×

الشعراء

الآيات ٢١٤–٢١٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾

وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢١٥﴾

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارًا. رواه البخاري ومسلم[[أخرج البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم –واللفظ له- (٢٠٤ / ٣٤٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فاجتمعوافعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها».]] )، وهذا في أول الدعوة أمر أن يُنْذِرَ عشيرته الأقربين. لماذا؟ لأنهم أحق الناس ببره، ولأنهم بمقتضى القرابة لا بمقتضى الواقع أسبق الناس إلى الإيمان به، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أشد الناس غيرة عليه، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أعظم الناس حقًّا عليه، فلذلك الإنسان مسؤول عن أهله أكثر مما هو مسؤول عن الأجانب، ومسؤول عن القربى أكثر مما هو مسؤول عمَّن ليس بينه وبينه قرابة. وقوله: ﴿الْأَقْرَبِينَ﴾ هذه اسم تفضيل، فيقتضي ما دام أن الحكم معلقًا بالأقرب أنه كل من كان أقرب كان أولى وأحق. وقوله: (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) هذا ليس بصحيح بهذين البطنين، بل حتى البطنان الآخران بنو عبد شمس وبنو نوفل منهم من الأقربين بلا شك، لكن منهم من أجاب، ومنهم من لم يُجِبْ؛ فقد امتنع عن الإجابة عمه أبو لهب، وهو من أقرب الناس إليه؛ لأن عم الرجل صنو أبيه، وامتنع عن الإجابة عمه أبو طالب أيضًا وهو صنو أبيه، لكن عمه أبو طالب والاه وناصره، وعمه أبو لهب عاداه وخذله والعياذ بالله. وقد صاروا أمام الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم آمن به، وقسم نصره ولم يؤمن به، وقسم لم يؤمن به ولم ينصره. وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنهم لو نصروه كلهم وآمنوا به لقيل: هذا رجل يريد الملك والسيادة، ولهذا تبعه أقاربه وهم مُتَّفقون على هذه الخطة، ولكن من حكمة الله أن الله تعالى قسمهم هذا التقسيم. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ * وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يرسل ويعظ الأقرب منه فالأقرب، وهو مسؤول سؤالًا مباشرًا بالنسبة إلى أهله. (﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ ألن جانبك، ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٥] الموحدين) الإنذار للعشيرة، والخفض -خفض الجناح- للمؤمن، سواء كان من عشيرته أو ليس من عشيرته. * وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان ألَّا يتعاظم على أحد، لكن بالأخص المؤمن أن يلين له جانبًا. بس غير المؤمن لا يلين له جانبًا؟ * طالب: لا يبدأ بالسلام. * الشيخ: المهم لا يلين له جانبًا. قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه ٤٤]. * طالب: ما قبل التبليغ (...) الدعوة، ولكنه رفض وعرف الدعوة وبلغته الدعوة، فينبغي (...). * الشيخ: يعني ترجع المسألة إلى المصلحة إلا بما دل الشرع على خلافه، فالشرع هو المقصد؛ لقوله: ﴿اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٥]. * في هذا دليل على أن تحقيق الإيمان إنما يكون بأي شيء؟ باتباع الرسول ﷺ؛ لأنه لما قال: ﴿أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾، فهو إذا أنذر إما أن يُتْبَعَ، وإما ألَّا يُتْبَعَ.