×

الشعراء

الآيات ١٥١–١٥٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿١٥١﴾

ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿١٥٢﴾

قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ﴿١٥٣﴾

وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم. * طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...). * الشيخ: طيب (...). * طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم. * الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟ * طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾.. * الشيخ: يعرفون موسى.. * طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...). * الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد. وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد. (﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...). لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا. لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.