×

النمل

الآية ٩٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٠﴾

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠]. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: أي: ما تجزون؛ يعني أن الاستفهام هنا أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يدل على النفي وزيادة؛ فهو مثلًا: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، يدل على أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يدل على تقرير هذا الأمر، وأنه لا يمكن للإنسان أن يجازى إلا بما كان يعمل، ويكون فيه تقرير وتقريع في نفس الوقت. قال المؤلف: (ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ﴾ أي: ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي). قوله: (ما ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ) تقدم الكلام عليه. وقوله: (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) هل فيه صرف للفظ عن ظاهره؟ كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...). * الشيخ: جزاء ما كنتم، طيب ويش القصد؟ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقتضي أن يكون العمل هو الجزاء نفسه، يكون العمل هو الجزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العمل ليس الجزاء، بل الجزاء شيء والعمل شيء آخر، عندما تستأجر إنسانًا يعمل لك، ثم تعطيه الأجرة، فعمله غير أجرته، العامل لله سبحانه وتعالى عمله غير جزائه. فظاهر الآية: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إن الإنسان يجزى بعمله أو لا؟ لذلك احتاج المؤلف أن يُقدّر هذا المحذوف، (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) لكن ما في الآية أبلغ؛ لأنه من باب المبالغة في العدل، أن يُجعل الجزاء هو العمل، كأن الجزاء نفسه عملك، مبالغة في العدل، فأنت إذا كنت تريد ثوابًا كثيرًا فاعمل كثيرًا؛ لأن ثوابك عملك. وأما قوله: (﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ )، ففيه أيضًا: ركاكة، ما تجزون إلا جزاء العمل؟ معلوم، كلمة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ يستفاد منها الجزاء، فلا حاجة إلى تفصيل؛ فالصواب: إبقاء الآية على ما هي عليه، على ظاهرها. ويُفهم أن الذي يعطونه هو الجزاء من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾، والتعبير عن الجزاء بالعمل نفسه مبالغة في العدل، بحيث يكون جزاؤك عملك. وقوله: (من الشرك والمعاصي)، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الصواب: أن الكافر يُعاقَب على أصل الكفر، وعلى المعاصي أيضًا التي عملها، فالمشرك إذا زنى وسرق وشرب الخمر يعاقب على ذلك، فيعاقب على الأصل والفرع، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٠ - ٤٦]. فالصلاة والصدقة ليست من الأصول، وإن كان الصواب: أن الصلاة من الأصول، وأن تاركها يكفر، لكن الصدقة ليست من الأصول، حتى الزكاة -على القول الصحيح- لا يكفر تاركها، ومع ذلك ذكروا أنها من أسباب دخولهم النار، ولولا أن لها تأثيرًا في الجزاء ما صارت من الأسباب، وهذا دليل على أنهم أيش؟ يعاقبون على فروع الإسلام كما يعاقبون على أصوله. وعلى هذا، فيعاقبون على معاصيهم التي دون الشرك، وهذا بلا شك كمال العدل؛ لأنه إذا كان المسلم يعاقب عليها فكيف بالكافر؟ هل تكون للمسلم نقمة، وتكون للكافر نعمة؟ لا، بل أبلغ من ذلك الكافر يعاقَب حتى على المباح للمؤمن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. يؤخذ من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنها لغير المؤمنين ليست خالصة، وأنهم سيجازون عليها، وهذا أيضًا مقتضى النظر؛ إذ كيف يتنعّم الإنسان بنِعم الخالق وهو يعصي الخالق؟ لا بد أن يعاقبه؛ يقول: أنا أحسنت إليك، أطعمتك، سقيتك، كسوتك، أسكنتك، زوَّجتك، وما أشبه ذلك، فيعاقب على هذه النعمة؛ لأنها تحتاج إلى شكر. قال: (قل لهم ﴿