تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ ﴿١٦﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾، هو للتعجب، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب، ﴿عَظِيمٌ﴾.
﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هَلَّا، وهي للتحضيض الْمُشْرَب بالتوبيخ.
﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ويش الضمير اللي يعود عليه؟ على الإفك، ﴿قُلْتُمْ﴾ هذه جواب ﴿لَوْلَا﴾.
﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، ﴿مَا يَكُونُ﴾ يقول المؤلف: (ما ينبغي لنا)، واعلم أن كلمة (ما يكون)، وكلمة (ما ينبغي) تأتي للشيء الممتَنِع، عندما نعبِّر في كتب الفقه: (ولا ينبغي أن يفعل كذا وكذا)، أيش المراد؟ أن ذلك ليس بمستحَب فقط.
لكن عندما تأتي (ما ينبغي) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ، إنما يراد بها الممتَنِع غاية الامتناع، الذي لا يصح ولا يليق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، أيش ما ينبغي يعني؟ يعني: يمتنع غاية الامتناع، ولا يليق ولا يصح.
وكما في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، أيش معنى «لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»؟ أنه ممتنع، لا يليق ولا يصح أن ينام سبحانه وتعالى؛ لكمال حياته.
على كل حال ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ﴾ يعني: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، ولا يصح منا أن نتكلم بهذا، لماذا؟ (...)
لأنه أيش؟
* طالب: ممتنع.
* الشيخ: لماذا هو ممتنع؟ لأنه لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل النبي ﷺ، لا يمكن أبدًا، يمتنع حسب ما تقتضي حكمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل الرسول ﷺ؛ لما في ذلك من الأمر الذي لا يليق بحكمة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾؛ لخطورة الأمر وعظمه (...).
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هو للتعجب هنا، هذا ليس بصحيح أنه للتعجب، ولكنه للتنزيه البالغ، يعني: نُنَزِّهك يا ربنا أن يقع هذا من أهل بيت رسولك ﷺ، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني: تَنْزيهًا لك عما لا يليق بك، ومنه أن يقع مثل هذا من أهل النبي ﷺ.
فكلمة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في هذا الموضع من أحسن ما يكون، بل هي أحسن ما يكون في الحقيقة، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ليش؟ لأن ذلك ينافي تنزيهك، ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: سبحانك أن يقع هذا من أهل بيت نبيك ﷺ، وليس للتعجب أنهم يتعجبون مما قيل، لا، بل إنهم يُنَزِّهون الله سبحانه وتعالى عما نُسِب إلى أهله، يعني: تنزيهًا لك يا ربنا أن يقع مثل هذا في بيت رسولك ﷺ، فهذا التنزيه في هذا المقام من أحسن ما يكون، بل هو أحسن ما يكون.
﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب ﴿عَظِيمٌ﴾، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب؛ لأنه خلاف ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وعظيم، ليش وُصِف بالعِظَم؟ المقام يا جماعة، أيش مقامه؟ في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، أي بهتان أعظم من بهتان يكون فيه القدح بالنبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته وأصحابه.
﴿عَظِيمٌ﴾ واضح عِظَمه، لو كان هذا قذفًا لفلان، أو لفلان، أو لفلان، صار عظيمًا، لكن ليس كعِظَم هذا، ليس كعِظَم ما نُسِب لأهل الرسول ﷺ، فلذلك وُصِف بالعِظَم؛ لأن محله؟
* طالب: قذف (...).
* الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾: ينهاكم، ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أو إنا أسقطنا جملة من قبل في الشرح، وهي قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، قال: (حُذِف من الفعل إحدى التاءين) أصله: إذ تتلقونه بألسنتكم، ولا يمكن أن نقول: إن (تَلَقَّى) هنا فعل ماضٍ، ما يمكن أن نقول: إنها فعل ماضٍ، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤]، ممكن أن يقال فيها: فعل ماضٍ، لكنها فعل مضارع، هي أصلًا (تتلظى)، لكن هنا هل يمكن أن نجعل (تلقى)؛ لأن (تلقى) فعل ماضٍ، لو جاءت مجرَّدة: تلقيت الحديث، ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ يمكن هنا نجعلها فعلًا ماضيًا ولَّا ما يمكن؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، لماذا؟
* طالب: لأن (إذ) لما يُسْتَقْبَل.
* الشيخ: لا؛ لأن (إذ) للتعريف هنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه قال بعدها: ﴿وَتَقُولُونَ﴾.
* الشيخ: لا، أصلها الفعل الماضي ما تأتي فيه الواو والنون، تأتي فيه الواو صحيح (تلقوا)، لكن ما تأتي النون؛ لأن النون من الأفعال الخمسة؛ المضارع، وهنا فيها نون ولَّا لا؟ تلقون ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾، فإذن هنا لا يجوز أن تكون فعلًا ماضيًا، فيقينًا أنه حُذِفَ منها إحدى التاءين.
ثم قال المؤلف: (و(إذ) منصوب بـ(مسكم) أو (أفضتم))، وهنا: (لمسكم إذ تلقونه) أو: (أفضتم إذ تلقونه)، ويُستَفَاد من كلام المؤلف أن (إذ) هنا اسم، وقد مر علينا أن كثيرًا من الْمُعْرِبين يجعلون (إذ) التعليلية يجعلونها حرفًا لا اسمًا؛ لأن المعنى: من أجل كذا.
قال الله عز وجل:..
* طالب: (...) ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
* الشيخ: إي نعم، يعني: ما يصل إلى قلوبكم، غاية ما هنالك أنه يصل إلى اللسان وتنطقون به.
* الطالب: الباء؟
* الشيخ: الباء هذه للتعدية، وأصل التلقي يكون بالسمع في الحقيقة، تلقِّي الكلام بالسمع، لكن على أساس أنه بمجرد ما يتلقاه يُفِيض به، يقوله، هذا السبب.