تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٨٦﴾
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ؛ لأنه جرى بينهم حرب، ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هي خبر المبتدأ، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ خبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟
* طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة.
* الشيخ:
وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ .....................
أتى جملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبر مبتدأ وهو جملة، ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ تخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.
ثم قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ عندي فيها قراءة ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعالون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ.
* طالب: على نفسه.
* الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا.
الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان.
إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٨٩٧) واللفظ له، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...».]]، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره.
* الطالب: شيخ، معنى ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (من) هذه للتبعيض ولا؟
* الشيخ: لا، هذه للابتداء.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿تَفْدُوهُمْ﴾ ، شوف التناقض: ﴿إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ يأتوكم ولا يؤتوكم؟ ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ يعني: يجيئون إليكم، ﴿أُسَارَى﴾ ويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ يعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ حرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: وأيش التقدير؟
* الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...).
* الشيخ: أتناقضون مثلًا؟
* الطالب: أتناقضون.
* الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم.
يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟
هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به.
* طالب: في الحج.
* الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ -أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت:
* طالب:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
* الشيخ:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ
هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ اللي في المصحف، وفيها قراءة: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ والله أعلم.
قوله: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يعملون﴾ هذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ نفي ولا إثبات؟
* طالب: نفي.
* الشيخ: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟
* طالب: على بني إسرائيل.
* الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟
* الطالب: الميثاق: العهد.
* الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟
* الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا.
* الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟
* طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد.
* الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة.
* الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ هو يمكن الواحد يسفك دمه؟
* طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل.
* الشيخ: لأيش؟ لماذا؟
* الطالب: فإنه من قتل مسلمًا.
* طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا.
* الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟
* طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد.
* الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وأيش إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾؟
* طالب: ثم أنتم يا هؤلاء.
* الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟
* الطالب: منادى.
* الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وين خبر المبتدأ؟
* الطالب: ما يصلح أن يكون.
* الشيخ: أين خبره؟
* الطالب: خبره؟
* الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟
* الطالب: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، ما يصلح.
* طالب: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* الشيخ: جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ وأيش معناه؟
* طالب: تعالون.
* الشيخ: تعالون، ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ كيف معنى تعالون؟
* الطالب: (...) بالاعتداء.
* الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ ظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم.
قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ وأيش معناها؟
* طالب: أي: أسرى.
* الشيخ: ومعنى ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؟
* طالب: يقدمون شيئًا من المال (...).
* الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ نقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ هذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟
ثم قال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين.
وقيل: إن قوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ المراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢].
وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم.
وقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفت هذه الحياة بالدنيا و﴿الدُّنْيَا﴾ اسم تفضيل.
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ الباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟
* طالب: على المثمن.
* الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ هي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة.
قال: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ يعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ -أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ما هو نافعهم، والعياذ بالله.
إذن هنا يقول: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم.
* طالب: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾
* الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد.
* يستفاد من هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
* الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟
* طالب: متصلة.
* الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن.
* الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ دليل على كمال صدقه وكمال قدرته.
وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ لكن هل يخلف وعيده؟
* طالب: قد يغفر.
* الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال
لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي.
فالله تبارك وتعالى قد يعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد.
* الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.