×

الشعراء

الآيات ١٥٧–١٥٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَـٰدِمِينَ ﴿١٥٧﴾

فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٥٨﴾

ثم قال الله تعالى: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها بعضهم برضاهم ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء ١٥٧] على عقرها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء ١٥٨] الموعود به، فهلكوا). هو قال: لا تمسوها بسوء، ولكنهم مَسُّوها بأسوأ السوء والعياذ بالله، عقروا الناقة. وما معنى العَقْر؟ الظاهر أن المراد به القتل، وليس قطع الأرجل فقط، بل إنهم أهلكوها فعُوقبوا بمثل ما جنوا. أصبحوا نادمين، هل هم نادمون على ما فعلوا من ذنب، أو أنهم نادمون على ما فاتهم من مصلحتها؟ * طالب: على الأمرين، فاتهم المصلحة وأتاهم العذاب. * الشيخ: ما بعد أتاهم العذاب إلى الآن. الظاهر أنهم ندموا على ما فاتهم من المصلحة الدنيوية؛ لأنهم لو ندموا على الذنب لكانوا تائبين، ولم يُهلَكوا، لكن ندموا، ترى أمس نشرب اللبن واليوم فاتنا اللبن، فالظاهر أن ندمهم هذا إنما كان من أجل فوات المقصود الدنيوي، وكم بقوا بعد ذلك؟ * طالب: ثلاثة أيام. * الشيخ: نعم، ثلاثة أيام. والحكمة من هذه الأيام الثلاثة -والله أعلم- لعلهم يتوبون، ولكنهم لم يتوبوا. وقد أُخِذ من هذا استتابة المرتد كم؟ ثلاثة أيام، إن تاب وإلا أُجري عليه الحد. على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، المهم أن هؤلاء لم يندموا على فعل المعصية، ولو ندموا لكان توبة، ولكنهم ندموا على ما فاتهم من حظ الدنيا فقط، فأخذهم العذاب الموعود به فهلكوا، إلا أن الله تعالى أنجى صالحًا ومن معه. وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ومعلوم أنهم لم يكونوا كلهم عقروها، ولكن لما كان برضا الجميع، ومن زعمائهم؛ نُسِب إليهم جميعًا، وأنتم تعرفون أن فعل الطائفة من الأمة يُعتبَر فعلًا للجميع إذا لم يُنكروه، إذا سكتوا فلم ينكروه فهو للجميع؛ ولهذا يُذكِّر الله تعالى اليهود في عهد الرسول ﷺ بما فعل أسلافهم، ويخاطبهم به مخاطبة الفاعل؛ لأنها أمة واحدة، فإذا لم تُنكر ما كان عليه أسلافها نُسب للجميع. (﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به)، وما هو العذاب الذي أخذهم؟ * طلبة: صيحة. * الشيخ: ورجفة، صيحة ورجفة جميعًا؛ يعني رجف الله بهم الأرض، وصاحَ بهم جبريل، فماتوا، أصبحوا في ديارهم جاثمين والعياذ بالله، صرعى كنفس واحدة. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى على كل شيء قدير ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]. ولو أننا عقلنا -نحن المسلمين- وآمنَّا حقيقة الإيمان ما كنا بهذه الحال التي نحن عليها؛ يعني ما كنا نخاف الناس أكثر مما نخاف الله. الآن زعماء المسلمين -مع الأسف- يخافون الناس أكثر مما يخافون الله، ولهذا يداهنون الناس في أحكام الله عز وجل، ولو أنهم اعتزوا بعزة دينهم لخافهم الناس. ولهذا يقولون: الإنسان لا بد أن يخاف ويرجف، لكن إما أن يخاف الله أو يخاف غيره، فإن خاف الله خافه الناس، وإن خاف غير الله استولى عليه هذا الخوف. وهذا صحيح، هذا حق، يكون مَنْ خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، وبالعكس يكون الأمر بالعكس. فعلينا جميعًا أن نكون واثقين بوعد الله عز وجل، غير ناظرين إلى الأسباب الحاضرة، صحيح لو نظرنا نظرةً مادية محضة لكنا لا يمكن أن نتكلم مع هؤلاء، أو أن نتحداهم في تنفيذ الشريعة ومحاربتهم، لكن يجب ألا ننظر إلى هذه الأسباب الحاضرة، يجب أن ننظر إلى أسباب أخرى فوق المادة، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ولهذا من نظر إلى هذه الأسباب المشاهَدة الطبيعية ما يستقيم له أمر. الصحابة رضي الله عنهم عندما جاهدوا الفُرس والروم هل نظروا لهذه الأسباب؟ * طلبة: لا. * الشيخ: أبدًا، كانوا يحاصرون المدينة العظيمة لمدة، ثم يخرجون في الصباح فيُكَبِّرون الله، فإذا كبَّروا تصدعت الأسوار، وهذه شيء متواتر في التاريخ عنهم؛ أنهم يحاصرون المدينة مدة، ثم إذا كبَّروا الله سبحانه وتعالى كأنها مدافع وقنابل تُصدِّع هذه الجدران، ولكنه تكبير يخرج من القلب. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨)