تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴿٦٧﴾
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا.
من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾.
وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ).
لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.
﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟
* طالب: تحريم قتل الصيد.
* الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة.
قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه.
وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء.
هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به.
* طالب: (...).
* الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...).
مِن الفوائد:
* طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...).
* الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟
* طالب: من نزَّل.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣].
* مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء.
* ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل.
* ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾.
* ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١].
* ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد.
* طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟
* الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض.
* ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا.
* ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله.
* ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد.
* ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال.
* طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها.
* ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق.
إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية.
* طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن.
* الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم..
* الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾
* مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟
* طالب: بالنسبة للآخرة.
* الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾.
* طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا..
* الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا.
* ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة.
* ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر.
* ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
* ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا.
وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة.
* طالب: (...).
* الشيخ: في مؤلَّفات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب.
* طالب: كتاب القرافي؟
* الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته.
* طالب: رسالة الشيخ؟
* الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا..
* طالب: (...) الحروف والقواعد.
* الشيخ: إي نعم.
قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥]
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...).
* الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره.
* مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة.
* ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم.
* ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي!
* طالب: عند الكعبة (...).
* الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين.
فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق.
* ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
* ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله:
(﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء)
ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة.
أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]].
بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
* ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا.
ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر.
* فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا.
* ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا.
* ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل.
ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال:
(﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا)
وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم..
* طالب: (...).
* الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟)
الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا.
وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟
فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد.
وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟
* طلبة: كثيرة.
* الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟
* طالب: مُفْرَد مُضَاف.
* الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟
* طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾.
* الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.