تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٦٥﴾
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿