×

القصص

الآية ٥٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٥٤﴾

أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال. * الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن. * ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول. * يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟ * طالب: مرتين. * الشيخ: مرتين. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. * ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام: * طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. * الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث. * ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك. إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١]. * طالب: ولو كان فاسقًا؟ * الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له. * ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ. طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟ نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص. * * * قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.