×

الفرقان

الآيات ٤٨–٤٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا ﴿٤٨﴾

لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ﴿٤٩﴾

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل بإرسال الرياح؛ لأن هذه الرياح لو اجتمع الخلق كله بالتأكيد على أن يأتوا بواحدة منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح في بعض الأحيان تقتلع الأشجار وتدمر المنازل. هذه القوة العظيمة لو تأتي بمولدات الدنيا كلها لتخلق مثل هذا الهواء ما حصل هذا. * وفيه دليل أيضًا على الحكمة، على حكمة الله عز وجل بكون المطر ينزل من السماء. لو كان هذا المطر الذي تحيا به الأرض يأتي جريًا على سطح الأرض ما كان فيه هذا النفع؛ لأنه لا يصل إلى قمم الجبال إلا بعد أن يغرق ما تحتها، لكنه إذا نزل من فوق أتى على قمم الجبال وأتى على ما هو أسفل منها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى بذلك. * وفيه دليل على أن الأصل في الماء الطهارة؛ لقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]. ونحن نعرف الآن حسب ما تلونا عليكم أن الماء الموجود في الأرض من السماء. * طالب: كله؟ * الشيخ: نعم كله، ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر ٢٢]، فإذا كان من السماء فإن الأصل فيما نبع من الأرض أو فيما نزل من السماء الأصل فيه أن يكون طهورًا. * وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، لام التعليل، وهذا دليل من مئات الأدلة على إثبات الحكمة، فيكون فيه رد على طائفة من طوائف المبتدعة، من هم؟ * طالب: الجهمية والمعتزلة. * الشيخ: لا، ما هم بالمعتزلة. الجهمية؛ لأنهم يرون أن فعل الله لمجرد المشيئة، ليس لعلة، الجهمية؛ فإنه لا يرجح شيئًا على شيء لحكمة، إنما لمجرد المشيئة، ولا يفعل شيئًا إلا لمجرد المشيئة! ولا شك أن هذا القول مردود بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن من يفعل لحكمة أكمل ممن يفعل لغير حكمة، أليس كذلك؟ وهم يرون نفي الحكمة، يقولون: لأن الحكمة غرض، والله سبحانه وتعالى منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، شوف حسن التعبير! اللي يسمع هذا التعبير يقول: هذا مثل تعبير القرآن: منزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض. يريدون بالأبعاض مثل اليد والوجه والعين وما أشبه ذلك، ويريدون بالأعراض الصفات الفعلية، الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء وما أشبه ذلك، ويريدون بالأغراض الحكمة؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلب الحقائق، إذا فعل لحكمة فهو دليل على كماله، وأنه لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة سفهًا. * وفيه دليل على جواز ذكر بعض الفوائد، يعني الاختصار على البعض لا يعد نقصًا؛ لأنه هنا ذكر الله من فوائد المطر فائدتين فقط: إحياء الأرض وسقي الأنعام والأناسي، مع أن للمطر فوائد أخرى: كالتطهر به مثلًا، فالتطهر به ليس سقيًا وليس إحياء للأرض، وغير ذلك أيضًا من الفوائد. لكنه لما كان أشد ما يكون ضرورة في المطر هو إحياء الأرض بالنبات ليأكل الناس والأنعام، وكذلك السقي، فالطعام والشراب ضروري من ضروريات الحياة بالنسبة للأنعام وبالنسبة للناس، اقتصر الله تبارك وتعالى على ذكر هاتين الفائدتين فقط؛ لأنهما هما الفائدتان الضروريتان الحاصلتان بنزول المطر: إحياء الأرض للنبات والأكل، والسقي للشرب. وقوله تعالى: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان ٤٩]، لكن هنا الأنعام ما قال: أنعامًا كثيرة، والأناسي قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. وفي هذا التعبير إشكالان: الإشكال الأول: لماذا وصف الأناسي بالكثير ولم يصف الأنعام بالكثير. الثاني: أننا نعلم أن الله تعالى يسقي بهذا الماء كل الأناسي، كل الناس يشربون منه؛ فلماذا قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾؟ يعني كأنه يفهم أن من الأناسي من لا يسقى بماء المطر، فما هو الجواب عن الإشكال الأول: وصف الأناسي بالكثرة دون وصف الأنعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: معناه أن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لهما جميعًا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأنه كان يطابق. * طالب: الأنعام بالنسبة للأناسي هي أقل. * طالب: (...). * طالب: الأنعام أكثر من الأناسي. * الشيخ: إي نعم. أيش لون؟ * الطالب: أقول: الأنعام أكثر من الأناسي. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي والله أعلم أن بعض الأنعام لا يحتاج إلى الماء حسب ما نسمع أن بعضها ما يحتاج إلى الماء، وبعضها ما يحتاج إلا قليلًا جدًّا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أشياء كثيرة يعدون علينا نقول: ما تحتاج إلى الماء، أو إذا شربت لا تشرب إلا قليلًا جدًّا، يمكن في السنة مرة. فإذا صح هذا فهو من الحكمة، قد يكون هذا من الحكمة بعدم وصفه بالكثرة. لكن يبقى عندنا الإشكال الثاني أشد من هذا: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * طالب: ما يقال على الإشكال الأول. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: مثل الأنعام لا (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: بخلاف الإنسان (...). * الشيخ: إي، لكن أنا ما ذكر لنا الشرب فقط: ونسقيه أنعامًا وأناسي. الإشكال الثاني: أن قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، مع أن جميع الأناسي يشربون؟ * طالب: (...). * طالب آخر: حسب ما قلته الأنعام يجب أن تكون كثيرة (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: وصفها بالكثرة ليس تقييدًا للشرط (...) الواقع أن الأناسي كثيرة. * الشيخ: يعني بالنسبة للأنعام، يعني؟ * الطالب: لا، (...) وأنت قلت: الإشكال الثاني أنه يوجد أن هناك بعض الأنعام لا تشرب. * الشيخ: نعم. * الطالب: أو لا تستفيد من (...)، فنقول: إن ﴿كَثِيرًا﴾ ليست تقييدًا للشرب لمن يشرب من الأناسي، وإنما بيان الواقع فقط أن هؤلاء الأناسي كثيرون الذين يشربون، وهم كلهم يشربون، فتكون للكثرة. * الشيخ: لو أقول مثلًا: عندي رجال كثيرٌ، هل يفهم من ذلك أن فيه رجالًا آخرين ما حضروا (...)؟ * طالب: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: إي، ولهذا يقول: جمع إنسان، وأصله... * طالب: (...) أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأنعام والأناسي؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: ما فيه ما يمنع من أن تكون الصفة (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، نحن قلنا: المطابقة، ولكن أورد علينا الأخ قال: حتى الأنعام فيه أيضًا جمع، ﴿كَثِيرًا﴾ يستوي فيها المفرد والجمع. * طالب: ربما يدل على (...). * الشيخ: لا، هي إذا قلنا: إن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأناسي وللأنعام زال الإشكال. الإشكال الثاني: ممكن أن نقول مثلما قال محمد، يعني أنه يبين الله سبحانه وتعالى أنهم أناسي كثيرون، ولا يلزم من هذا أن بعضهم لا يشرب، وأنه تكون الكثرة هذه كثرة شاملة، مثلما تقول: الجند كثيرون، أو عند الأمير جند كثير، كلمة (جند كثير) تشمل جميع الجنود وتصفهم بالكثرة. (أناسي) تشمل جميع الناس وتصفهم بالكثرة. * طالب: لو قال أكثر (...). * الشيخ: إي، قول قال أكثر صحيح، واضح. على كل حال يمكن إذن، إذن الإشكال الذي يتبادر في الأول التخلص منه بأي شيء؟ بأن نجعل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين: أنعامًا كثيرًا وأناسي كثيرًا. وليس كقول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١]، فإن ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ ما تصلح أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين؛ لأنها مقدمة على النساء؛ أما هذه فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه. وأما ﴿كَثِيرًا﴾ فإنه لبيان الواقع وليس لإخراج البعث، ونظيره في التمثيل أن تقول مثلًا: عند الأمير جند كثير، أو خرج إلى العدو جيش كثير، فهو وصف له بالكثرة. يعني: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليسوا بالقليلين، هذا المعنى، ﴿أَنْعَامًا﴾ ليست قليلة ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليست قليلة، بل هي كثيرة، ويكون هذا بيانًا لشمول انتفاع الخلق ناطقهم وبهيمهم بهذا الماء: ﴿أَنْعَامًا﴾ كثيرًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. طيب، إلى الآن توصلنا جميعًا إلى أن الكثير صفة للأنعام والأناسي، بالنسبة لكثرة الأنعام هل نقول: كثرة الجنس والأنواع ولَّا كثرة الأفراد، أو الجميع؟ * طالب: الجميع. * الشيخ: وبالنسبة للأناسي كثرة الأفراد؛ لأن الأناسي جنس واحد. ثم قال الله تبارك وتعالى، كم من الفوائد اللي عدينا من هذه الآيات؟ سبع فوائد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الظاهر والله أعلم للكثرة؛ لأنها أكثر، أكثر أنواعًا وأفرادًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم، ما هو علشان الـ... الكلام على إفادتها من المطر، إي هو على الأنعام هذا لأنه أكثر. وقد يقال: إن إحياء الأرض لمصلحة الإنسان، وسقي الأنعام لمصلحة الإنسان، وسقي الإنسان هذه لمصلحة نفسه، فقدم ما يكون انتفاعًا غير مباشر للإنسان، ثم أخر الانتفاع المباشر من باب السير للأبعد فالأبعد في المصالح، الأبعد فالأبعد؛ لأن الأنعام من مصلحة الإنسان، والأرض إحياؤها من مصلحة الإنسان، وإحياء الأنعام أشد مباشرة والتصاقًا بالإنسان من إحياء الأرض؛ لأنه كم من أراض تشرب المطر لا ينالها الإنسان وينتفع بها، بخلاف الأنعام.