×

النمل

الآيات ٢٧–٢٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٢٧﴾

ٱذْهَب بِّكِتَـٰبِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾

قَالَتْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَـٰبٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾

قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]، ما هو قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري «حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فقال: هات من يشهد لك». فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣ / ٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، ولم نقف فيه على شهادة محمد بن مسلمة، وإنما هو أبو سعيد الخدري. ]]. فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك. * وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب. مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإن هذه فيها مراعاة للفواصل. وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان: الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين. ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا. ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ في هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك. ﴿سَنَنْظُرُ﴾ هذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟ لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بجنودنا وأعواننا ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه. فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع. وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. * في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فَأَلْقِهْ﴾، ثم ﴿انْظُرْ﴾ و﴿تَوَلَّ﴾ كل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟ * طالب: فتنزجر. * الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه. قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ فإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس. مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وهذا هو الذي حصل. * طلبة: (...). * * * * الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. وسبق ذكر الفائدة في قولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ دون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد. (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هذا تحقيق الهمز. (وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) ﴿الْمَلَأُ وفْتُونِي﴾ ، وهذا مبني على؟ * طالب: القاعدة. * الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا. وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟ * طلبة: (الله وكبر). * الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر). (﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا عليّ ﴿فِي أَمْرِي﴾ ) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن ﴿فِي أَمْرِي﴾. (﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيته ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها. وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: قاضية له. ﴿أَمْرًا﴾ هذه نكرة في سياق أيش؟ * طلبة: النفي. * الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه. وكذلك قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور. وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل. وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟ * طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب. * الشيخ: الشروط تامة. * الطالب: تامة الشروط؟ * الشيخ: إي، تامة الشروط. * الطالب: (...) حتى الصبح. * طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...). * الشيخ: لا (...). * طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ. * الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد. * الطالب: (...). * * * * الشيخ: يقول الله عز وجل: (﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر. (﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد. القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...). وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا. (﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟ المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب. أجابت: (﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ -يعني بالأثر- ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: مرسلو الكتاب). كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها. وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب). وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها. يقول: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة. وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟ وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب. * طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟ * الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لأن هذا عام. ثم قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وقولها: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؟ لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وإعراب ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وما أكثر ما تأتي في القرآن ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد ١٧]. يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي. قالت: ﴿إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟ * طلبة: ثلاثة. * الشيخ: أقل الجمع ثلاثة. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأي شيء يرجعون به. و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟ * طالب: بناظرة. * الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ (ما) استفهامية ولَّا موصولة؟ * طلبة: موصولة. * الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١]. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟ * طالب: تكون. * الشيخ: تكون. ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]، شوف ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ تبقى الألف ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف. فـ(ما) الاستفهامية إذا سبقها حرف جر تُحذف ألفها. * طالب: فيها لغتان؟ * الشيخ: على ما يرجع، لا ما فيها لغتان، ولهذا نقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بناءً على القاعدة المشهورة عند النحويين: وهي أن اسم الاستفهام له الصدارة، بل الاستفهام كله سواء كان اسمًا أو حرفًا له الصدارة، وإذا كان له الصدارة لم يعمل ما قبله فيه؛ لأنه لو عمل ما قبله فيه ما كان له الصدارة، لكانت الصدارة لأي شيء؟ * طلبة: (...). * الشيخ: للعامل الذي قبله، وعليه فنقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، وتكون الجملة إذن معلّقة عن العمل عن عمل. ﴿نَاظِرَةٌ﴾ معلقة لها عن العمل فهي في محل نصب. (﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها إن كان ملكًا قبلها أو نبيًّا لم يقبلها). كون المؤلف يحيل قبول الهدية وعدمها على أنه إن كان مَلِكًا قَبِل وإن كان نبيًّا لم يَقْبل، هذا لا دليل عليه، ولكن نقول: إنه إذا كان يريد القتال فإنه؟ * طالب: لن يقبل. * الشيخ: لا، إذا كان يريد القتال فهو يقبل الهدية؛ يعني إذا كان هذا الرجل عنده طمع مادي فقط فإنه يقبل الهدية؛ لأن القتال ما يعلم هل تكون العاقبة له أم لا، والهدية غنيمة حاضرة فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كان لا يريد الدنيا، وإنما يريد أمرًا آخر، وهو الدعوة للإسلام وكونهم مسلمين كما قال في الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فإنه حينئذٍ لن يقبل الهدية؛ لأن الذي يدعو إلى الله وإلى الإسلام لا يمكن أن يقبل هدية على حساب ما دعا إليه أبدًا، وأما مسألة النبوة وعدمها فالله أعلم بهذا، ما نجزم بما قال المؤلف، بل نقول: إنها تريد أن تختبره إذا كان يريد دنيا؛ فالهدية تمنعه من قتالها، وإذا كان لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلموا فالهدية ما تمنعه. (فأرسلت خدمًا ذكورًا وإناثًا) الآن يبين المؤلف الهدية (خدمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسوية، وخمس مئة لبنة من الذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وغير ذلك مع رسولٍ بكتاب) التعيين هذا لا دليل عليه، ولهذا نقول: إنها هدية كبيرة بلا شك، ويدل على كبرها أن الذين أرسلوا بها جماعة، أما تعيينها بهذا الأمر فهذا لا نجزم به، فإن كان واردًا عن بني إسرائيل فإنه من الأخبار التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر)؛ لأن سليمان قال له: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أو لا؟ والظاهر أن الهدهد بقي حتى استقر أمرهم على شيء وقد استقر على إرسال الهدية. يقول: (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر -أي سليمان- أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا، وأن يبنوا حوله حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله). * طلبة: هذا أشد من الأول. * الشيخ: إي نعم، كل هذه ما عليها دليل، كل هذه الأشياء التي ذكر المؤلف ما عليها دليل؛ فهي من الغرائب يعني أن تطوف على المؤلف ويأتي بها. * طالب: صعب. * الشيخ: مع أنه مختصر، مع العلم بأنه ما في الآية دليل لهذه المسألة أبدًا أنهم يجعلون الذهب والفضة تبسط من مكانه إلى تسعة فراسخ، كم سَعَة تسعة فراسخ بالميل؟ ثلاثة في تسعة؟ * طلبة: سبعة وعشرون. * الشيخ: سبعة وعشرون ميلًا. * طالب: والميل: كيلو ونصف. * الشيخ: والميل: كيلو ونصف. * * * (﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرسول بالهدية ومعه أتباعه ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ) بالنصب، وجاء بمعنى أتى. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. المؤلف قال: (ومعه أتباعه)، والمرأة تقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، وسليمان يقول: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ (أتمدون) جمع فهو يخاطب جمعًا، والآتي واحد، والمرأة تقول: ترسل جماعة، فكيف نجمع بين هذه الأشياء؟ كلام المرأة يدل على أنها أرسلت جماعة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يدل على أن الجائي واحد، وقول سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يدل على أن المخاطب جماعة، والجمع بين هذا بسيط جدًّا، يكون هؤلاء الجماعة لهم رأي، والذي خاطب سليمان وقدّم هديةً هو الرئيس ومعه جماعته، فصار الذي تقدم إلى سليمان بالهدية واحدًا مع جماعته، ولهذا يقول المؤلف: (ومعه أتباعه). * طالب: يا شيخ، لو جاء المرسل إليه؟ * الشيخ: لا؛ لأن ما ذكر الفاعل. * الطالب: ما ذكر الفاعل دليل. * الشيخ: إذا لم يذكر الفاعل فهو مستتر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، لو كان المراد الجماعة لقال: فلما جاؤوا سليمان. * طالب: ذكر الفاعل بما قبله. * الشيخ: ما يصح هذه، (جاء) للمفرد الواحد، (جاء) للواحد ما فيها إشكال. * طالب: لو الرسول؛ مثل ما يقول: لو جاء خالد جاء الرسول يجوز (...)؟ * الشيخ: لا، هو الأصل أنه واحد. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت لأيِّ شيء؟ حذفت للتخفيف، كما حذفت أيضًا للتخفيف في قوله تعالى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيب، يعني كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما ليس عندكم. ولهذا قال: (﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا)، وكذلك من المال؛ لأن عند سليمان من المال ما ليس عند هذه المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. فالاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني: كيف تمدونني بمال! -وهو هذه الهدايا- ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من المال والملك والنبوة وغير ذلك مِن كل ما آتاه اللهُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني أنني لا أفرح بالهدية، ولا تهمني الهدية، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بها وتفخرون بها. هل المعنى تفرحون إذا أهدي إليكم أو تفرحون إذا أهديتم، وترون لكم فضلًا على المهدى إليه؟ * طالب: كل محتمل. * الشيخ: نعم، كل محتمل، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه يريد الأول؛ بمعنى أنه أنتم الذين تفرحون بالهدية، وتقع منكم موقعًا، تكثر عزيمتكم، وتوجب أن تعدلوا عما أنتم عليه، أما أنا فلا تهمني الهدية. * طالب: ما قال: بهديَّتنا، بل: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾. * الشيخ: أي: إذا جاء إليكم؛ لأن (هدية) مصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، ويجوز أن يضاف إلى المفعول ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، والاحتمال الثاني: أن يكون بإهدائكم إلينا. ﴿تَفْرَحُونَ﴾ تفخرون؛ يعني أنكم تفخرون بها، ولكن المعنى الأول أليق بالسياق. (﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيت من الهدية) الخطاب الآن للرسول، وهذا من تعبير الأساليب بفائدة؛ لأن الذين حملوا الهدية هم الجماعة جميعًا فناسب أن يخاطبهم جميعًا بأنهم حملوا هذه الهدية، وهنا لما أراد أن يحملهم الإبلاغ، فإن تحميل الإبلاغ للجماعة تضيع فيه المسؤولية، حمَّل الإبلاغ من؟ رئيسهم فقط؛ لأنك إذا وصيت جماعة مثلًا لشخص من الناس ضاعت المسؤولية، وصار كل واحد منهم يتكئ على الآخر، فلا يحصل الإبلاغ، لكن إذا حملتها واحدًا حينئذٍ يتحمل ويؤدي، ولهذا حمَّل الرئيس فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني إلى جماعتك الذين أرسلوك بما أتيت من الهدية. (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقة ﴿لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بلدهم سبأ سميت باسم أبي قبيلتهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إن لم يأتوني مسلمين). هكذا القوة؛ لأنه لا يريد المال، ولا يريد الدنيا وإلا لخضع وقنع لهذه الهدية الكبيرة التي أُرسل بها جماعة، لكنه لا يريد ذلك فخاطبهم بهذه العبارات القوية ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ واللام؟ * طالب: للقسم. * الشيخ: موطِّئة للقسم، والنون ﴿نَأْتِيَنَّهُمْ﴾ النون للتوكيد، فعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، واللام، والنون، ثم فيها من التعظيم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ولم يقل (فلآتينهم)؛ لأن هذا أبلغ في الهيبة سواء أراد تعظيم نفسه أو أراد بذلك آتيهم بجنود. وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فيه استصغار هؤلاء الجماعة الذين أرسلوا بهذه الهدية، فهُم استصغرهم في الناحية المالية في قوله: ﴿مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ومن الناحية العسكرية في قوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لأن عنده من الجنود الجن والإنس بل والطير أيضًا، ما لهم طاقة بهذا الشيء، أيضًا: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ نحتل بلادهم ونخرجهم منها أذلة. ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ الفرق بين الأذلة والصغار؛ الذل: في النفس، والصغار: في البدن، يعني يكون مستسلمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغار، ومستسلمًا باطنًا بالذل. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥]، الخشوع بمعنى الصغار، والذل هو ذل النفس، والعياذ بالله. وهذا دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام عنده من قوة العزيمة وقوة السلطان ما استطاع أن يعبر بهذا التعبير لهؤلاء الذين أهدوا له هذه الهدية. فإذا قال قائل: كيف يليق بسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقابل جماعة أهدوا له هدية بهذا الأسلوب العنيف؟ الجواب: ظاهر في هذا، لأنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يخالف، ما قبل الهدية، لكن لماذا لم يجب بأسلوب لطيف ليس بعنيف؟ * طالب: إذا قاتلوه فهو لا يريد قتالًا، إنما يريد دخولهم في الإسلام فقط، إذا أجابهم بعنف خافوا ودخلوا دين الله تبارك وتعالى. * الشيخ: إي نعم، نقول: الجواب على هذا أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يظهر لهم قوته، وأنه لا يهتم بشأنهم، ثم إن اختبارهم له مع أنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ اختبارهم له يدل على شك في دعوته، هو دعاهم إلى الإسلام، وهم شكوا في ذلك بإرسال الهدية، وظنوا أنه يريد دنيا، فيكونون هم الذين بدؤوا بالإساءة إليه حيث أرسلوا له هدية يختبرونه بها فكان رده هذا مناسبًا. (فلما رجع إليها الرسول بالهدية جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور)؟ * طالب: لم يرد دليل. * الشيخ: إي، عظيم. (وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، فارتحلت في اثني عشر ألف فيل مع كل فيل ألوف كثيرة إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ). غريب ما أدري منين يجيب المؤلف (...) هذه؟! * طالب: عندنا يا شيخ: (اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل). * الشيخ: لا، اثني عشر ألف فيل. * الطالب: يعني: قيل (...). * الشيخ: حتى عندنا أنا عندي قيل، لكن ما هو بصحيح، (اثني عشر ألف فيل) الأفيال يمكن كثيرة في اليمن، ولهذا صاحب الفيل اللي أراد يهدم الكعبة جاء بفيل. يقول: (مع كل فيل ألوف كثيرة) من الناس اثنا عشر ألفًا، ومع كل فيل ألوف كثيرة يعني عالم. (إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ) إلى آخره. الاقتصار على القصص التي في القرآن هو اللائق بالمصحف إلا ما صح عن النبي ﷺ، وذلك لأن الله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فعلم هذه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى، فاللائق بنا ألا نتجاوز ما جاء به القرآن. على أن كرم كل شيء بحسبه، فالكرم بالمال معناه: بذله بسخاء، والكرم أيضًا بالمال يطلق على الجيد منه، كما قال النبي ﷺ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أو «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/ ٣١) من حديث ابن عباس.]]، وكذلك أيضًا يُوصَف ما يتضمن الشيء المهم؛ يوصف بالكرم لما في هذا الوصف في كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام. * وفيه دليل على أن الأولى أن يبدأ الكاتب باسمه فيقول: من فلان، قبل أن يبدأ باسم المرسَل إليه أو المكتوب إليه. وهل هذا من باب التعبد أو من باب العادة؟ * طالب: من باب العادة. * الشيخ: الظاهر أنه من باب العادة، ولكن مع ذلك العادة التي كان عليها السلف أولى من العادة التي اعتادها الناس اليوم، اعتاد الناس اليوم أنهم يبدءون بالمكتوب إليه: إلى فلان بن فلان، ولكن العادة الأُولى أَولى؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتابًا يقرؤه من أوله، فإذا قرأ: من فلان، عرف الآن ما هذا وما قيمة الكتاب، قبل أن يقرأه كله. ثم إن الترتيب الطبيعي يقتضي هذا؛ لأن الكتاب واردٌ من إلى، ولّا لا؟ فيقتضي أن يبدأ بالوارد منه قبل الوارد إليه. فإذن نقول: الأولى أن يبدأ الإنسان باسمه إذا أرسل كتابًا إلى أحد؛ لأن هذه السنة المتّبَعة. هل يؤخذ من هذا الكتاب أنه لا يحتاج إلى ذكر المكتوب إليه؛ لأنه قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠]، ولا قال: إلى ملكة سبأ؟ * طالب: قد يكون ذكر. * الشيخ: لكن اللي أمامنا الآن. * طالب: (...). * الشيخ: يحتمل هذا، أو نقول: إنه إذا دل الدليل على المكتوب إليه فلا حاجة إلى ذكره، مثلًا إذا أرسلت هذا الكتاب إلى شخص، ولا سيما في مثل قصة سليمان، أنه جاء به هذا الطائر إلى صاحبه، فهنا احتمال أن يصل الكتاب إلى غير المكتوب إليه ضعيف. والمقصود ببيان المكتوب إليه المقصود به؟ أن يتعين ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب على هذا الوجه، فإنه يحصل به أكبر تعيين، فنقول: إنه لا حاجة إلى ذكره إذا كان الأمر يحصل بدونه، ولكن مع هذا ذكره أولى، لا سيما إذا كان يترتب عليه شيءٌ في المستقبل، فإنه إذا فرضنا أن صاحبه الذي أُرسل إليه عُلم وأخذه، لكن في المستقبل ما ندري لمن وجّه له هذا الخطاب، فذكره بلا شك أولى. * وفي هذا دليل على استحباب البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم في أول الرسائل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * وفيه دليلٌ على استعمال الإيجاز إذا لم يكن فيه تقصير؛ لأن هذا الكتاب الذي كتبه سليمان في غاية ما يكون من الإيجاز؛ جملتان فقط ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] ولكن بشرط ألا يكون الإيجاز مخلًّا بالمقصود، فإن كان مخلًّا بالمقصود صار تقصيرًا. * وفيه دليلٌ على أن سليمان عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يريد التملك والسيطرة، وإنما يريد بذلك الدخول في الإسلام؛ لأن الهدهد لما أخبره أنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فهذا كفر، فلا بد أن يخرجوا منه إلى الإسلام؛ لقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على قوة سليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يقل: وأسلموا، بل قال: ائتوني مسلمين. فطلب منهم أن يأتوا إليه وهم على إسلام. وهل المراد أن يأتوا جميعًا؟ لا، المراد أعيانهم وأشرافهم؛ لأن الأعيان والأشراف يقومون مقام العامة. * وفيه دليلٌ على استحباب المشاورة في الأمور العامة؛ لقولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، فهي مع أنها ملكة ولها تمام السلطة، مع ذلك لم تستغن عن المشاورة ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة، وأنها تريد أن تكون سياستها مبنية على المسؤولية على الجميع؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، وحينئذ لو حصل خلاف المقصود لم يكن عليها لوم، ما دامت تُشهد هؤلاء وتبين لهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز للمستشير أن يخالف المستشار إذا لم يرَ أنه مصيب في مشورته؛ لأنهم لما ذكروا ما يدل على أنهم يريدون قتاله وهي لا تراه خالفته، ولّا لا؟ فإنها قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل ٣٤] إلى آخره. * وفيه دليل على مكانة هذه المرأة من قومها؛ لأنها بعد أن استشارتهم وأبدوا رأيهم تأدبوا معها وقالوا: ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل ٣٣]، فهل يؤخذ من ذلك أيضًا أنه إذا قدّم المستشار مشورته لإنسان كبير أكبر منه قدرًا، أو فهمًا، أو علمًا، أن له أن يقول مثل هذا؟ نعم. يقول مثل هذا تأدبًا، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أخذ بمشورته، وإن شاء لم يأخذ. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة أيضًا من جهة أنها نظرت في العواقب ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. وهكذا ينبغي للعاقل ألا يحكم على الأمور ببوادرها وظواهرها، وإنما يحكم على الأمور بعواقبها؛ فإن الشيء قد تكون بوادره وظواهره مفيدة في نظر الإنسان، ولكنه عند التأمل يكون الأمر بالعكس، لكن هل الأولى المبادرة أو التأني؟ في الأصل التأني أولى؛ لأن الإنسان إذا تأنى ما يندم ما فعل شيئًا، لكن إذا تسرّع فهو الذي يكون عرضة للندم، وكم من كلمة قال الإنسان: ليتني لم أقلها، وكم من فعل قال: ليتني لم أفعله. ولكن مع هذا ينبغي استعمال الحزم في الأمور، لا يتأنى تأنيًا يطيل المقصود، ولا يتسرع تسرعًا يحصل به الندم، وأظن أني أنشدتكم بيتين في هذا المعنى، تحفظونهما؟ * طالب: في الحزم؟ * الشيخ: لا، في أنه قد يكون التسرع أولى وقد يكون التأني أولى. * طالب: (...) * الشيخ: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ؎وَرُبَّمَا فَـــاتَ قَوْمًا جُــلُّأَمْرِهِـــــــــــمُ ∗∗∗ مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْعَجِلُـوا نعم وهذا صحيحٌ وواقعٌ، الأوَّل: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِالزَّلَلُ المهم أننا نقول: إذا دار الأمر بين الإسراع والتأني، ولم يترجح الإسراع عليه فالأولى التأني؛ لأن الإنسان يكون الأمر بيده ما دام لم يحدث شيئًا، لكن إذا أحدث شيئًا فاته الأمر ولم يتمكن من التخلص منه. * طالب: يؤخذ من الآية؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: كيف؟ * الشيخ: يؤخذ من الآية؛ لأنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤] فهي نظرت في العواقب، والنظر في العواقب يستدعي إما التسرع وإما التأني، قد يكون مثلًا يرى الإنسان الرائي أنه إذا لم يُسرع فات المقصود، فيسرع أو إذا أسرع حصل الخلل فيتأنى، فهو مأخوذٌ من قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤]. * وفيها أيضًا: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: ذكاء هذه المرأة وحنكتها. * ثانيًا، يستفاد من ذلك: جواز الاختبار والامتحان، وأن ذلك لا يُعد خديعة، إذا أراد الإنسان أن يمتحن غيره بشيء من الأشياء ما يُعد هذا خديعة؛ لأنه يريد أن يستظهر به حاله، وهذا لا مانع منه. * وفي الآية أيضًا الفائدة الثالثة وهي: العمل بالقرائن؛ لأنها أرادت أن ترسل هذه الهدية لتختبر مراد سليمان، هل يريد المال فقط، هل تكفيه هذه الهدية، أو يريد أنهم يسلمون فلا تنفع فيه هذه الهدية، ولا يكف عن طلبه الأول وهو ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١]. ففيها إذن ثلاث فوائد، وهل ورد مثل ذلك؟ نعم. في قصة سليمان في المرأتين اللتين احتكمتا إليه في ابن إحداهما، خرجت امرأتان إلى خارج البلد ومع كل واحدة لهما ابن، فأكل الذئب ابن الكبرى، فاحتكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فقضى بالابن الموجود لمن؟ للكبرى؛ بناءً على أن الصغرى يمكنها أن تلد فيما بعد، ولكنه لما تحاكمتا إلى سليمان عليه الصلاة والسلام قال: ليس هذا الحكم، الحكم أنا نأتي بالسكين ونشق الولد نصفين ويكون للكبيرة نصف وللصغيرة نصف، الكبيرة وافقت على أن يشق نصفين، ليش؟ ليس ولدًا لها، وتقول: مثلما تلف ابني يتلف ابنها، وأما الصغيرة فقالت: لا يا نبي الله، الولد.. فعلم بذلك أن الولد للصغرى، فحكم به لها[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠/٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا من باب الاستظهار للحق بالقرائن، ولا مانع من ذلك، وقد كان القضاة يفعلونه. فهذه المسألة -إرسال الهدية إلى سليمان عليه الصلاة والسلام- من هذا النوع؛ ليستظهر به حاله فيُعمل بالقرينة. * طالب: (...) يؤخذ من فعلها. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا ما فيه مانع. * طالب: ولو كانت كافرة؟ * الشيخ: ولو كانت كافرة؛ لأن الشيء إذا حكاه الله سبحانه وتعالى فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] فإذا حكى الله تعالى عن كافر شيئًا ولم يرد إبطاله، فإنه على الأصل. * الفائدة الرابعة من الآية: أن الهدية كانت كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥] * الشيخ: ولا يُرسل جماعة بهدية إلا وهي كبيرة، وأيضًا ربما نقول مع كبرها: ثمينة؛ لأجل أن يدافع هؤلاء المرسلون عنها لو حاول أحدٌ أن يعتدي عليها، فيستفاد إذن عظم هذه الهدية كمية وكيفية، ولذلك احتاجت إلى أن ترسل بها جماعة. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٦ - ٣٧]. * يستفاد من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أن من المستحسن أن يتقدم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكلام أو بالفعل إذا كان مكلفًا بالفعل، المهم أن يكون المتقدم الرئيس؛ لأن تقدم الجميع دفعة واحدة غير لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم أحد، يتقدم واحدٌ، وكلما حُصر الأمر كان أقرب إلى الفهم وإلى حصول المقصود. * وفيه أيضًا دليلٌ على توجيه الخطاب للجماعة، وإن كان المتقدم رئيسهم؛ لقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل ٣٦]. * وفيه دليل على جواز الغلظة في القول إذا كانت المصلحة فيه؛ لأن هذا الأسلوب من سليمان عليه الصلاة والسلام أسلوب قوي؛ إذ إننا قلنا: إن الاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني أنه يوبخهم على فعلهم ويتعجب من فعلهم، كيف يمدونه بمال وهو ملك ومعروف ومشهور؟! * وفيه دليل على جواز التحدث بنعمة الله. * الفائدة الرابعة: أنه يجوز للإنسان أن يتحدث بنعمة الله؛ لقوله ﷺ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكن هل يتحدث بهذه النعمة على سبيل الافتخار، وإلا على سبيل الافتقار والاستصغار؟ على حسب الحال، نرى أنه على حسب الحال. فمع العدو يجوز أن يتحدث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخيلاء في الحرب، مع أن الخيلاء محرّمة ولّا لا؟ محرمة، من الكبائر، لكن في الحرب لإغارة العدو لا بأس بها، فسليمان عليه الصلاة والسلام تحدث هنا بنعمة الله افتخارًا فيما يظهر لي، افتخارًا على هؤلاء القوم، وهذا لا بأس به إذا كان أمام العدو، فأما إذا كان لإظهار النعمة فإنه لا يجوز إلا على سبيل الاستصغار والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، لا على سبيل الافتخار والعلو على الخلق. * الفائدة الخامسة: أنه يجوز للإنسان أن يصف غيره بما يبدو من حاله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرح كما تعرفون أمر باطني، تظهر علاماته على ظاهر البدن، ولكنه في الأصل أمر باطني؛ لأن اللي يفرح ما يُسمع لفرحه صوت ولا يُرى له حركة، ولكن تظهر علاماته. فلا بأس أن الإنسان يحكم على غيره بالقرائن لما يظهر من حاله، وقد مر عليكم كثيرًا مثل هذا الأمر، فقد قال الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان: «وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١/ ٨١) من حديث أبي هريرة.]]. ومع هذا فإن هذا الرجل لم يطف بأبيات أهل المدينة ويفتشها حتى يعرف أن ما فيه أحد أفقر منه. * وفيه أيضا دليل، الفائدة السادسة: دليلٌ على إظهار القوة للأعداء؛ لقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل ٣٧]، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فإن (من قوة) نكرة تشمل كل ما يُمكن من القوى، سواءٌ كانت القوة قولية، أو مادية، أو معنوية، المهم أن جميع القوى في معاملة الأعداء ينبغي للمرء أن يستعملها، حتى إنه جاء في الحديث «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠/ ١٨) من حديث أبي هريرة.]]. لكن الخيانة هل تجوز ولّا ما تجوز؟ * طالب: لا تجوز. * الشيخ: خيانة العدو ما تجوز، لا يجوز للإنسان أن يخون عدوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨] ولا تخنهم، وكذلك إذا خانوا يكونون نقضوا العهد، وقد مر علينا أن هذه المسألة لها ثلاث حالات، المعاهدون لهم ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]. وإما أن ينكثوا العهد، وحينئذ لا عهد ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ ِ [التوبة: ١٢]. وإما ألا ينقضوا العهد وظاهرهم الاستقامة، لكن نخاف منهم الخيانة، فهنا ننبذ العهد إليهم، ونخبرهم بأننا قد أبطلنا العهد، حتى لو قالوا: سنبقى على العهد نقول: لا، نحن الآن كل منا حر. هنا فيه قوة في الكلام ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ هذا التهديد والوعيد لا شك أنه مظهر قوة، فيكون داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]. * طالب: كيف نجمع بين جواز خدع العدو وبين عدم جواز الخيانة؟ * الشيخ: إي نعم. الخيانة معناها: أنك تخدعه في مقام الأمانة، والخديعة تخدعه في غير مقام الأمانة، الحرب قائمة، وتحط كمينًا لهم مثلًا وما أشبه ذلك، تظهر مثلًا أن عندك كثرة عدد تخلي الناس مثلًا يترددون كما فعل القعقاع بن عمرو في حروبه مع الفرس وغير ذلك، فأنت الآن ما خنتهم؛ لأن ما بينك وبينهم عهد. * طالب: بعض الصحابة (...) يخبره بأنه فلان يؤمّنه، ثم يقتله. * الشيخ: ما يعتبر خيانة؛ لأن ذاك محارب، ما بينه وبينه عهد، ولهذا قال الرسول في قصة كعب بن الأشرف: «مَنْ لِي بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١/ ١١٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. * طالب: شيخ، النبي ﷺ فسّر القوة قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧/ ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] فهنا يكون القوة خاصة بالرمي؟ * الشيخ: إي نعم. الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك أيضًا ما يرد عن الصحابة في تفسير بعض الآيات يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل التمثيل، والقوة في ذلك الوقت هي الرمي ولا تزال أيضًا، فإن الرمي الآن من أشد ما يكون من القوة، يعني هو أعلى أنواع القوة. وسواء كان رمي الناس بالقوس فيما سبق، أو في البندقية أو في الصواريخ المهم أن الرمي في كل وقت تجد أنه هو ذروة القوة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يكون هذا حصرًا، ولكن الرسول أراد أن يبيّن غاية القوة، فالقوة هذه هي الغاية في كل وقت. * وفيه أيضًا دليل في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ على كثرة جنود سليمان؛ لأن هذه الملكة التي لها العقل العظيم، وعندها القوم المطيعون الذليلون لأوامرها يقول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، ولم يبيّن هذه الجنود، لكنه مر في أول القصة أن جنوده ثلاثة أصناف: الجن، والإنس، والطير. هذه كلها يمكن أن يسلطها عليهم، إذا سلّط الجن ما لهم قبل بها، ولئن سلّط الطيور تنقب عيونهم أيضًا لا قبل لهم بها. فالحاصل أن الجنود التي لسليمان لا يمكن لهؤلاء أن يقابلوها، لا كمية ولا كيفية. فيه شيء بعد؟ * طالب: شيخ (...) إرسال الرسالة ينبغي (...) المرسل، طيب كيف كان (...) كان العمال يرسلون إلى أمير المؤمنين من عامل (...). * الشيخ: وهذا يكون من باب التعجب والمبالغة، وإلا بلا شك أن الأول أولى، لكن مثلما قلت الآن، أنهم صارو يقولون: إلى فلان من فلان، ثم صاروا يقولون: إلى فلان ويأتون بالاسم في الآخر. يكون هذا من باب التعجب والإكرام مع الغير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أعرف هل هي (...) ولا أن الناس يقرؤونها تعبدًا، ولكن هذه من الأمور العادية مثلما قلنا غير عبادة. * طالب: قبل التسمية أو بعدها، مع هذا، مع سليمان قبل التسمية؟ * الشيخ: لا، هي أخبرت ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠] فهل كان سليمان كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين؟ لأن هذا خبرٌ منها، ما هي تقرأ عليهم الخط الآن، يعني: ليست كالراوي كتاب حتى نقول: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، ولهذا قالت: ﴿