تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٧﴾
قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧].
سليمان عليه الصلاة والسلام آتاه الله تبارك وتعالى ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، «حتى الرسول عليه الصلاة والسلام لما همّ أن يقبض على الشيطان قال: «ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١ / ٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. من جملة ملكه هذا التنظيم العظيم. حُشر: جُمع، ومن الجامع؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: لا. الله على كل شيءٍ قدير، لكن الجامع النقباء والعرفاء الذين جعلهم يجمعون هؤلاء الجنود، فهو قد نظّم ملكه غاية التنظيم، وجعل لكل أناسٍ قادة وعرفاء يجمعونهم.
﴿حُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وغيرهم؟ الجن واضح، والإنس مكلَّفون، والطير غير مكلفين لكنها تطير. بقينا بالحيوانات الأخرى الماشية والزاحفة، هل تدخل في هذا من باب أولى ونقول: إنه إذا حُشرت الطيور التي لا يمكن السيطرة عليها فغيرها؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى. أو نقول: إن سليمان عليه الصلاة والسلام ما كان يستعمل إلا الطيور فقط؛ لأنه يستخدمها لمصالحه.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من كل شيء ممكن على عموم هذا. يعني: إن جعلنا (مِن) للتبعيض وليست للعموم، وإن جعلنا من كل شيء يثبت به الملك ويقوى به، ما هو بلازم مثل هذا الشيء، فهو محل إشكال عندنا، فالآن نقول: سكت عن بقية الحيوانات، فهل هي داخلة في جنوده أو لا؟
قد تقول: إنها داخلة من باب الأولى، وقد تقول: ليست بداخلة. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ أن نقول: إذا كان الطير، وهو لا يمكن السيطرة عليه في طيرانه يُحشر ويُجمع، فغيره من باب أولى. ولّا لا؟
وقد تقول: إنه ليس بلازم؛ لأنه يمكن أن سليمان ﷺ ما يستخدم من الحيوانات سوى الطير، وإذا لم يستخدم سواها فلا حاجة له في أن يجمع الباقي.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ شوف هذا أيضًا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُجمَعون ثم يساقون) وهذا أيضًا من التنظيم. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يعني: يساقون. يعني: منظّمين في جمعهم وسيرهم، يُجمعون أولًا وبعد أن يُجمعوا يوزعون، فيساقون على وجهٍ منظَّم.
وهذا لا شك أنه من التنظيم الذي يحفظ على الناس الوقت والعمل؛ لأن أكثر ما يضيّع الإنسان يضيّع وقته وعمله هو عدم التنظيم.
ولهذا أقول: إنه ينبغي لنا أن يكون عندنا تنظيم لأعمالنا اليومية بقدر المستطاع، ولكن ليس معنى ذلك أن نصر على هذه الأعمال، وإن وُجد ما هو أفضل، لا، إنما بس يكون الإنسان مرتّبًا منظّمًا، ما يخلي وقته فوضى، حين يقرأ في كتاب (...) بالثاني (...) لا، أو يعمل ها العمل الضابط ثم يتركه.
لكن ينبغي أن يكون عندك تنظيم، ومن المستحسن أنه كلما كان الشيء أهم يبدأ به أولًا، يبدأ به أولًا، كان بعض الناس يقولون: إنه من جملة تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدى مثلًا، ما يجعل قراءة الكتب الهامة التي تحتاج إلى تعب بعد الغداء؛ لأن قراءة الصحف قراءة سطحية مثل التحدث العادي، ما فيه تعب ولا.
لكن الكتب والتعمُّق يحتاج إلى عمل، وهذا لا يناسب مع وجود الشبع.
* * *
* طالب: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٣ - ٢٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أولًا من قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد نظم جنوده ورتبهم، بحيث يُجمعون عند الجمع ويفرقون عند التفريق؛ لقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾.
* وفي الآية دليل على أن الجنود الذي يستصحبهم سليمان ثلاثة أصناف، وهم: الجن والإنس والطير.
أما الإنس فاستصحابه لهم ظاهر؛ لأنه منهم. وأما الجن فلاستخدامهم فيما لا يقدر عليه الإنس. وأما الطيور فقال بعض العلماء: إنها تصحبه لتظله، تكون فوق رأسه ظلة من الشمس، وهذا قد يكون مقصودًا، وقد يكون أيضًا من مقصود استصحاب الطير أنها تأتيه بالأخبار البعيدة كما في قصة الهدهد.
* وفيها أيضًا في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ دليل على كمال التنظيم أيضًا؛ لأن الوزع إيش معناه؟ الجمع والسوق ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت ١٩] يُجمعون إليها ويساقون إليها، وهذا دليل أيضًا على كمال التنظيم.
* وفيه دليل على استعمال الساقة، الساقة في الجند والجيش أن يكون لهم سائق كما أن لهم قائدًا دليلًا فلهم أيضًا سائق. وقد كان من هدي الرسول ﷺ أنه يكون في الساقة في أخريات القوم، مع أنه ﷺ رئيسهم وزعيمهم، لكنه يتأخر لأجل أن يرفد مَن قصّر، ويعين من يحتاج، وللفوائد العظيمة التي تحصل بهذا.
ثم ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
* فيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبل الشيء المحذوف، ويش التقدير؟ فساروا حتى إذا أتوا. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ يعني (حتى) للغاية، فلا بد أن يكون هناك شيء مُغَيّا قبله.
* وفيه دليل على إضافة المكان إلى ساكنه؛ لقوله: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يقال الآن في الأحياء، في أحياء البلد: هذا حي بني فلان، كما هو معروف من قديم الزمان؛ أن الأحياء تضاف إلى ساكنيها. هل نقول: في هذا دليل على أن النمل إذا سكن أرضًا ملكها، بحيث ما يجوز إحياؤها ولا الاستمتاع بها ولّا لا؟
* طالب: الظاهر فيه دليل.
* الشيخ: فيه دليل.
* الطالب: الظاهر.
* الشيخ: خلونا ما نعلم، طيب، الآن اثنان اختلفا، أحدهما يقول: لا، والثاني يقول: نعم. فما هو الذي ترجحون؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. طيب ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ بيت فلان، هل لك حق في أن تأتي إلى بيت فلان وتسكنه؟ (...).
* طلبة: (...).
* الشيخ: إي، نعم. نقول: صحيح، فهو لو نظرنا إلى مطلق اللفظ لكان وادي النمل لهم؛ للنمل، ولكن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، إذا كان النمل لو هو يؤكل أكلناه، فكيف لا نأكل مساكنه، فبنو آدم هم أحق بالأرض من غيرهم، فهم إذا مثلًا احتاج الإنسان إلى عمارة هذه الأرض لو فيها نمل ما فيه بأس أنه يعمرها، ولو لزم من ذلك أن يموت النمل، لو لزم أن يموت النمل؛ لأن هذا الموت غير مقصود، وما كان غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباح فإنه لا يضر. وهذه القاعدة معروفة في الشرع: أن الشيء الذي يأتي ضرورة لفعل مباح وهو غير مقصود فإنه لا بأس به، فانظر مثلًا إلى قتل النساء والذرية في الحرب، يجوز ولّا لا؟
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما يجوز، لكن إذا لم نتوصل إلى قتل المقاتلين إلا بالرمي بالمنجنيق والمدافع العامة يجوز ولّا لا؟
* طالب: يجوز.
* الشيخ: ولو لزم من ذلك قتل النساء والذرية، ولو لزم؛ لأن هذا غير مقصود.كذلك أيضًا قطع النخيل؛ نخيل العدو، يجوز ولّا ما يجوز؟
* طلبة: ما يجوز.
* الشيخ: ولكن إذا لم نتوصل إليهم إلا بقطع نخيلهم جاز؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بني النضير.
والحاصل أن نقول: إن قتل النمل إذا لزم من إحياء الأرض فإنه ليس به بأس؛ لأنه لم يكن مقصودًا، وإنما جاء ضرورة لتناول أمر مباح لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، جاز قتله، كل مؤذ، حتى بني آدم لو آذاك وصال عليك ولم يندفع إلا بالقتل تقتله، وهو أعظم الحيوانات حرمة.
* وفي هذه الآية دليل على أن للحشرات نطقًا؛ لقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾.
* وفيه دليل على أن قولها أيضًا مسموع، يسمعه بنو جنسها؛ لأنه لو لم يكونوا يسمعونه لم يكن فيه فائدة، فهم يسمعون قولها، وقد يُسمعه الله تبارك وتعالى من يشاء.
* وفيه دليل استدل العامة بذلك على أن كل شيء ينطق من قَبل. وهذا ليس بصحيح، ولكن الله تعالى قد يُسمِع الخلقَ نطقَ بعض الحيوانات إما آية، أو كرامة، أو ما أشبه ذلك.
* طالب: ينطق من قبل (...).
* الشيخ: إي، كل شيء يتكلم، بعضهم قال: الجص يتكلم. والظاهر أنه فيه رسالة ممكن للجصة وهو يتكلم والجصة هي مخزن التمر.
* * *
قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨].
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هذه غاية لما سبق وهو قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ وعلى هذا فيكون في الكلام حذف تقديره: وساروا حتى إذا أتوا. فبعد أن جمع الجنود ووزعوا فرُد أولهم إلى آخرهم ونظّموا ساروا.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أتوا، أي: سليمان وجنوده، أي: مروا.
قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكلام أن هذا الوادي معروفٌ بهذا اللقب، أنه يسمى وادي النمل. ويحتمل، -لكنه خلاف الظاهر- أن يكون هذا الوادي واديًا فيه نملٌ، يعني: حتى إذا أتوا على وادٍ فيه نمل، وليس معروفًا بهذا اللقب بأنه وادي النمل، ولكن الأولى الأخذ بظاهر اللفظ، وهو أن يكون هذا الوادي معروفًا بكثرة نمله، وأنه يُلقَّب بهذا اللقب لكثرته.
والنمل معروف، وهو من الحيوانات التي نُهي عن قتلها كما في السنن: «أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربعٍ من الدوابِّ؛ وذكر منها النملة»[[أخرجه أبو داود ( ٥٢٦٧) وابن ماجه (٣٢٢٤) من حديث ابن عباس.]].
وفي الصحيح أيضًا «في أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه قرصته نملة، فأمر بقرية النمل كلها فأُحرقت، فعاتبه الله على ذلك وقال: هلّا نملة واحدة»[[أخرجه البخاري (٣٣١٩) ومسلم (٢٢٤١ / ١٤٨) من حديث أبي هريرة.]].
هذا النمل من جملة المخلوقات التي تعرف ربها وتعرف ما ينفعها وما يضرّها، على حسب ما رُكِّب فيها من هداية، وقد قال موسى ﷺ لفرعون لما قال: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: الخلق اللائق به، كل شيء من الحيوان وغيره له خلقٌ يليق به أعطاه الله، ثم هداه، هدى هذا الخلق أيضًا لما تقوم به مصالحه.
فهذه النمل من جملة المخلوقات التي أعطاها الله تبارك وتعالى خلقها وهداها.
(﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وهو بالطائف أو بالشام)، خلاف، ولا دليل لا على الطائف ولا على الشام، والأقرب أنه في الشام ومع ذلك لا نجزم به؛ لأن مقر سليمان عليه الصلاة والسلام كان في الشام، ومع هذا ما نجزم به. وتعيين المكان هل هو من الأمور التي لا بد منها في القصة؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن المقصود الاعتبار بما جرى في أي مكان كان من الأرض.
وقال: (نمله صغار أو كبار) أيضًا، ما لنا ولهذا، بعضهم يقول: نمله كبار، النملة كبر الذئب. يعني صارت النمل الحمير، هذا ما هو بصحيح، بل النمل هو المعروف في لغة العرب، وكل من فسّر شيئًا من القرآن بخلاف ما تقتضيه اللغة العربية فإنه لا بد له من دليل، وإلا فيرد عليه؛ لأن معنا أصلًا أصيلًا في تفسير القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] فمن زعم أن شيئًا من القرآن على خلاف هذا اللسان العربي المبين فعليه الدليل.
على هذا نقول: النمل هو النمل المعروف، وأما القول بأنه كبار وأنه كبر الذئاب، فهذا لا دليل عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، النمل المعروف هذا.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾، حتى إذا أتوا قالت نملة (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ) إلى آخره.
قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ يقول: (ملكة النمل وقد رأت جند سليمان). أما قوله: (وقد رأت جند سليمان) فهذا واضح، الله أعلم أنها رأته أو أحسّته، قد يكون إحساسًا بدون نظر، وقد يكون نظرًا، إنما على كل حال هي أدركت قربه ووصول سليمان بجنوده إليهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ نملة منكّر، وظاهر كلام المفسّر أنها معرّفة؛ لأنه قال: ملكة النمل. وهذا يقتضي أن يكون التعبير: قالت النملة. يعني: النملة المعهودة وهي الملكة، ولما لم يكن التعبير بقوله: قالت النملة؛ دل على أن القائل لا يتعين أن يكون ملكة النمل، وإنما هي نملة من النمل، وهذا ليس بغريب، فإنه كما لو أقبل جندٌ على طائفة من الناس ورآه واحدٌ منهم يصيح بهم ولّا لا؟ يصيح بهم، ولا يلزم أن يكون هذا الصائح هو الأمير أو الملك.
ولهذا الصحيح إبقاء القرآن على ظاهره، وأنها نملة من هذا النمل، ولا يلزم أن تكون الملكة؛ لأن مثل هذه الأحوال أي واحد يشعر من الطائفة الموجودة يشعر بالخوف يصيح بهم وينذر: أنا النذير العريان.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ إذن الصواب أن نقول: قالت نملة من النمل، ولا نعيّنها بأنها الملكة.
طيب (وقد رأت جند سليمان) هل يتعين أيضًا أن يكون رؤيةً أو يجوز أن يكون إحساسًا (...)؟
* طالب: (...) إن رأت (...).
* الشيخ: إي لكن الرؤية هل يتعين الإدراك بالرؤية؟ أو يجوز أيضًا بالإحساس والسمع؟ يمكن هذا، وحينئذ نسأل: هل للنمل أعين؟
* طلبة: إي نعم، لها قرون استشعار.
* الشيخ: هذا يحتاج إلى دراسة علم الأحياء، نعم إنما هي أنا قد رأيت كلامًا يقول: إن النمل إنه بإذن الله إذا مشى فإنه يفرز أشياء تمشي النملات الأخرى على رائحتها، وهذا شيءٌ أنا شاهدته بعيني، كان فيه بساط مثل هذا البساط بس كبير، المهم أنه من هذا النوع، وكان النمل هذا يمشي ويأتي على زاوية ثم يرجع، يعني يمشي مستطيلًا ويأتي على الزاوية ثم يرجع، كل النمل على هذا، يعني: ما يروح عدال يختصر، فأنا تعجبت (...) يعرف الطريق، لكن لو كان على تراب فاللي على التراب يبين أثر النمل ويمشي بعضه مع بعض، لكن هذا ما هو على تراب. ولكن بعد أن قرأت هذا عنه عرفت أنه إذا مشى يكون له رائحة، وتمشي بقية النمل عليها، نعم وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠].
على كل حال نحن الذي يلزمنا من هذه الآية الكريمة أن النملة أدركت ذلك برؤية أو بغيرها.
يقول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. شوف هذه الجملة تضمنت نداء وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعزيرًا، وغير ذلك مما يمكن أن ندركه إن شاء الله بعد الكلام بالتفصيل.
﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هذا نداء، وقد مر علينا مرات أن تصدير الجملة بالنداء الغرض منه التنبيه. يعني: إذا قلت: افعل أو يا فلان افعل الأخيرة أعظم وأبلغ، فهذا لتنبيهه.
ثم قولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداء بعيد، مصدَّر بتنبيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لأنه لو قالت: يا نملُ فقد يخفى؛ لأنكم كما ترون الإنسان أول ما يكلمك قد يخفى أول الجملة، إذا جاء بشيء ينبِّه قبل الدخول في الموضوع المقصود، صار ما يفوت الإنسان من المقصود شيء، لا يفوت السامع من المقصود شيءٌ، هي قالت: يا أيها النمل ولم تقل: يا نمل.
ثم إن نداء البعيد أيضًا يدل على أنها صوتت بصوتٍ سمعه الكل ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾.
وفي قولها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هذا أمر والمراد به الإرشاد، وفي تعيين المساكن وهي الملاجئ، هذه مثل صفارات الإنذار عند الناس، إذا صفّرت صفارة الإنذار أين يذهبون؟ للسطوح؟ لا، للملاجئ، هي أيضًا أرشدتهم إلى ملاجئهم ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾.
ثم فيه أيضًا إشارة إلى أن هذه المساكن كما أنها أكنان يكتن بها الإنسان، فهي أيضًا حصون يحترز بها الإنسان، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات ٢٥، ٢٦].
وفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ الإضافة هنا على تقدير اللام ولّا لا؟ ولّا على تقدير (مِن)؟
* طالب: لا، اللام مساكن لكم.
* الشيخ: إي، على تقدير اللام؛ لا (من) ولا (في)؛ لأن الإضافة تكون على تقدير (من( إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه؛ كخاتم حديد، وباب خشب، وتكون على تقدير (في) إذا كان المضاف إليه ظرفًا للمضاف، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ ٣٣] أي: مكرٌ في الليل. وتكون على تقدير اللام، وهي الغالب والأكثر، وهنا على تقدير اللام. واللام المقدَّرة في الإضافة هنا هي للاختصاص ولّا للملك؟
بالنسبة لنا للاختصاص، لكن بالنسبة لهن النمل فيما بينهن الظاهر أنه للملك، أن كل واحدة منهن تعرف بيتها وأنه ما أحد يدخل عليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: تملكه، إن كان يعرف أنه عقد بيع ولا يمكن (...) أيضًا تسجله.
﴿مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا التحذير، الشاهد هو التحذير.
(﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم). والجملة هذه كالتعليل للأمر في قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كأن قائلًا يقول: لماذا؟ لا يحطمنكم سليمان، فالجملة تعليل، وهي تحذير، تعليلٌ وتحذير. هذا من بلاغتها أيضًا، ما قالت: ادخلوا مساكنكم بس، عيّنت المحذَّر منه وهو: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
ثم أتت بهذه الجملة الشديدة الوقع، ما قالت: لا يطأنكم، قالت: لا يحطمنكم. أيها أشد وقعًا؟
* طلبة: الأخيرة أشد.
* الشيخ: الأخيرة أشد؛ لأن الوطء قد يلزم منه الكسر والإتلاف وقد لا يلزم، ثم هو الوطء هادئ بالنسبة لكلمة التحطيم. واضح؟
وهل المقام يقتضي هكذا أن يأتي بالعبارة الغليظة؟ نعم؛ لأن المقام مقام تحذير وبسرعة، إذا لم يفعلن هذا بسرعة فإنهم يحطّمون، قال: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾.
والتعبير بـ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هذا لا يكون إلا للعاقل؛ لأن غير العاقل يؤنّث: ادخلن مساكنكن، ولا يحطمنكن. ولكنها هي قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهن منزلة العاقل. أو يقال: هُن بالنسبة لبعضهن عقلاء، مثلما قلنا: إن المساكن بالنسبة لبعضهن ملك وبالنسبة لنا اختصاص.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وكأن هذا التعبير يدل على أن عظمة سليمان متقررة عندهن، وهو كذلك.
وقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالت: وجنده؛ لأن الذي فهمنا من القرآن أن معه ثلاثة أصناف من الجنود، مَنْ؟ الإنس والجن والطير. كما سبق.
وقوله: ﴿وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا اعتذار لمن؟ لسليمان وجنوده، أنهم لم يتقصدوا أن يحطموكم، ولكن بغير شعورٍ منهم؛ لأنكم كما تعرفون الجنود والجيش العظيم الواسع وهذه نمل صغار، نعم يمكن يحطمه وهو ما شعر، ثم إن الغالب أن مثل هذا الجند الكثير ما يستطيع أن ينكف بعضه عن بعض فيما إذا وجدوا جحر نملٍ مثلًا، فهذا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يعني لو قال قائل: كيف وهم لا يشعرون؟ هل هم يمشون بغير هدًى؟
نقول: لا، يمشون بهدى، لكن من المعروف أننا إذا قارنا بين هذا الجند العظيم الواسع وبين صغر هذه النمل فإن الغالب أنهم لا يشعرون بها.
فهذه الجمل البليغة العظيمة من هذا المخلوق الذي ليس في أعين الناس شيئًا وهو من أصغر المخلوقات، ماذا يدلنا عليه هذا؟
يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأن ما هو أعظم من هذه المخلوقات النمل هو أعظم منها أيضًا في مثل هذه الأمور؛ لأن من أعطى الصغير هذا الإعطاء وهداه هذه الهداية فالكبير أحوج إلى الهداية من ذلك، وعنده من العلم ما عنده، يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل ١٩]. نُزِّل النمل منزلة العقلاء في الخطاب بخطابهن. وين الخطاب بخطابهن؟
* طالب: في قولها: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾.
* الشيخ: ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، و﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ لأن الميم هذه لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء، فلذلك خوطبوا بخطاب العقلاء، مثلما قلنا: إما لأن بعضهم مع بعضٍ عاقل، أو أنه لما كان هذا الخطاب يُفهم ويُعمل به صارت كأنها تخاطب عقلاء.
* طالب: هي عبرت ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يعني: انكسر، والنمل حيوانات طرية أو حشرات طرية.
* الشيخ: لا، ما المراد بالكسر أنه يكسر عضوًا فقط، المراد بالكسر الإهلاك على سبيل التحطيم. يعني مثلًا النملة إذا وطئتها تقطعت تمزقت، هذه تكسرت، ما معناه أنه تنكسر رجلها وتبقى معلقة مثلًا بها، لا.
* طالب: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يهلكنكم؟
* الشيخ: لا، الحطام أبلغ، أشد في الحذر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة ٥] هذا التحطيم أبلغ.
قال: (﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ ).
يقولون: إن الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي، ووسط، وانتهائي. الابتدائي: التبسم. والوسط: الضحك. والمنتهى: القهقهة.
والقهقهة ما تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا، يكون منهم أحيانًا، فهنا تبسم ضاحكًا.
المؤلف رحمه الله يرى أن سليمان ﷺ كان له مرحلتان في هذا الضحك: الأولى التبسّم، والثانية الضحك. فابتدأ بالتبسم وانتهى بالضحك، ويحتمل أن يكون تبسّم ضاحكًا أنه ضحك متبسمًا. ضحك متبسمًا يعني معناه أنه ما ظهر له صوت ولكنه تبسم تبسمًا، والله أعلم.
وعلى هذا التقدير يكون ضاحكًا هذه حال مؤكدة مبينة للنوع، يعني معناه أن ضحكه كان تبسمًا.
على كل حال هذه المسألة لا يضر لو كان ضحك ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك. هذا الفرق التبسم أنه ينفتح الفم بدون صوت، الضحك يكون صوت لكن بدون قهقهة. والضحك القهقهة يتكرر الصوت، كركر كما يقول العامة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم يقول: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (من) بيانية، والبيانية للتعليل، يعني: بسبب قولها تبسّم، هذا التبسّم ويش مصدره؟ تبسّم من قولها، من تحذيرها، من اعتذارها، من إرشادها، منين؟ من فصاحتها.
* طالب: من جميع هذه.
* الشيخ: من كل ما يتضمنه هذا القول؛ لأنه في الحقيقة محل عجب أنها تتكلم بهذا الكلام البليغ، وبهذه السرعة نعم ما راحت (...) وتجيب العناصر وتبين، نعم هذا لا شك أنه محل ضحك، ثم أيضًا محل ضحك ما هو من القول فقط، من مغزى هذا القول، ولهذا جعله من نعمة الله وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ مغزى هذا القول -ربما- سليمان عليه الصلاة والسلام تعترف حتى الحشرات بعظمته وعظمة جنوده، نعم هذا لا شك أنه من نعمة الله عليه، فهذا التبسّم من القول من مضمونه ودلالته، وكذلك من مغزاه وما يتضمنه من نعمة الله تبارك وتعالى على سليمان.
﴿تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (وقد سمعه من ثلاثة أميال، حملته إليه الريح، فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا) أي النمل (بيوتهم، وكان جنده ركبانًا ومشاة في هذا السير).
يقول: (وقد سمعه من ثلاثة أميال). منين جاء بهذا؟
* طالب: أخبار إسرائيلية.
* الشيخ: أخبار إسرائيلية، بل إن القرآن ﴿