تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴿١٨٢﴾
وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿١٨٣﴾
وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٨٤﴾
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿