تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَقَدْ أَتَوْا۟ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴿٤٠﴾
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، هذه الجملة مؤكدة ولَّا غير مؤكدة؟
* طالب: نعم، مؤكدة.
* الشيخ: مؤكدَة بكم مؤكِّدٍ؟
* الطالب: بثلاثة مؤكدات؛ اللام، وقد، والقسَم.
* الشيخ: والقسم المقدَّر. طيب، وهذا المقصود بالتوكيد تقرير الأمر الواقع، يعني أنه ليس الخبر كالمعاينة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهذه القرية من عذاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم يمضون عليها ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨].
يقول الله عز وجل: (﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون، والاستفهام للتقرير).
عندنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، هذه تأتي في القرآن كثيرًا: (أَفَلَمْ) (أَوَلَمْ)، يعني: يأتي حرف الاستفهام الهمزة، وبعده حرف عطف، فاختلف النحويون في ذلك؛ فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق، تقدَّر حسب ما يليها. ومنهم من قال: إن حرف الاستفهام داخل على الجملة المذكورة، لكن محله بعد حرف العطف، فمثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ يقولون: أصلها (فألم يكونوا يرونها)، فقُدِّمت أداة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة.
فالآن أمامنا رأيان فيما إذا وُجِدَ حرف استفهام بعده حرف عطف، هل يكون داخلًا على الجملة المذكورة مُقدَّمًا على حرف العطف؟ أو يكون داخلًا على جملة مُقدَّرة تُسْتَفاد من السياق؟
كيف نُقدِّر ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ على الرأي الثاني الذين يقولون: إنه داخل على جملة مُقدَّرة مفهومة من السياق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف نقدر؟
* طالب: (...) فلم يكونوا.
* الشيخ: إي، أَعَموا، فلم يكونوا يرونها؛ لأن انتفاء الرؤية معناها العمى.
وعلى الرأي الثاني ما يحتاج إلى تقدير، نقول التقدير: فألم يكونوا يرونها. والأول رأي سيبويه، والثاني رأي الكسائي. وأيهما أهون وأسلم؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أهونُ وأسلمُ.
* طالب: تدخل الفاء عليها (...).
* الشيخ: لأنه في الحقيقة في بعض الأحيان تأتيك أمثلة ما تستطيع أن تقدر هذا المحذوف ولا كيف تقدره. ثم إن الأصل عدم التقدير والحذف، هذا هو الأصل. ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثاني لم نرتكب إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو تقديم الهمزة عن مكانها، وهذا شيء بسيط، فالذي ينبغي سلوكه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير، لكنها مُقدَّرة بعد حرف العطف، إلا أنها قُدِّمَت لأجل الصدارة.
وهنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير: حمل المخاطب على الإقرار. مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أيش نقول بالهمزة؟ الاستفهام التقريري أو للاستفهام المراد به التقرير، المهم أن هذه ليست للاستفهام الاستخبار، ما هو بالله يسأل، ولكنه يقرر أنه شرح له صدره، فنقول: الاستفهام هنا للتقرير. وما معنى التقرير؟
* طالب: الإثبات.
* الشيخ: لا، ما هو بس الإثبات وفقط، حمل المخاطب على الإقرار؛ يعني إن كان هذا الشيء متقررًا، فيجِبُ عليك أن تُقِرَّ به.
* طالب: إذا تلاها (...)؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
نقول: هي للاستفهام التقريري؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار، وكأن هذا أمْرٌ لا يمكن إنكاره؛ لأنه معلوم له.
في الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، نقول: الاستفهام للتقرير؛ يعني أنهم قد رأوها، إذا كان بمعنى التقرير فإنه يُقدَّرُ بفعل ماضٍ مقرونٍ بـ(قد)، يعني مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾ [الشرح ١] معناه: قد شرحنا لك، لكنها أبلغ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ معناه؟
* طالب: قد رأوها.
* الشيخ: قد رأوها، لكن الإتيان بالاستفهام أبلغ؛ لأنه يحمل المخاطب على أن يقر، وهذا أبلغ من أن أُخْبِرَه بأمْرٍ على سبيل التحقيق بـ(قد).
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، يعني معناه: أنهم قد رأوها وهم يُقرُّون بذلك، ولا يمكنهم إنكاره، ويرونها، يقول المؤلف في وقت الرؤية: (في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون) وهذا صحيح أن الإنسان إذا عاين آثار العذاب يكون أشد في يقينه وتصديقه؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة.
وإبراهيم ﷺ لا يشك أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقال النبي ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١/ ٢٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وجئت بهذا الحديث لأجل أن نفهم معناه حقيقة، ويش معنى «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»؟
لو أخذنا بظاهره لقلنا: إن إبراهيم قد شكَّ ونحن قد شككنا ونحن أولى بالشك منه، ولكن ليس المراد بذلك، ويش المراد؟
* طالب: مؤكدٌ أنه لم يشكَّ إبراهيم، لكن لو كان.. يعني هذا تأكيد على أنه لم يشك؛ لأننا يعني بمعنى أنه لو حصل منه شك فنحن أولى بذلك، لكنه ما حصل منه شكٌّ.
* الشيخ: يعني كما أننا نتيقَّن أن الله يحيي الموتى وقادر عليها، فإبراهيم أولى باليقين، ولو كان ثمة شكٌّ لكنا أَوْلى به من ذلك، إي نعم.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، بيَّن لنا عن القرية هذه، موجودة الآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه مدائن صالح، لكن قرية لوط البحر الميت، البحر الميت هذا يقولون: إنه هو مكان قُرى قوم لوط، إنه صار بحيرة مالحة.
* طالب: فيها قولان.
* الشيخ: ما أدري واللهِ إن كان فيها قولان، إنما الآن عندي قول واحد.
* طالب: صحة القول هذا؟
* الشيخ: أقول: هذا مشهور، مشهور أن هذا البحر الميت أنه هو محل قرية قوم لوط.
يقول: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿نُشُورًا﴾ ) (بل) للإضراب، وكأنه إضراب عن توبيخ إلى أشد منه.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قلنا: الاستفهام للتقرير، والإنسان الذي يرى الشيء ثم لا يعتبر به مستحقٌّ للتوبيخ.
انتقل إلى ما هو أعظم؛ إلى حال يستحقون التوبيخ عليها أشد، فالإضراب هنا للانتقال منين؟ من سيءٍ إلى أسوأ، ومن خفيف إلى أغلظ منه، يعني معناه: أن هؤلاء ليسوا تاركين للاعتبار بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، وفسَّر المؤلف الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، مثل قول الله تعالى عن نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح ١٣].
ولكن إتيان الرجاء في موضع الخوف لا يكون إلا حيث تعذر أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقي، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن معنى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: لا يؤملونه، ما يؤملون ولا يقرون به؛ لأن مَن لا يؤمل شيئًا لا يُقِرُّ به. وكأن المؤلف رحمه الله حمله على معنى الخوف؛ لأن حاله تقتضي أنهم لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقرُّوا وآمنوا.
ولكن يقال أيضًا: الرجاء، لو كان يرجون هذا النشور ويؤملونه لعملوا له؛ لأنهم قيل لهم: إن صدقتم الرسل فلكم كذا، وإن كذبتم الرسل فعليكم كذا، فهم مَوْعُودون ومُتَوعَّدون، فلا يتعيَّن أن نحمل الرجاء على الخوف، بل لا ينبغي ما دام للرجاء بمعناه الحقيقي، ما دام له محل فإنه يجب أن يُحْمَلَ على معناه الأصلي.
فنقول: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: لا يؤملون النشور الذي فيه ما وعدتهم به الرسل من كرامة الله سبحانه وتعالى وإدخال الجنة. وهذا أشد من عدم اعتبارهم بما رأوا من إهلاك المكذبين، حيث ينكرون البعث الذي دلَّ عليه العقل، فالعقل يدل على أن للناس بعثًا، ولهذا يقرِّرُ الله تبارك وتعالى هذا المعنى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]؛ يعني: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ولا يُجَازى، هذا سفهٌ، لو كانت هذه الخليقة التي خلقها الله، وأرسل إليها الرسل، وأباح دماء بعضهم لبعض وأموالهم ونساءهم لأجل الدين الذي بعث به الرسل، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشيء إلا أن الإنسان يحيى ويموت، ماذا يكون هذا الفعل؟
* طالب: سفهًا.
* الشيخ: يكون سفهًا يُنَرَّه الله عنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، ما أنزل الله هذا القرآن إلا لمعادٍ يكون الناس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازون بأعمالهم، فالعقل دلَّ على أنه لا بُدَّ من بعثٍ، ولا بُدَّ من جزاء، ومع ذلك هؤلاء ينكرونه.
و﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بحُججٍ واهيةٍ باطلةٍ؛ مثل: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هي شُبهةٌ في الواقع، شُبهةٌ باطلةٌ، ولذلك أبطلها الله في الآيات التي بعدها من نحو عشرة أوجه، هذا الإنكار المبني على استبعاد عقله، لذلك أبطله الله تعالى كما يظهر من القصة من نحو عشرة أوجه؛ أولها: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا يكفي العاقل، هي ما كانت هذه العظام ماء مهينًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ماء مهينًا، بل قبل ذلك لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم خلقها الله إلى عظام، فالذي أحياها أول مرَّة قادر على إعادتها، وهو عقلًا أهون من الابتداء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧].
على كل حال لسنا بصدد الإثبات لهذا الشيء، لكن أقول: إن هؤلاء الذين لا يرجون نشورًا مع قيام الأدلة على وجوده لا شك في سفههم، وأنهم ليسوا على صواب.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان ٤١]، منتقلًا إلى حالة أخرى يقابل بها هؤلاء المشركون رسول الله ﷺ.
(﴿