×

الفرقان

الآية ٤٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴿٤٦﴾

ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦]، ﴿إِلَيْنَا﴾، هذه الغاية فيها إشكال؛ لأنه كان من الممكن أن يقتصر على قوله: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما هي الحكمة من هذه الغاية: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؟ نعم؟ * طالب: للدلالة على (...). * الشيخ: إي نعم، فيه أحد يرى (...)؟ * طالب: يعني المعنى أننا إذا قبضناه أي (...). * الشيخ: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ قبضه إليه، نعم؟ * طالب: نقول الظل يتأثر تحركه وتدريجه بالشمس، (...) الشمس أو تحرك الشمس، والشمس تتحرك إلى الله سبحانه وتعالى تسجد عند العرش، فيكون معناه: قبض هذا الشيء اللي يتسبب عنه (...). * الشيخ: يعني يكون الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى الشمس يعني؟ * الطالب: لا، إلى المؤثر على هذا الشيء وهو الشمس. * الشيخ: لأنه -نعم- فيه من يرى أن الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أي: الشمس، باعتبارها دليلًا: ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ [الفرقان ٤٥، ٤٦] أي: قبضنا هذا الدليل ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. هو على كل حال فيه الاحتمال الذي ذكر الأخ، أن المراد جعل الغاية إلى الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه هو المتصرف به، وأنه لا أحد يستطيع أن يتصرف بخلاف ذلك. وفيه احتمال أنه يجعل ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يعني: الدليل؛ أي: الشمس، ويكون المراد بالقبض إليه ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث أبي ذر «أنها تذهب وتسجد تحت العرش»[[أخرج البخاري (٣١٩٩) واللفظ له، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، بسنديهما من حديث عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤْذَن لها ويوشك أن تسجد، فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها يُقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]».]]. وفيه احتمال ثالث مشى إليه الزمخشري، وقال: إن المراد بالقبض هنا ما ذكره الله بقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ١، ٢]، وأن المراد به قبض هذه النيرات -الشمس وغيرها- يوم القيامة، وجعل اليسير ليس صفة للقبض أنه يكون شيئًا فشيئًا، بل هو صفة للفعل -لفعل الله- يعني أنه يسير عليه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤]. لكن الأخير بعيد؛ لأن الله تعالى إنما يمتن بذلك على أمر يدرك الناس فائدته في الدنيا وتمام قدرة الله فيه، فيكون على هذا إما أن يُقال إن الغاية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أن ذلك من تصرفه وحده، وأن الأمر إليه وحده لا إلى غيره، ويكون دليلًا على عظمة الله سبحانه وتعالى، أو أن المراد بالقبض إليه أن الشمس تُقبض إلى الله، بمعنى أنها تذهب وتسجد تحت العرش كما جاء به الحديث عن النبي ﷺ. * وفي الآية من الفوائد: أولًا: تقرير الإنسان بالنعم التي يشاهدها؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الفرقان ٤٥]. * ثانيًا: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، والرب هو الخالق المتصرف. * وثالثًا: بيان كمال قدرة الله ورحمته بمد الظل، وجعل الشمس دليلًا عليه وقبضه قبضًا يسيرًا بهذه الأمور الثلاثة. * ورابعًا: إثبات الاستدلال بالشيء على الشيء. * والخامس: الاستدلال بالشيء على ضده، وبضده يعرف الضد، يقول بعضهم: ..................... ∗∗∗ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * وسادسًا: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * والفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أنه لا يجعل النعم أمورًا عادية لا بد منها، بل يقدرها بضدها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، فالآن إذا قال الإنسان مثلًا: خروج الشمس على هذه الأرض وغروبها عنها أمر معتاد، نقول: نعم، هو أمر معتاد ومن أجل كونه معتادًا لا يحس الإنسان بأنه نعمة، لكن قدر هذا الشيء بضده: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، خروج النفس من جسم الإنسان أمر معتاد، ولهذا لا يحس الإنسان بقدر هذه النعمة، لكن قدر: ولو شاء الله لحبسه، وحينئذ يتبين قدر النعمة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ينبغي أن يجعل هذا قاعدة لنا في كل النعم المعتادة التي نحن عشنا عليها واعتدناها فإننا لا نحس بكونها نعمًا، لكن علينا أن نقدر ضدها: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ حتى نعرف بذلك قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذه النعم المعتادة. * طالب: ما تؤخذ فائدة (...)؟ * الشيخ: لا، هو إثبات رحمة الله بوجود هذه النعم، لكن تنبيه الإنسان على الشكر إنما يكون بذكر ضد هذه النعم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. وفيه أيضًا فائدة الالتفات، وهي تغيير الأسلوب لتنبيه المخاطب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، إي نعم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه إثبات النعم بضدها، معرفة قدر النعم بمعرفة ضدها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الاستدلال على الشيء بضده، مرادنا بالنعم أن الإنسان يستدل بضدها على مساغ هذه النعمة.