×

الشعراء

الآيات ١١٧–١١٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ﴿١١٧﴾

فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء. (﴿﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ ﴾ أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧]. وفي هذه الآية ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ يعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟ فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. ثم قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا. وقوله: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.