تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٥٦﴾
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦].
﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر.
وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض.
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية.
وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه.
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له.
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك.
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية.
والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟
الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها.
وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم.
قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟
* طالب: منقطع.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) أيش لون (...).
* الطالب: (...) من غير جنسه.
* الشيخ: وهنا؟
* الطالب: لا، من جنسه.
* الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾.
وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿