تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ﴿٣٨﴾
ثم قال الله تعالى: (﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ في الهمزتين ما تقدم) ﴿المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾، ويش اللي تقدم؟ تحقيقهما، تحقيق الهمزتين ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ [النمل ٣٨]. وتسهيل الثانية بقلبها واوًا ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ وَيُّكُمْ﴾ .
(﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين، فلي أخذه قبل ذلك لا بعده). قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عرف أنهم سيأتون مسلمين إليه؟
عرف ذلك من أنهم إذا سمعوا بما قال الرسول الذي قال له: ارجع إليهم، فإنه لا بد أن يستسلموا وينقادوا، فهو أيضًا حكم بالقرائن، ويجوز أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه بذلك لأنه نبي، فالمسألة دائرة بين أن يكون حكم بكونهم يأتون مسلمين بناءً على القرينة، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى.
ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبّه المفسّر على أنه إذا كان العرش أُخذ قبل أن يأتوا مسلمين إليه، فهو جائز، وإذا كان بعد ذلك فليس بجائز.
وفي هذا نظر؛ لأنها هي بمجرد ما تفارقه مسلمة تكون قد أحرزت مالها، ولّا لا؟ وقد حمته، فمالها محترم قبل أن تصل إلى سليمان بمجرد إسلامها، وهي إذا غادرت ستأتي بلا شك مستسلمة، فإنه قال لهم بالأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] وليس غرضه -والله أعلم- أنه إذا كان قبل إسلامهم جاز له أخذه، وإذا كان بعده لم يجز.
ثم إن الظاهر أيضًا أن سليمان لا يريد تملك هذا العرش، وإنما يريد إظهار قوته أمامها، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها قبل أن يصلوا إليه، ولا يريد أن يتملكه حتى يرد ما قاله المؤلِّف.
لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو القوي الشديد).
العفريت: القوي الشديد، ولا زال هذا المعنى إلى الآن موجودًا، إذا قلنا: فلان عفريت يعني: قوي شديد أو نقول بعد أبلغ من هذا.
﴿