تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٦﴾
(﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ عواقِبُ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) الفاء عاطفة، وتفيدُ الترتيب، والسين تفيدُ التقريب أيضًا، المعنى: فبسبب تكذيبهم سيأتيهم عن قُرْبٍ.
وأنباء بمعنى أخبار ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الأنباء جمع نبأ، وهو الخبرُ من الأمور الهامة، والمراد بالخبر هنا: العواقِبُ كما قال المؤلف: (العواقب)؛ لأنَّ العواقب أخبار في الحقيقة.
فمثلًا في القرآن أنَّ الله تعالى ينصُر رسولَه ويهلك المكذبين، هذه أنباء هي في الحقيقة ستكونُ عواقبَ سينتصرُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وسيهزم أعداؤه، وهذه هي الحقيقة وهي العاقبة.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَسْخَرون، وتقديمُ المعمول في قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ للفائدتين السابقتين اللفظية والمعنوية.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾ هذه يحتمل أن تكون مجردة عن الزمان؛ أي: ما يستهزِئون به، ويحتمل أن تكونَ من الزمان، أي: ما كانوا في الماضي يستهزئون به عند وقوع العاقبة، فإنَّ استهزاءهم به سابق لهذه العاقبة، ولكن الظاهر أنها مجردة عن الزمان، وهو غالب ما تأتي (كانوا).
﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يسخرون ويضحكون منه، والتكذيب بالشيء الحقِّ نوع من الاستهزاء به؛ لأنه مثلًا إذا كان فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وخبر واستخبار، وإرشاد وتوبيخ، ثُمَّ كُذِّب به معناه أنه يستهزِئ به، وبأحكامه، وبأخباره، وبما تضمنه من هذه الأمور.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى؛ فإذا وجدْتَ في الكلمة حروفًا زائدة فمعنى ذلك أن هناك معان زائدة، والزيادة هنا للمبالغة؛ مثل: استكبر وتكبر، استكبر أبلغ من تكبر، وهنا استهزَأ أبلغ من هَزِئ به؛ فلذلك نقول: السين والتاء هنا للمبالغة.
قال الله تعالى مبينًا دليلًا واضحًا على آياته: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: كثيرًا أنبتنا ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ نوع حسن).