تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ ﴿٣٠﴾
(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به).
وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم.
وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة.
أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به.
﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾.
ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه.
ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير.
والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها.
وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين.
والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون.
﴿