تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿٢٧﴾
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص ٢٧].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: نُصْح هذا الوالد لبناته؛ لأنها لما وصفته بالأمانة والقوة اختاره، وهكذا ينبغي للإنسان أنه يختار لبناته مَن يتصف بالقوة والأمانة.
* ويُستفاد من هذا: جواز خِطبة الزوج، يعني أنك أنت تخطب الزوج لبنتك، مع أن العادة العكس، لكن هذا جائز، ويدل له أيضًا أن أمير المؤمنين (...) تعدى على نشاطه من أنه كان يسمع النبي ﷺ يذكرها، فلم يشأ أن يتقدم بين يديه، تعرفون، ثم خطبها النبي ﷺ[[أخرج الطبراني في الكبير (١٠٣٠٥) عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي».]]. المهم أن خطبة الإنسان الرجل لابنته، هذا أمر مشروع ومعروف فيما سبق وفي هذه الأمة.
* ويستفاد من هذا أيضًا: كرم هذا الرجل، ووجهه أنه خَيَّر موسى، خَيَّره بالبنتين، قال: اختر إحداهما. وهذا من الكرم؛ لأنه في الحقيقة أن التخيير أوسع للإنسان وأطيبُ لنفسه بحيث يختار ما يراه أنسب. لكن لو قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ هذه البنت، فقد يكون الرجل لا رغبة له فيها، أما ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ فالتخيير يدل على الكرم، وأنه جعله في سَعَة.
* ويستفاد من ذلك: جواز العقد على المبهمة إيجابًا، لا قَبُولًا، يعني معناه أنه يقول: زوجتك إحدى ابنتي، فيقول الزوج: قبلت نكاح فلانة. وهذه المسألة لها ثلاث صور: إما أن يحصُل التعيين بالإيجاب والقبول، فيقول: زوجتك بنتي عائشة، فيقول: قبلت، هذا.
* طالب: فيه خلاف.
* الشيخ: لا، ما فيه خلاف، هذا تعيين في الإيجاب وفي القبول، فالإيجاب: الولي قال: زوجتك بنتي عائشة، عَيَّنها، والزوج قال: قبلت زواج هذه المرأة.
وإما أن يكون الإبهام في الإيجاب والقبول، فلا يصح، مثل أن يقول: زوجتك إحدى ابنتيّ، فيقول: قبلت نكاح إحداهما. فهنا لا يجوز، لا ينعقد النكاح؛ لأننا ما ندري أيتهما التي انعقد نكاحها.
وإما أن يكون التعيين في الإيجاب دون القبول، فيقول مثلًا: زوجتك بنتي عائشة، فيقول الزوج: قبلت نكاحَ إحدى بناتك، أيش الحكم؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، لا ينعقد.
بقينا في الصورة الرابعة، قلنا: ثلاث صور، والواقع أنها أربع صور.
الصورة الرابعة أن يقول: زوجتك إحدى بناتي، فيقول: قبلت نكاح فلانة، يُسَمِّيها، فهنا الإبهام في الإيجاب، والتعيين في القبول، فهل يصح ولَّا ما يصح؟
* طالب: يَصح.
* الشيخ: المذهب: لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون التعيين في الإيجاب والقبول، ولكن الذي يظهر أنه يصح؛ لأنه لما قال: زوجتك إحدى بناتي، فقال: قبلت عائشة، معناه حصل التعيين ولَّا لا؟ حصل، لكن الموجِب اللي هو الولي أراد أن يفسح له المجال في الاختيار، فهذا الظاهر صحة العقد، لا سِيَّمَا إذا قال: زوجتك إحدى بناتي هؤلاء، وعَيَّنَهم، وقال: قبلت عائشة، وهي من المعينات، فهذا أيضًا أقرب إلى الصِّحة؛ لأنه هنا حصل تعيين بأي شيء؟ بالإشارة، ثم عَيَّن واحدةً منهن بالقبول. هل نقول: في القصة هذه دليل على هذه المسألة؟ ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ [القصص ٢٧]، وموسى على كل حال بيقبل إحداهما، هو قبل (...)، فهل في القصة دليل؟
* طالب: لا، ما فيها دليل.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: حصلت قبل أن يكون نبيًّا.
* الشيخ: ولأنه لم يعقد، قال: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ [القصص ٢٧]، يعني: فتخير، وربما يكون العقد وقع بعد ذلك عقد جديد، وقد تقدم لنا قبل قليل أن الإرادة للشيء غيرُ فعل الشيء.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الزوج يملك العقد على ابنته بدون رضاها؟
* طالب: الأب.
* الشيخ: قصدي الأب إي، الأب يملك العقد على ابنته بدون رضاها؟
* طالب: نعم يجوز.
* الشيخ: اصبر، الآية ما فيها دليل، الآية نفسها ما فيها دليل؛ إذ من الممكن أن يكون الأب قد استأذن منهما قبل ذلك، أو أنه فَهم منهما الرضا لكونها عَرضَتْ عليه ووصفتْه بالقوة والأمانة. وعلى كل تقدير، حتى لو فرضنا احتمال أنه لم يستأذن، فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك: أنه لا يجوز للإنسان أن يُزوِّج ابنته بدون رضاها، وأن العقد إذا زَوَّج ابنته بدون رضاها يعتبر باطِلًا ليس بصحيح.
* ويستفاد من الآية الكريمة: جواز اشتراط الأب شيئًا من الصَّداق له، يجوز؟ جائز ولَّا لا؟
* طالب: في شرع من يا شيخ؟
* الشيخ: لا، نريد: هل يستفاد من الآية أنه يجوز للأب أن يشترط شيئًا من المهر له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الغنم لمن هي؟
* الطالب: للأب.
* الشيخ: للأب، ورعيها؟
* الطالب: له.
* الشيخ: له، وهنا بِيزَوِّجه على أن يأجره ثماني حجج برعي الغنم، فيكون فيه دليل على أنه يجوز أن يَشترِط الأبُ مهر ابنته له. وهذا فيه إشكال بالنسبة لشريعتنا؛ لأن الله يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء ٤]، وقال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة ٢٣٧]. وهاتان الآيتان تدلان على أن المهر لمن؟ للزوجة، وهي التي تملك التصرف فيه بالعفو والإعطاء، وليس للأب حق في ذلك، وهو الذي دلت عليه السنة أيضًا: أن ما كان من شرط أو حِبَاء قبل العقد فهو للزوجة، وما كان بعده فأحق ما يُكرم عليه المرء ابنته وأخته[[أخرج أبو داود (٢١٢٩) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة، قبل عصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته». ]].
فالمهر الذي قبل العقد كله يجب أن يكون للزوجة، وهذا القول هو الصحيح: أن المهر لمن؟ للزوجة، لا يُشاركها فيه أحد؛ لأنه في مُقَابلة بضعها، فيكون لها، وليس للأب أن يشترط منه لنفسه شيئًا، نعم للأب إذا ملكته الزوجة أن تملك.
* طالب: تعطيه.
* الشيخ: لا، هي لم تعطه، تعطيه (...) أن يتملك منها؛ لأن الأب له أن يتملك من مال ولده ما لا يحتاجه ولا يضره؛ لقول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، فأما أن يشترط منه شيئًا لنفسه فكَلَّا، فإن الشرع لا يُجيزه، وهو أيضًا سبب للفساد وملاحظة الأب للمهر، يبغي يزوِّج من يشترط له أكثر، وإن لم يكن كفئًا، ويمنع من لا يشترط له، وإن كان كفئًا فالمصلحة والشرع كلاهما يقتضي أنه لا يجوز للأب أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر.
طيب والأم والأخ؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، الآن البادية -والعياذ بالله- على خلاف هذا، يَشترِط الأب له شيئًا، والأم شيئًا، والأخ شيئًا، والمُرضعة شيئًا، والكلب شيئًا، والحمار اللي عندهم شيئًا... وهكذا، ويبقى للمرأة ما من المهر مثل ما للحمار والكلب، فهذا ما يجوز، حرام، يجب أن يكون المهر كله لمن؟ للزوجة، ولا لأحدٍ عليه سلطة، إلا الأب فله سلطة عليه، متى؟
* طالب: بعدما تملكه.
* الشيخ: بعدما تَملِكه، ويدخل في مُلكها، فللأب أن يتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه.
طيب هذه الآية استدل بها بعض العلماء على أنه يجوز للإنسان أن يشترط من مهر ابنته شيئًا، المهرَ كلَّه أو بعضَه. نقول له: لا يصح هذا؛ لأن شرعنا ورد بأيش؟
* طالب: بخلافه.
* الشيخ: بخلافه، استدل به بعض العلماء أيضًا على أنه يجوز أن يكون المهر منفعة تستحلها الزوجة من زوجها، يعني أن يكون يعمل لها بناء، يبني لها بيتًا، يأتي لها بشيء غائب، والاستدلال واضح ولَّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن رعي الغنم منفعة عنها؛ إذ لو لم يرعها موسى مَن يقوم برعيها؟ هاتان البنتان، فهو في الحقيقة منفعة لها. ثم إن شرعنا ورد بوفاقه، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي لم يجد عنده شيئًا: «زَوَّجْتُكَهَا» » بأيش؟ «بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٧١) ومسلم (١٤٢٥/ ٧٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما. ]]، وهذا منفعة. لكن لو اشترطَت عليه أن يخدمها، أن يكون مهرها خدمتها، مثلًا هذه امرأة عجوز كبيرة خطبها إنسان ما عنده مال أو عنده مال، وقالت: المهر أنك تخدمني، تشيلني مثلًا لأتوضأ، وكذلك أيضًا (...) حذائي وتغسل ثوبي وما أشبه ذلك، يجوز ولَّا لا؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: إنه لا يجوز؛ لأن مقام الزوج أن يكون أعلى من مقام الزوجة، فإن الزوج سيد كما قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]، والزوج رجل، فهو قوَّام على المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤]، والمرأة أسير عند الزوج، أسيرة: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (١١٦٣) من حديث عمرو بن الأحوص رضي الله عنه بلفظ «ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم». ]]، وإذا قلنا: إنه يجوز أن يكون المهر خدمتها انعكست القضية، صار الأعلى هو الأسفل، فلا يجوز. ولكنَّ المذهب جوازُ ذلك، مذهبنا جواز هذا الشيء؛ لأنها منفعة، وكما يجوز أن تتزوجه على أن يبني بيتها ويرعى غنمها، فكذلك أن يقوم بخدمتها، والتعليل هذا لا يمنع، نعم، يكون زوج يخدمها فيما اشترطت عليه، وتخدمه فيما يجب عليها، فتكون خادمة مَخدُومة، كحرف الجر يعمل فيه الفعل وهو يجر الاسم، هو عامل معمول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن عندها مال ويترقب أنها تموت قبله ويرثها!
* الطالب: نعم (...).
* الشيخ: المهم.
* الطالب: قد يموت هو قبلها؟
* الشيخ: نعم، قد يموت قبلها، لكن حسب الحال، هذا رجل شاب وفقير، وهذه امرأة عجوز كبيرة عندها أموال عظيمة وقال: ربما إنها تموت قبلي فأرثها، ما يخالف أنا أخدمها.
* طالب: شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: جواز اشتراط الأب.
* الشيخ: وقد يكون أيضًا لغير هذا السبب، قد يكون لرفع حسبه؛ أن هذه امرأة مثلًا من قبيلة مشهورة ويحب أن يرتفع حسبه؛ لأنه عند الناس مثلًا قد يكون عند الناس غير قبيلي، فإذا تزوج هذه المرأة المعروفة بأنها من قبيلة معينة عُلِم بذلك، المهم فيه اعتبار.
* الطالب: جواز اشتراط الأب شيئًا من مهر ابنته.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ما هو يرد عليه أنه (...)؟
* الشيخ: (...) ما هو بصحيح، لأن غنمها الآن إذا تزوجت المرأة (...) لزوجها الرعي تضيع الغنم، المهم الحمد لله أنه في شرعنا يخالف هذا لا يجيزه.
* ويستفاد من هذه الآية: أنه يجوز أن يجعل الإنسان العمل عملين؛ عملًا واجبًا وعملًا تبرعًا، يجوز؟ يعني يقول: أبغي أستأجر منك هذه السيارة عشر سنوات، واثنتا عشرة سنة من عندك، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، ما فيه مانع، يقول: أؤجر لك بيتي خمس سنين هذه المدة (...) خمس سنوات، والسنة السادسة تبرُّع: إن شئتُ أعطيتك إياها وإن شئت طَلَّعْتك، فلا بأس به.
ونظيره من بعض الوجوه أن يقول القائل لشخص: خذ هذا الشيء بعه بمئة، وما زاد فلك، فإن هذا جائز بشرط أن يكون عند كل من الطرفين معرفة بالسعر، لئلا ينخدع أحدهما، أخذتم بالكم؟ واحد مثلًَا عنده حاجة يبغي يبيعها، وجاء إلى الدلَّال وقال: خذ هذه الحاجة بعها بمئة وما زاد فهو لك، يجوز؟ نقول: نعم جائز، يبيعها بمئة وعشرين يأخذ عشرين، بمئة وخمسة يأخذ الخمسة، بمئة وعشرة يأخذ العشرة، ولكنه يُشترط في هذا أن يكون لدى كلٍّ من الوكيل والمُوَكِّل علمٌ بالسعر، لئلا ينخدع أحدهما. أفهمتم يا جماعة؟
* طالب: أي سعر؟
* الشيخ: سعر هذه السلعة، يعرف أنها مثلًا تساوي مئة قد تزيد قليلًا وقد تنقص قليلًا، أما أنه ما يدري، ويش تسوى؟ يقول: بعه بمئة، يقوم يروح ذاك يبيعها بأربع مئة مثلًا، يكون سعرها أربع مئة وهو ما يدري، أو يكون مثلًا يعرف أن سعرها ما تساوي خمسين، والوكيل ما يدري، مَن الذي يغتر هنا؟ الوكيل، وفي المسألة الأولى المُوكِّل (...)؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: زين.
* الطالب: طيب، لو الوكيل إذا شرط (...)؟
* الشيخ: إي معلوم.
* الطالب: الإعلال على ظاهره.
* الشيخ: المهم أنه إذا صار السعر معروفًا، أنها هي قيمتها من المئة تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا ما يخالف، يعرفون هذا، لكن إذا قُدر أن الوكيل ما يدري عن السعر، والمُوكِّل يدري أن ها السلعة ما يمكن تصل إلى المئة، وجاء يبغي (...) ها الرَّجَّال قال: تعال خذ هذه بعها بمئة والزود لك، ذاك ما يدري المسكين يحسب أنها بتجيب أكثر من مئة، فأخذها وتعب في الحراج عليها وباعها، ما بيعت إلا بثمانين أو بتسعين مثلًا، يكون في هذا؟
* الطالب: غرر على المُوَكِّل.
* الشيخ: على الوكيل.
* الطالب: إي، على الوكيل.
* الشيخ: على الوكيل. وبالعكس: إذا كان المُوَكِّل ما يعرف ويش القيمة، نعم، وقال له الوكيل: أنا ببيعها لك بمئة واللي يزيد لي. هذا بحسب أنه (...)، فوافق على هذا فإننا نقول: لا يجوز؛ لأن فيه تغريرًا بمن؟ بالمُوَكِّل.
* ويستفاد من هذه الآية: حُسن معاملة صاحب مدين من وجهين؛ أولًا: أنه فسح له في الأجل، ويش قال؟ ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص ٢٧]. وثانيًا: أنه وعده بالتيسير في المعاملة؛ حيث قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾، فهذان دليلان على أنه كان سمحًا في معاملته.
* ويستفاد من قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أنه لا ينبغي للمرء أن يَعْزِم على فعل الشيء إلا مقرونًا بالمشيئة؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، بل إن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه أن يعزِم على فعل الشيء بدون قرنه بالمشيئة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف ٢٣، ٢٤].
والقرن بالمشيئة يا جماعة فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: تفويض المرء الأمرَ إلى الله، وهذا هو تحقيق التوكل.
والثاني: تيسير الأمر له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة سليمان: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٢٠) ومسلم (١٦٥٤/٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهمتم يا جماعة؟ وترى هذا إذا كان الإنسان يريد أن يُخبِر عن الفعل، أما إذا كان يريد أن يُخبر عن عزيمته على الفعل فلا يلزمه قوله: إن شاء الله، إذا كان يخبر عن العزيمة أنه سأفعل غدًا، يعني هذه نيتي وعزيمتي، فإنه لا يلزمه القرن بالمشيئة، ليش؟ لأن العزيمة حاصلة، فقد شاءها الله، وإذا كانت حاصلة وقد شاءها الله ما حاجة أن يقول: إن شاء الله؛ لأن الله شاءها.
ففرق بين أن يقول الإنسان: سأزورك غدًا، وهو يريد وقوع الفعل، وبين أن يقول: سأزورك غدًا، وهو يريد أن يخبر عما في قلبه من النية والعزيمة. هل ما بينهما فرق؟
بينهما فرق، ففي الأولى لا بد أن يقول: إن شاء الله، وفي الثانية لا يحتاج أن يقول: إن شاء الله، والفرق بينهما أن العزيمة أمر واقع، وأما الفعل فأمر مُسْتَقبَل قد يقع وقد لا يقع.
* طالب: لكن ما يُستحب في العزيمة؟
* الشيخ: ما أظن، ما يستحب، إلا إذا كان على سبيل التعليم فلا بأس، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥/١٠٤) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه. ]] مع أنه محقق، وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح ٢٧].
* ويستفاد منه، من قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص ٢٧]، يستفاد منه: أن صاحب مدين مؤمن؛ لأن مثل هذه الصيغة ما تأتي إلا من مؤمن ملتزم بالشريعة ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
* ويستفاد منها: أن الصلاح في كل موضع بحَسَبه، ففي العبادة ويش الصلاح في العبادة؟
* طالب: الإخلاص والمتابعة.
* الشيخ: إي، القيام بما يجب من الإخلاص والمتابعة لله وترك المنهيات وفعل المأمورات، والصلاح في المعاملة: الوفاء بما يقتضيه العقد، هذا الصلاح في المعاملة: الوفاء بما يقتضيه العقد.
هنا ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أي الأمرين أليق؛ صلاح العبادة ولَّا المعاملة؟
* طالب: لا، المعاملة.
* الشيخ: المعاملة؛ لأن المسألة جاءت تعقيبًا على عقد.
قال الله تعالى بعده: ﴿