تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَـٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴿٩﴾
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.