوتهما إلى الشرك، بلْ ليس دعوة فقط؛ مجاهدةٌ للولد على أن يُشرك. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يعني: أنت وهُما. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أُخْبركم، والمراد بالإخبار لازِمُهُ، ولهذا قال المؤلِّف: (فأُجازيكم به). * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٩] بَيَّن الله فيما سبق أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُكَفِّر الله عنهم سيِّئاتهم ويجزيهم أحسنَ الذي كانوا يعملون، هُنَا جزاءٌ آخرُ وهو أنَّه يُدخِلهم في الصالحين، واللام في قوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾ موطِّئةٌ للقَسَم، والنون للتوكيد، فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات. وقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ أليسوا هم صالحين؟ الجواب: بلى هُم صالحون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، لكن المراد بالصالحين: الذين سبقوهم ودَلُّوهم إلى الخير، وهُم الأنبياء، والأنبياء بلا شَكٍّ من الصالحين؛ كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقابِلون النبيَّ ﷺ في المعراج ويقولون:« «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]]. فوصفوه بالصلاح، وكذلك أيضًا في سورة الأنبياء قال: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء ٨٥، ٨٦]، ولا شكَّ أن أَخَصَّ الناس بوصْفِ الصلاح هم الأنبياء؛ لأنهم صالحون مُصلِحون عليهم الصلاة والسلام. قال المؤلِّف رحمه الله: (﴿فِي الصَّالِحِينَ﴾ الأنبياء والأولياء، بِأنْ نحشرهم معهم). قوله: (والأولياء) فيه نظرٌ؛ لأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأولياء؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ إلى آخره [المائدة: ٥٥]، لكنْ لنُدخِلنَّهم في الأنبياء؛ لأنَّ مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الأولياء. * طالب: الآية يا شيخ قال الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾.. * الشيخ: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (...) لأنَّ هؤلاء هُم أَوْلى، ولا ذَكَر اللهُ في هذه الآية أربعةَ أصنافٍ، ما ذَكَر إلَّا صِنفًا واحدًا فقط (...) الصالحين؛ الأنبياء، والأصناف -صحيح- أربعةٌ؛ الذين أَنْعَمَ الله عليهم: النبيُّون ويدخل فيهم الرُّسُل، والصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، الصالحون هذه عامَّة لعموم المؤمنين، لكن اعلمْ أنَّ كُلَّ صالِحٍ فهو وَلِيٌّ. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لأنَّ الولاية أَعَمُّ، حتى الأنبياء من الأولياء بالمعنى العام. * طالب: (...). * الشيخ: الحالُ أنَّه يقول المؤلِّف: إنهم يحشرون معهم؛ يعني أنهم يومَ القيامة يُحشَرون مع الأنبياء، ما هو معناه أنهم يَلْحَقون بدرجتهم؛ فالأنبياء أعلى منهم؛ كما قال الله ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء ٦٩] والنبي عليه الصلاة والسلام معه اللواء يُحشَر في زُمْرته كُلُّ مَن آمن به. * * * ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠] ﴿مِن﴾ هذه للتبعيض، وهي خَبَرٌ مقدَّم، و﴿مَن﴾ مبتدأ مؤخَّر ﴿مَنْ يَقُولُ﴾. وقوله: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ معناه أنَّه يقوله بلسانه، ولكنَّه لم يرسخ الإيمان في قلْبه، ولهذا ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، فهو يقول بلسانه: آمَنَّا بالله، ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: لَحِقَتْه أَذِيَّةٌ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أي: في دِين الله في الدين الذي كان يعتنقه، ويحتمل أن تكون ﴿فِي﴾ للسببية؛ أي: بسبب الله؛ أي: بسبب قيامه بِدِينِ الله، والمعنى واحدٌ سواء قلنا للظرفية أو للسببية. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ هذا شَرْطٌ، الجواب: (﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أذاهم له ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوف منه فيُطِيعهم فينافق). يجعل فتنةَ الناس؛ يعني: إيذاءَهم له؛ لأنَّ إيذاء المؤمن مِن غيرِه فتنةٌ يُخْتَبَر به المرءُ؛ فإنَّ بعض الناس-نسأل الله العافية- إذا أُوذِيَ في الله ما يصبر، بعض الناس إذا كان مؤمنًا وحَصَل له أَذِيَّةٌ ما صبر وارتَدَّ، وبعض الناس -الذي في إيمانه قوَّة- لو أُوذِيَ يصبر ويزدادُ قوَّة في إيمانه، لكن هذا الذي قال: آمنَّا بالله، ما عنده إيمانٌ في القلب راسِخ؛ ﴿إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوف منه، فيجعل هذا عذابًا، ماذا يكون له؟ يرتدُّ بسبب هذا الإيذاء ويقول: هذه عقوبة، فأنا أرجع عمَّا أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِق، ولكنَّه مع هذا يدَّعِي أنَّه مؤمن، متى يدَّعي أنه مؤمن؟ ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ لاحِظ أنَّه ﴿وَلَئِنْ جَاءَ﴾ يقول المؤلِّف: إنها لام القَسَم و(إنْ) ويش هي (إن)؟ شرطية، و﴿جَاءَ﴾ فِعْل الشرط، وجملة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: لا، ما هي جوابه، جوابُ القَسَم، ولهذا أُجيبتْ باللام؛ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فإذا اجتمع قَسَمٌ وشرْطٌ فابن مالك يقول: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَـــــــــزَمْ وهُنا الذي أُخِّرَ الشرطُ ولَّا القَسَم؟ الشرطُ، فحُذِف جوابُه لدلالة جواب القَسَم عليه. (﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ﴾ للمؤمنين ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فَغَنِمُوا) ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذه جماعة ولَّا واحد؟ * الطلبة: جماعة. * الشيخ: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جماعة، فعاد الضمير على ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ باعتبار المعنى، وعاد إليه بالأول -﴿مَنْ يَقُولُ﴾ ولم يَقُلْ: مَن يقُولون- باعتبار اللفظ، وقد مَرَّتْ علينا هذه القاعدة غيرَ مرَّةٍ وقُلنا: إنه إذا جاء اسم الموصول أو اسم الشرط العامُّ للواحد والجماعة فإنَّه يجوز في ضميره أنْ يكون مجموعًا وأنْ يكون مفردًا، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مفردًا، وإنْ رُوعِيَ المعنى صار بحسَب ما يُرادُ به في المعنى، وسواء كان ذلك في أسماء الشرط أو في الأسماء الموصولة. اللِّي عندنا الآن في الاسم الموصول. في أسماء الشرط قال الله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ هذا راعَى اللفظَ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ راعَى المعنى ﴿أبدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الطلاق ١١] راعَى اللفظَ؛ ففي هذه الآية مراعاةُ اللفظِ ثم مراعاةُ المعنى ثم مراعاةُ اللفظِ مرةً ثانيةً. قال: (﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حُذِفَتْ منه نونُ الرفعِ لتوالي النوناتِ، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين) وبَقِيَتْ الضمَّة -﴿لَيَقُولُنَّ﴾ - دالَّةً على الواو المحذوفة. (﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ في الإيمان، فأشرِكونا في الغنيمة). أعوذ بالله، هؤلاء إذا أُوذُوا في الله ارتَدُّوا على أدبارهم ووافقوا مَن آذاهم، ولكنَّهم إذا أصاب المؤمنين نصرٌ قالوا: إنَّا كُنَّا معكم؛ يعني فنريد أن يَحْصُل لنا ما حَصَل لكم من الغنيمة. قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ويش الجواب؟ بلى. وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ قال المؤلِّف: (أي: بعالِمٍ). وسبق لنا أنَّ قوله هذا لا يُعتبَر تفسيرًا، ولكنَّه تحريف؛ لأنَّ (أعلم) أَبْلَغ من (عالِم)، فكيف يرُدُّها إلى (عالِم) وهو أنقص! وقوله: ﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بما في صدورهم أي: قلوبهم؛ يعني: أَعْلم بقلوب الناس؛ لأنَّ القلب محلُّه الصَّدْر، والقلب مَحَلُّ الإرادة، وفي هذا إن شاء الله دليلٌ على أنَّ مَحَلَّ التصديق والتكذيب هو القلب. وقوله: (بما في قلوبهم من الإيمان والنفاق) الجواب: (بلى). وعلى هذا فنقول لهذا الذي قال: إني معكم؛ نقول: لسْتَ معهم في الحقيقة؛ وذلك لأنَّك كافرٌ بالله عز وجل حينما ارتدَدْتَ لَمَّا أوذِيتَ. * * * ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١] ﴿لَيَعْلَمَنَّ اللَّه﴾ في المستقبل ولَّا في الماضي؟ في المستقبل؛ لأنَّ المضارع إذا دخلتْ عليه نون التوكيد جعلَتْهُ للمستقبل، والجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات؛ وهي القَسَم واللام ونون التوكيد، والمراد بالعِلم هنا الذي أكَّده الله وجعله مستقبلًا، أيش المراد بالعلم ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾؟ * طالب: عِلم المشاهدة. * الشيخ: إي نعم، علم المشاهدة والْمُجازاة؛ لأنَّ الله تعالى عالِمٌ بالمنافق وبالمؤمن من قبْلِ هذا، لكن عِلمه السابق عِلمٌ بأنَّ هذا سيقع، وعِلمه اللاحِق عِلمٌ بأنَّه واقع، وثانيًا: عِلمُه السابق لا يترتَّب عليه الْمُجازاة؛ إذْ لا مُجازاة إلا بعد الاختبار، وعِلمه اللاحِق يترتَّب عليه الْمُجازاة، إذَنْ فكُلَّما رأينا أنَّ الله تعالى عبَّر في القرآن عن عِلْمه بالمستقبل فإننا نَحمِلُه على أيش؟ على عِلْم المشاهدة والمجازاة وليس على العلم السابق في الأَزَل؛ لأنَّ العِلْم السابق في الأَزَل هذا ثابِتٌ قبْل أنْ يُخْلَقَ الناسُ فضلًا عن كونه قبْل أن يعملوا، ولكنَّ العلم الذي يترتَّب عليه الْمُجازاة والمشاهدة ما كان بعد ذلك ووقع. (﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم). قال المؤلِّف: (بقلوبهم) يعني: لا بألْسنتهم، والذي سبَقَ ذكره ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا إيمانٌ باللسان، ولكنَّ هذا الإيمان باللسان لا ينفعهم عند الله، صحيحٌ أنه ينفع في الدنيا، ولهذا لم يَقتُل النبيُّ ﷺ المنافقين مع عِلمه بهم، لكنَّه امتنع من ذلك لأنَّ ظاهِرهم الإسلام، ولو أنَّه قتلهم لكان في ذلك وسيلة إلى أن يُقتل المسلمُ بِحُجَّة أنه منافق، مع أنَّ قلْبه لا يعلمه إلَّا الله، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. والحمد لله أنَّ هذا مقتضى الشرع؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان كلُّ واحدٍ من الوُلاةِ الظَّلَمةِ في عصرنا هذا يرى شخصًا متديِّنًا يقول: إنه مُنافِق ومُراءٍ وهو كافرٌ في الباطن. ثم يقتله، ولكن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الشرع جَعَل الحكْم في هذه الدنيا على الظواهر، أمَّا في الآخرة فعلى السرائر. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (فيُجازِي الفريقين). المؤمن يُجازيه جزاءَ المؤمنِ، والمنافق يُجازيه جزاءَ المنافق، وجزاءُ المنافق أنَّه في الدَّركِ الأسفلِ من النار والعياذ بالله؛ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥]. قال: (واللام في الفِعْلينِ لام قَسَمٍ). أين الفعلان؟ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ﴿لَيَعْلَمَنَّ﴾، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ الثانية، فهي لامُ قَسَمٍ، فالجملة على هذا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّداتٍ. * طالب: معنى قوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (...)؟ * الشيخ: يحتمل هذا أو كعذاب الله الذي يعلمه الله، يعني جعلوه كأنَّه عذاب، وإنْ كانوا هم ما يُصدِّقون بهذا. * * * (...) * أولًا: وجوب الإحسان إلى الوالدَيْنِ في القول والفعل والمال. * ثانيًا: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى؛ حيثُ وصَّى الإنسانَ بوالديه. * ثالثًا: أنَّ للوالدَيْنِ حقًّا وإنْ كانا كافرَيْنِ، من أين نأخذه؟ * طالب: ﴿جَاهَدَاكَ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، فهُمَا مشركانِ ويجاهدانِ أيضًا بأن يُشرِك، ومع ذلك أوجَبَ اللهُ لهما الإحسانَ. * ومن فوائدها: أنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق؛ لقوله: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. * ومن فوائد الآية: وجوب طاعتهما في غير المعصية؛ لأنَّه إنما نهى عن طاعتهما في المعصية. وهنا انتبهوا يا جماعة؛ لأنَّ هذه قد تحتاج إلى مناقشة؛ يُقال نُهِيَ المرءُ عن طاعة الوالدَينِ في الشِّرك وسُكِتَ عن طاعتهما في غير الشِّرك. خلُّونا نجعلها المعصية أعمّ؛ نُهِيَ عن طاعتهما في المعصية وسُكِتَ عن طاعتهما في غير المعصية، أو لا؟ المنهي عنه (...) يا جماعة، المنهي عنه طاعتهما في المعصية، طاعتهما في غير المعصية مسكوتٌ عنها؛ نشوف: طاعتهما في الواجب واجبة؛ لأنَّ الله أوجبها؛ مثل إذا قال والدك لك: قم صَلِّ مع الجماعة. وجَبَ عليك أن تصلي. طاعتهما فيما ليس فيه طاعةٌ ولا معصيةٌ هلْ تدُلّ الآيةُ على الوجوب أو ما تدلُّ على الوجوب؟ ما تدلُّ على الوجوب، ولكن إنْ كان في طاعتهما إحسانٌ إليهما فإنَّ الآية تدُلُّ على الوجوب؛ لقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، فإنْ لم يكنْ في طاعتهما إحسانٌ إليهما فالآية لا تدُلُّ على الوجوب، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طاعة الوالدَيْنِ إنَّما تجب فيما لهما فيه منفعةٌ وليس عليه فيه مَضَرَّةٌ. الآية تدُلُّ على ما قاله الشيخ؛ لأنَّ الله نهى عن طاعتهما في المعصية وسكتَ عن طاعتهما في غير المعصية. نشوف؛ طاعتهما في غير معصيةٍ إنْ كانتْ تتضمَّن الإحسانَ إليهما فهي واجبة؛ لقوله: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، فإذا أمَرَك أبوك مثلًا أن تذهب وتشتري من السوق حاجةً كان ذلك واجبًا عليك؛ لأنه من الإحسان إليه، فيجب عليك أن تفعل. إذا أمَرَك أبوك ألَّا تُصاحِبَ فلانًا لأنَّه مستقيم، يجب عليك ولَّا ما يجب؟ * الطلبة: ما يجب. * الشيخ: ما يجب؛ لأن في ذلك مَضَرَّة أو على الأقل عدم (...) لكن ليس فيه منفعةٌ له. إذا قال: لا تُصاحِبْ فلانًا. لأنَّ فلانًا بينه وبينه عداوةٌ شخصيةٌ، وأنت ما لك منفعة من مصاحبته ولا عليك مَضَرَّة، تجب طاعته؟ نعم، تجب طاعته؛ لأنَّ مصاحبتك لعدوِّ أبيك هذا تغيظ أباك، فيكون في ذلك منفعة. فالمهم الآن أننا نقول: القاعدة في هذا الأمر أنَّهما إذا أمَرَاك بمعصية تطيعهم ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: طيب، لو قال لك أبوك: لا تَحُجَّ هذا العام. وأنت قادِرٌ على الحج بمالك وبَدَنِك ولم تؤدِّ الفريضةَ، تطيعه ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما تطيعه، يجب عليك وجوبًا أنْ تحجَّ ولو كان لا يرضى. طالب : (...). * الشيخ: إذا كان محتاجًا فهُنا يُنظَر؛ إذا كان ما فيه أحدٌ يقوم مقامَك وهو مُضطرٌّ إليك فارجع؛ لأنَّ الحجَّ يسقط عنك في هذا الحال. إذا أمَرَك بألَّا تحُجَّ هذا العامَ حَجَّ نفْلٍ وهو ما له مصلحةٌ من هذا، بس يقول: يا ولدي الْحُجَّاج كثير (...). ما تجب الطاعة، لكن تجوز الطاعة؛ لأنَّها ما هي بفريضةٍ، وإذا قُلنا: تجوز ولا تجب، فحينئذٍ ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على سَفَره، قد يكون الوالد ما يستطيع أن يستقِرَّ وولدُه قد سافر إلى هذا الجمْع الكثير ويبقى قلِقًا مُدَّة غياب ولده، فهُنا ويش يترجح؟ الطاعة وعدم السفر، أمَّا إذا علِمْنا أنه لا يُبالِي ولكنه مثلًا من باب المشورةِ ولَّا ما هو متأثر، فحينئذٍ ما تجب طاعته في هذا الأمر، إلا أنَّه ينبغي مُداراته ما أَمْكن. * طالب: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك. * الشيخ: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك، ما يجب عليك أن تجيبه إلَّا إذا كان في ذلك مصلحةٌ شرعيَّةٌ؛ مثل أنْ يكون الأب اطَّلَع على أمْرٍ ما يتحمَّل أن تبقى زوجتك معك من أجْله. * طالب: (...). * الشيخ: بينه وبينها عداوةٌ شخصيَّةٌ، ما يجب عليك، لكنْ مثل هذا تستطيع تُدارِيه بنقْلها إلى مكانٍ آخر، تبعد عنه ويستريح هو وتستريح هي. وأمَّا فِعْل ابن عمر مع أبيه فهذا أُورِدَ على الإمام أحمد لَمَّا سأله رجلٌ عن الرجل يأمر أو أنَّ أباه أمَرَه بأن يُطَلِّق زوجتَه، قال: لا تُطَلِّقْها. قال: أليس عُمَر أمَرَ ابنَ عُمَر أنْ يُطلِّق زوجتَه فأمَرَه النبي ﷺ بتطليقها؟! قال: بلى، حَصَلَ هذا، ولكنْ هل أبوك عُمَر؟ ويش قال؟ لا ولا أيوه؟ طبْعًا: لا، ليس هو عُمَر. إذَنْ الآية الكريمة تدُلُّ على تحريم طاعتهما في المعصية، وسكتَتْ عن طاعتهما في غير المعصية، وعلى هذا فلا تجبُ طاعتُهما إلَّا إذا كان داخلًا في أوَّل الآية، ويش هو؟ إذا كان إحسانًا إليهما؛ إذا كان في ذلك إحسانٌ إليهما كانت واجبة بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يجب عليه الإجابة (...). * يُستفاد من هذه الآية: وجوب طاعتهما في غير معصية الله إنْ كان ذلك من الإحسان إليهما. * من فوائد الآية: أنَّ حقَّ الله أَعظمُ من جميع الحقوق. وهلْ يدخُل في ذلك حقُّ نبِيِّه؟ نعم، يدخل فيه؛ فحقُّ النبي عليه الصلاة والسلام عليك أَعظمُ من حقِّ والِدَيْك. * ومن فوائد الآية: أنَّ الإشراك بالله ما يُمْكن أن يقومَ عليه دليلٌ، بلْ الأدلَّة كلها على خِلافِه وبُطْلانه. * ومنها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الإنسان مجازًى بعَمَلِه؛ لقوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * ومنها: إثبات عِلْم الله. من أين نأخذه؟ ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأنَّ الإنباء هو الإخبار، ولا يكون إخبارٌ إلا عن عِلْم. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾. * من فوائد الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح. * ومن فوائدها: أنَّه يُتوصَّل بهما إلى اللُّحُوق في الصالحين؛ لقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾. * ومن فوائدها: أنَّ الإيمان وحده لا يَكْفي في اللُّحوقِ بالصالحين. * ومنها: أنَّ العمل لا ينفع إلَّا إذا كان صالحًا، وهو ما جَمَع شَرْطَيِ الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. * من فوائدها: أنَّ الإيمان باللسان لا ينفع. * ومنها: حِكْمةُ الله تعالى في ابتلاء المرْءِ بإيذاء الناس له بإيمانه. * ومن فوائد الآية: أنَّ الابتلاء هو الْمَحَكُّ الذي يتبيَّن به الصادق مِن غيره، وإلَّا لكان كلُّ الناس يقول: أنا مؤمن. * ومنها: أنَّ مَن لم يرسخ الإيمان في قلْبه رجَعَ عنه إذا أُوذِي فيه. * ومنها: أنَّ المنافقينَ يَدَّعون مشاركة المؤمنينَ عند الرَّخاء ويُفارقونهم في الشدائد. * طالب: عند الرخاء (...). * الشيخ: عند الرخاء عام (...) مِن باب أَوْلَى، ويُفارقونهم عند الشدائد؛ إذا أُوذُوا في الله ارتدُّوا. * ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ النصر من عند الله. * ومنها: التحذير من النفاق؛ لقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.* من فوائد الآية في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: أنَّ الحكمة من الامتحان إظهار المؤمن من المنافق. * ومنها: إثباتُ النِّفاق؛ لقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ومنها: أنَّ المنافقين ليسوا بمؤمنين، من أين نأخذه؟ جَعَل المنافقين قَسِيمًا للمؤمنين، وقَسِيمُ الشيء خلاف الشيء. * ومنها: إثبات عِلم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب. * ومنها: أن الإيمان محلُّه القلب وليس الجوارح؛ إذ لو كان الجوارحَ لكان المنافقون مؤمنين، الإيمان محلُّه القلب.