×

القصص

الآية ٧٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ فَعَلِمُوٓا۟ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٧٥﴾

وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص ٧٥]. ﴿وَنَزَعْنَا﴾ النزع بمعنى الإخراج، نزع الشيء من الشيء: أخرجه منه، ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أي: (أخرجنا) ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ والمراد بالأمة هنا الطائفة، ولكنها ليست مجرد الطائفة، الطائفة التي كانت على منهاج واحد، فهذه الأمة، إذا كانت طائفة على منهاج واحد فإنها تُسمى أمة، ولهذا جاءت فيها (الميم) الدالة على الجمع والاجتماع، فالدولة ذات الأحزاب تكون أمة ولّا لا؟ ما هي أمة في الواقع؛ لأنها مختلفة، لكن الأمة هي الطائفة التي اجتمعت على منهاج واحد، فمثلًا أُمة الإسلام على دين واحد، أمة الكفر على دين واحد. وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى شاهدًا، ولكنه أتى بصيغة المبالغة أو بصيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل. ومن المراد بالشهيد؟ يقول المؤلف: (وهو نبيهم، يشهد عليهم بما قالوا)، هذا ما ذهب إليه المؤلف. وقال بعض العلماء: المراد بالشهيد: العريف، مثل ما نقول: العريف؛ يعني: زعيمهم وكبيرهم ننزعه من بينهم، ثم نسأله هذا السؤال المبني على التحدي: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص ٧٥]، وهذا ما ذهب إليه شيخنا عبد الرحمن في تفسيره، أن المراد بالشهيد هنا: الكبير من الأمة الذي يُعتبر بمنزلة العريف؛ وذلك لأن الكبير من الأمة نائب عن الأمة، وأيًا كان فالأقرب -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخنا: أن المراد بالشهيد من يكون شهيدًا بينهم ومُعتبرًا بينهم، فهو بمنزلة العريف. (﴿فَقُلْنَا﴾ لهم ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ )، من القائل؟ الله سبحانه وتعالى. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ البرهان: الدليل، أي: هاتوا الدليل (على ما قلتم من الإشراك)، يجيبون دليلًا ولّا لا؟ * طالب: ما يجيبون. * الشيخ: طبعًا، ما عندهم دليل. وقوله: ﴿هَاتُوا﴾ فعل أمر، والمقصود به التحدي والتوبيخ أيضًا، التحدي؛ لأنه طلب ما لا يمكن، والتوبيخ؛ لأنه سوف يلحقهم من الخزي والعار أمام الناس في ذلك المجمع ما لا يستطيعون دفعه. وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص ٧٥]، متى علموا أن الحق لله؟ لما لم يأتوا بدليل وبرهان على إشراكهم، علموا أنه لا حق لهم في هذا الإشراك، وأن الحق لمن؟ ﴿الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ وحده، وأن هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، كذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ يعني في العبادة ﴿لِلَّهِ﴾ وحده. وهذا العلم ينفعهم في ذلك الوقت ولّا لا؟ ما ينفعهم؛ لأنهم في ذلك اليوم يوم المجازاة، ينفعهم لو أنهم عملوا به في الدنيا لنفعهم، لو علموا أن الحق لله في الدنيا ثم عملوا لكان ذلك نافعًا لهم، أما بعد أن شاهدوا العذاب فيعلمون أن الحق لله فإن ذلك لا ينفعهم. لكن فيه فائدة عظيمة، الفائدة العظيمة في ذلك: هي إقامة الحجة عليهم ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٨ - ١٠]، فالفائدة من ذلك من كونهم يتحدون حتى يتبين لهم أن الحق لله هو أنهم يعرفون أنهم لم يُظلموا شيئًا. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ [القصص ٧٥] نعم، (﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الإلهية ﴿لِلَّهِ﴾ لا يشاركه فيه أحد). (﴿وَضَلَّ﴾ غاب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص ٧٥] في الدنيا من أن معهم شريكًا تعالى الله)، (شريكًا) أيش بعدها؟ * طالب: (تعالى عن ذلك). * الشيخ: (تعالى عن ذلك)؟ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾، ﴿وَضَلَّ﴾ يقول المؤلف: (بمعنى غاب)، ولكن (ضل) أبلغ من (غاب)؛ لأن (ضل) يقتضي كأنه أمر مطلوب، يُطلب ولكنهم عجزوا عنه، كالضالة، الإنسان إذا ضلت بعيره مثلًا أو شاته يتطلبها فلم يجدها، ويكون ذلك أشد عليه حسرة، فهنا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ كأنما هو شيء مفقود عزيز عليهم، ولكنهم لم يتمكنوا منه. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص ٧٥]، ﴿مَا﴾ ويش إعرابها؟ * طالب: موصول. * الشيخ: اسم موصول فاعل (ضل) أو لا؟ فاعل (ضل)؟ إي نعم، فاعل (ضل)، وأين العائد؟ * الطالب: محذوف. * الشيخ: والتقدير؟ * الطالب: يفترونه. * الشيخ: ما كانوا يفترونه. وقول المؤلف: (في الدنيا)؛ لأن ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض، فـ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من أن مع الله شريكًا، يضل عنهم هذا الشريك يوم القيامة، ولا يستطيعون أن يقوموا ببرهان عليه.