تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٦٨﴾
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٢٢] هذا مما يؤيد ما ذهبنا إليه؛ أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ الذين نزل عليهم القرآن، ولهذا أضاف الربوبية إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾؛ لأنها تقتضي العناية الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أتى باللام الدالة على التأكيد لتكون الجملة مؤكَّدة بمؤكدين.
فإذا قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ وحاله لا تقتضي التأكيد؛ لأنه مُقِرٌّ، ومن قواعد البلاغة أنه لا يؤكد الكلام إلا للمتردد أو للمنكر؛ فإن كان للمتردد فهو استحسان، وإن كان للمنكر فهو وجوب زيادة تأكيد، وهنا أكد بمؤكدين مع أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو مُقِرٌّ بذلك؟
فيقال: إن هذه القاعدة التي ذكروها ليست على إطلاقها، بل فيها قصور؛ فإن الشيء يؤكَّد باعتبار حال المخاطب، وحينئذٍ نقول: إذا كان مُترددًا فيحسُن تأكيده، وإذا كان مُنكِرًا فيجِب تأكيده.
كذلك يُؤَكَّد الكلام باعتبار أهميته؛ إذا كان الكلام ذا اهتمام فإنه يُؤَكَّد حتى وإن كان المخاطب مُقرًّا به؛ لبيان اعتناء المتكلم به. فهنا هذه المسألة مهمة جدًّا.
ثم يقال أيضًا: إن الآية ذُكِرَت تسليةً للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن جهة أخرى تهديد للكفار، والكفار قد يشكُّون أو يُنكرون في عزَّة الله ورحمته، فلهذا جمع بينهما مُؤكِّدان.
وقوله: (﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فانتقم من الكافرين بإغراقهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين فأنجاهم من الغرق) يُقْرِنُ الله تبارك تعالى دائمًا بين العزة والحكمة، وأحيانًا في مثل هذه السورة بين العزة والرحمة، وبين الوصفين أو الاثنين تناسب ظاهر؛ أما العزة والحكمة فالتناسب بينهما هو أن العزيز هو الغالب القاهر، والغالب القاهر إن لم يكن في غلبته حكمة صار تصرفه غير محمود؛ لأنه يتصرف من مصدر القوة، وإذا كان يتصرف من مصدر القوة ولا حكمة عنده صار يبطش بطشًا في غير محله، وربما يترك ما ينبغي فيه البطش في غير محله، فجاءت الحكمة مقترنة بالعزة.
وأما هنا فلما كان سياق الآيات يتضمن ما تقتضيه الرحمة ويتضمن ما تقتضيه العزة، فإهلاك فرعون يقتضي أن يقابل بالعزة، وإنجاء موسى يقتضي أن يقابل بالرحمة؛ لأنه من مقتضاه جمع الله تعالى بينهما.