×

النور

الآية ٦٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾

لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاءَ﴾ على كلام المؤلف بمعنى: نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا؛ أي: ناديته، وعلى هذا فـ﴿دُعَاءَ﴾ مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، هذا الأصل، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى مفعوله؛ أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله، ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾؛ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا ينادون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم؛ فإما أن يكون قبل النهي، وإما أن يكون من جاهل، كالذي يحصل من بعض الأعراب، هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعض المفسرين. وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ أي: دعاء الرسول إياكم، فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض. وعليه، فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا، ليست كغيره؛ إن شئنا أجبنا، وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإن سياق الآية يؤيد هذا القول. لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعدة في هذا، وهو: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنه حينئذٍ يجب طلب الترجيح الذي يرجح أحد المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا. فعليه، نقول: إن هذا من باب الأدب في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأدب في إجابته؛ ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعانا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره. ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي؛ فإن كان في فريضة لم يجبه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يعلم رضا والده بذلك، بحيث يشعره أنه يصلي، فلا يهمه إذا كان يصلي ألَّا يجيب، فهذا لا يجيبه، وأما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون -وكذلك والدته- فإنه يجيبه في النفل ويقطع صلاته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يخفف الفريضة إذا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يُخِل بها. قال: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور ٦٣] أي: يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، و﴿قَدْ﴾ للتحقيق). قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل معناه: الخروج بخفية، هذا معنى التسلل، وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾ أي: لائذين بشيء، فهو مصدر في موضع الحال؛ يعني: يتسلل ويلوذ بشيء، كالسارية مثلًا أو كالشخص الآخر يصير واقف ثم يروح من وراه وينسل، وما أشبه ذلك. وقول المؤلف: (في الجمعة) هذا بناءً على أن المراد بالأمر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قلنا: أن المراد به ما هو أعم، مثل يتسللون ويش عنه؟ عن موضع الجمع، سواء في الجمعة أو في غيرها، فالله تعالى عالم بهولاء الذين يتسللون لائذين بشيء؛ لأنهم خرجوا عما كان عليه المسلمون، وعما يجب عليهم أن يكونوا عليه. وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (﴿قَدْ﴾ للتحقيق)، وإنما نص على ذلك؛ لأن المعروف في علم النحو: أن (قد) إن دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مضارع فهي للتقليل؛ قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذلك، هذه للتقليل، لكنها أحيانًا تأتي للتحقيق، مثل هذه الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، وإنما أتي بالمضارع هنا؛ لأجل أن يتبين أن هذا العلم ليس لما مضى فقط، بل ولما يستقبل، فعلم الله في هؤلاء المتسللين ليس علمًا بمن سبق تسلله، بل بمن سبق تسلله وبمن (...). * * * ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١] وأن ذلك من الآيات التي بينها الله تعالى للعباد وأوضحها لهم؛ لما في ذلك من جلب المودة والمحبة والخير، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام وقال: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣) من حديث أبي هريرة.]]. ثم تقدم أيضًا: أن الله حصر الإيمان في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يعني: مع الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ عام شامل، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، وبين أن المستأذنين هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وأن الذين يتسللون لواذًا بدون استئذان هم الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، وتوعدهم على ذلك بأنه يعلم هذا العمل منهم، وإخباره بأنه عالم به دليل على أنه سيجازيهم عليه؛ إذ لا فائدة من الإخبار بالعلم إلا وقوع المجازاة على ذلك. * وفي الآية دليل على أن الإيمان ينقسم إلى ناقص وكامل؛ لأن عدم الاستئذان في الأمر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معصية تنافي كمال الإيمان، فالإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق، والفرق: أن مطلق الإيمان يصدق ولو بإيمان ناقص، والإيمان المطلق هو الإيمان؟ * طالب: الكامل. * الشيخ: الكامل، ففرق بين مطلق الإيمان؛ أن تضيف (مطلق) إلى (إيمان)، وبين أن تصف الإيمان بالمطلق، فالإيمان المطلق؛ أي: الكامل، ومطلق الإيمان؛ أي: أن يكون مع الإنسان أصل الإيمان وإن لم يكن كاملًا، ففي قوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، المراد بالإيمان هنا: المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طالب: مطلق الإيمان. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يكون المعتَق كامل الإيمان، بل يكفي أن يكون مؤمنًا، ولو أن معه أصل الإيمان فقط. وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهذه الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢] المراد بالإيمان؟ * طالب: المطلق. * الشيخ: الإيمان المطلق؛ يعني: الإيمان الكامل هو الذي يكون على هذه الأوصاف. * وفي الآية دليل على أن ولي الأمر يجب عليه التيسير على من تحت يده؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الاستئذان بدون عذر لا يقبل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْ نِهِمْ﴾، أما إذا استأذنوا لمجرد أنهم يريدون أن يتركوا العمل فإنه لا يؤذن لهم. * وفيه أيضًا دليل على تفويض الأمر إلى من له ولاية؛ لقوله: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هذا التفويض -كما أشرنا إليه في الدرس- تفويض للمصلحة لا لمجرد التشهي والإرادة، بل لا بد إذا رأى أن في الإذن لهم مصلحة أذِن لهم، فإذا رأى أن المصلحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن. * وفيه أيضًا: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث أمر النبي ﷺ أن يستغفر لهم؛ ليطمئنوا على هذا الانصراف. * وفيه أيضًا: أن الأولى عدم الاستئذان حتى وإن كان للإنسان شأن؛ لأن الأمر بالاستغفار دليل على أن هناك شيئًا منين؟ من التفريط الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر لهم عليه، وهذا صحيح لا شك؛ أن الأولى البقاء مع الجماعة، وأن الإذن أو الاستئذان للانصراف أمر قد يكون فيه ذنب؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾. * وفي الآية دليل أيضًا على انتفاع الإنسان بدعاء غيره؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره سوى الدعاء أو لا ينتفع؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجواب: إن كان له أثر في ذلك العمل فإنه ينتفع به بلا شك؛ مثل أن يكون هو الذي سَنَّ هذه السنة؛ يعني: ابتدأ العمل بها للناس ودل عليها، فإن النبي ﷺ يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وكذلك إذا كان له أثر في العامل؛ مثل أن يكون والدًا له، «فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]، فالوالد ينتفع بعمل ابنه إذا تبرع به له؛ ولهذا «جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. وكذلك المرأة التي «سألت النبي ﷺ على أمها صوم شهر، فهل يجزئ أن تصوم عنها؟ فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ / ١٥٤) من حديث ابن عباس.]]. وكذلك الحج؛ حيث «سألت امرأة النبي ﷺ فقالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»، وذلك في حجة الوداع»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]]. فإذا كان للمهدَى إليه أو للإنسان أثر في العمل أو في العامل انتفع به، لكن إذا لم يكن له أثر فيهما؛ مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟ اختلف في ذلك أهل العلم؛ منهم من يرى: أنه يجزئ، وأن الإنسان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المسلمين فإنه ينتفع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ على أن أيَّ قُربة وطاعة يتقرب بها العبد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه ينتفع بذلك. ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم. أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك. فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟ نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به. هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة. وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة. * طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟ * الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا. * الطالب: (...) الصدقات؟ * الشيخ: (...) الأعمال الصالحة. * الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان. * الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث «الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم. لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته. فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع. لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء. وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا. * فيستفاد منه: وجوب احترام النبي ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير. * وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي ﷺ إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله. * وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾.