تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿٣٥﴾
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٣٦﴾
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥].
* في هذا: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على عبده، حيث إن الله أجاب دعوة موسى، قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾.
* وفيه: دليل على أن الله أعطى موسى أكثرَ مما سأل؛ لأنه قال: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، فأعطاه الله أكثر من ذلك، أكثر من كونه أن يصدقه بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق معناه الخبر بأنه صادق، لكن التقوية أبلغ، ولهذا قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.
* ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى قد يَمنُّ على العبد فيجعل له سلطانًا بما آتاه من العلم؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥].
* ومنها: أن العلم سلاح؛ لأن السلطان معناه القوة والغلبة، وإذا كان سببه العلم كان ذلك دليلًا على أن العلم سلاح من أعظم ما يُدافع به الإنسان ويحاجج أيضًا. وأظنه مر علينا قصة ابن عمر مع الخادم (...)، فإن هذا لولا علم ابن عمر لكان لهذا الخادم سلطان، لكن ابن عمر كان عنده من العلم ما جعل له السلطة والغلبة على ذلك (...).
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: حماية الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥]، وهذا نظير قوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
* ومنها أيضًا: أن التمسك بشريعة الله سببٌ للغلبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]، كل من اتبعكما.
(...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
* ومنها: أنه إذا كان هذا في بني إسرائيل أنه مَن اتبع موسى هو الغالب، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فإن من اتبع النبي ﷺ فإنه غالب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، أيش معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يُعَلِّيه؛ لأن الظَّهر والظُّهور كله يدل على الغلبة.
قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [القصص ٣٥، ٣٦].
* طالب: (...).
* * *
* الشيخ: ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦].
* في هذا يستفاد منه: أن موسى ﷺ نَفَّذ ما أرسله الله به.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الآيات التي يرسِل الله بها الأنبياء تكون بينةً واضحة؛ لئلا يكون لِلمدعُوِّين حجة في خفاء الحجة، فيجعل الله تعالى الآيات بينة واضحة. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[ أخرج البخاري (٤٩٨١) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]]. فلا بدَّ أن تكون الآيات التي يُرسَل بها الرسل تكون بينة واضحة لئلا يبقى للناس حجة.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الآيات التي أعطاها الله موسى ليست واحدة ولا اثنتين، بل هي آيات متعددة يؤمن على مثلها البشر، لكن هؤلاء قوم عُتاة والعياذ بالله.
* ومنها، من فوائدها: أن دعوى المكذِّبين للرسل ما تكون إلا مِن نوع المكابرة، فإن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، هل يقتضي ردَّ الحق ولَّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يقتضي رد الحق، إي ما سمعتموه لكن إذا كان حقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حجة إذا قال: والله هذا ما سمعنا به.
* ومنها أيضًا: أن أعداء الرسل يُلقِّبون الرسل بألقاب السوء والعيب؛ لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦]، ما عند أعداء الرسل إلا أنهم يلقبونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا كذاب، هذا مجنون، هذا شاعر، وما أشبه ذلك.
* إذن نأخذ منه أيضًا فائدة متفرعة: أن أعداء الرسل سوف يُلقِّبون من يدعون بدعوة الرسل بمثل هذه الألقاب، فيقولون: كالرجعيين، متأخرون، متزمتون، متشددون، متعصبون.. وما أشبه ذلك، نعم، أو ربما يقولون إلى أبلغ من هذا، يقولون: ضالون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]. المهم أنه يجب أن نعرف أن هذه الدعوة -دعوة الحق- لها أعداء، هؤلاء الأعداء الذين قابلوا الرسل بما قابلوهم، والرسل هم الأقوى في القيادة، سيقابلون مَن بعدهم بمثل ما قابلوهم به أو أكثر. إذن فلنطمن أنفسنا على أننا إذا دعونا إلى الله على حق وعلى بصيرة، فسيقولون لنا، فسيقوم أمامنا مَن يقول لنا مثلما قالوا للرسل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون ١٠٩] (...)، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، المهم أنه ما دامت الدعوة واحدة فعدوُّها واحد، وما قيل في الأول يُقال في الثاني.
* ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للمرء أن يثنيَه عن قول الحق ردُّه أو وصفه هو (...)؛ لأن موسى هل توقف لما قالوا له هذا الكلام؟ لا، استمر في الدعوة، وبه قامت الحجة مع أنه هُدِّد بالسجن، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يُبال بهذا، فكذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يصبر ما دام يعلم أنه على حق.