تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٤﴾
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف.
لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟
نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها.
* ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية.
* ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم.
* ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟
* طلبة: سبع سماوات.
* الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع.
* ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟
* طلبة: لا، هذا الجنس.
* الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]].
* ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾.
* ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ.
* مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟
* طالب: بالحق.
* الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق.
* طالب: المنازعة في الأقدار؟
* الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا.
* الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟
* الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء.
* الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟
* الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش..
* الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا..
* الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة.
* مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية.
* ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟