×

الشعراء

الآية ١٢٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٢٥﴾

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط. وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته. فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب.. وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]؛ أي: ذو أمانة ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته. فإذا قال قائل: هذان الوصفان ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب خائن، فهل بمجرد الدعوى تقوم عليهم الحجة؟ الجواب: لا، لكن هذه الدعوى مؤيدة بآيات من الله عز وجل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهو ليس مجرد الدعوة؛ لأن مجرد الدعوة سهل رفضها، لكنها دعوة مؤيدة مدعمة من الله سبحانه وتعالى بآيات بينة يؤمن على مثلها البشر، وفي هذا، يعني كأنه لما قال: إن هذا القول جازمًا به دليل على قوة آياته، وأن معه من الآيات ما جعله يُعبِّر هذا التعبير الجازم ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]، وفي هذا دليل على أن الرسالة أكبر دليل على أمانة الشخص، ولَّا لا؟ لأنه لولا أنه أمين ما ائتمنه الله سبحانه وتعالى على الوحي الذي فيه الحكم على الناس بالسعادة والشقاء، بل الحكم عليهم باستباحة أموالهم واستباحة نسائهم واستباحة دمائهم، فلولا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعظم الناس أمانة ما ائتمنهم الله على هذا الوحي العظيم. * طالب: ممكن يكون قولهم ادعاء لأنهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [سورة هود ٥٣]. * الشيخ: إي، إنكار هذه مكابرة.﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء ١٢٦]، عودًا في المعنى على قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]؛ يعني فلأني رسول أمين افعلوا ما آمركم به من التقوى، وأحثكم عليه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ما قال: واتقون؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، لا هو ولا غيره، وظيفة الناس بالنسبة للرسل ليس تقوى الرسل بل طاعة الرسل، ولهذا ما جاء على لسان أي واحد من الرسل أنه قال لقومه: (اتقون) بل يأمرونهم بالطاعة، وأما التقوى والخشية والخوف فهو لمن؟ لله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وهذه التقوى مرت علينا كثيرًا في أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى، ولهم فيها عبارات كثيرة. وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ما هي الطاعة؟ أصل الطاعةِ الانقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقة طوعُ صاحبها؛ أي: منقادة له وذليلة، وتُفسَّر بأنها موافقة الأمر، فإذن نقول: موافقة الأمر تذللًا للآمر؛ لأن موافقة الأمر قد تكون تذللًا للآمر، وقد تكون كالإكراه فهذه لا تكون طاعة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، في الآية الكريمة هذه وجوب تقوى الله ووجوب طاعة رسوله؛ لأن طاعة رسوله من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء 127]) ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما أقول لكم، أو ﴿عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، والمعنى متقارب؛ يعني أنا لست أقول: أعطوني شيئًا، وإنما آمركم بما فيه خيركم، لو كنت أسألكم أجرًا على ذلك لكان لكم الحجة في أن تردوا، لكني لا أسألكم عليه أجرًا؛ يعني ثوابًا وعوضًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. (﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وفي هذا كمال الإخلاص؛ يعني: أنا لا أريد الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى. في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى﴾ (على) يقول العلماء: إنها تفيد الوجوب؛ يعني ما قال: إن أجري إلا من رب العالمين، قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل الله سبحانه وتعالى يجب عليه شيء؟ الجواب: أما أن نوجب عليه فلا، وأما أن يوجب على نفسه تكرُّمًا فهذا لا مانع منه، قال ابن القيم: مَـــــا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎كَـــلَّا وَلَا عَــــــمَلٌ لَدَيْهِ ضَـــائِعٌ ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْــــلَاصِ وَالْإِحْــسَانِ؎إِنْ عُــــــــذِّبُوا فَبِعَـــــدْلِهِ أَوْنُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِـــــــــــــهِوَالْحَـــــــــــــــــــمْدُ لِلْمَـــــــنَّانِ واللي فيها دول ثلاثة الأبيات (...) وهم مقيدات لأبيات سابقة مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَــقٌّ وَاجِــبٌ ∗∗∗ كَــلَّا وَلَا سَـــعْيٌ لَدَيْهِ ضَـــــائِعُ؎إِنْ عُــــذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُــــعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْـــكَرِيمُالْوَاسِــعُ البيتان هادول مطلقات لكن ابن القيم قال: مَا لِلْعِبَــادِ عَلَــيْهِ حَـــقٌّ وَاجِـــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ (كلا ولا عمل لديه ضائع) قيَّدها بقوله: (إن كان بالإخلاص والإحسان)، الإحسان المتابعة، أما إذا لم يكن بالإخلاص والإحسان فيضيع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. يقول: ﴿