×
البقرةالآيات ٨٠–٨٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨٠﴾

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٨١﴾

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٨٢﴾

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴿٨٣﴾

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على اليهود، ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ يعني: لن تصيبنا، ﴿النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ النار يعنون نار الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا أَيَّامًا﴾ ﴿أَيَّامًا﴾ نكرة للتقليل، و﴿مَعْدُودَةً﴾ مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ * طالب: أربعين. * الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول ﷺ وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها. ولهذا قال الله متحديًا إياهم: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؟ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (٩١٨ / ٣)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها.]]. * طالب: جعل له خلفًا. * الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ * طالب: واخلف. * الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (...) خلفًا، هنا ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. * طالب: الماضي؟ * الشيخ: أخلف. قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ * طالب: الاستفهام. * الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ * طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل). * الشيخ: بمعنى أيش؟ * طالب: بمعنى الاستفهام. * الشيخ: لا. * الطالب: بمعنى (هل). * الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ * طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل. * الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ متعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. * طالب: يقولون.. * الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟ * الطلبة: باطلًا. * الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: ﴿بَلَى﴾، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وفيها قراءة: ﴿خَطِيآتُهُ﴾ بالجمع. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ هل (من) موصولة أو شرطية؟ * طالب: شرطية. * الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ يعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء. قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ شوف ﴿كَسَبَ﴾ ولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ السيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الإحاطة في اللغة: الشمول، ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ أي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ الأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. * طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: يعني: قراءة ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؟ * الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ و﴿سَيِّئَةً﴾ وأيش معنى: ﴿سَيِّئَةً﴾ ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ هل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه نبغي (...) ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: الفاء رابطة للجواب. * الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. * الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. * الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ * الطالب: في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ * الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. * الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح * الطالب: وذو كسر. * الشيخ: بس (...) وكسر. * الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. * الشيخ: هذا ما يصير. * الطالب: مبتدأ مرفوع. * الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: والكاف؟ * الطالب: الكاف ضمير متصل. * الشيخ: لا. * الطالب: منفصل. * الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. * طالب: الكاف ضمير متصل في محل. * الشيخ: الكاف أيش؟ * الطالب: للخطاب. * الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ * الطالب: خبره. * الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ * طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. * الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول: ...................... ∗∗∗ ....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ ؎فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا ∗∗∗ ..................... حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. * طالب: أيش البعد؟ * الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل. * طالب: فصل. * الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. * طالب: جمع مذكر سالم. * الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ * طالب: مذكر سالم. * الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ * الطلبة: رجل. * الشيخ: تغير؟ * الطلبة: تغير. * الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا. * طالب: إذا عكس يا شيخ ﴿خَالِدُونَ﴾ مبتدأ، و﴿هُمْ﴾ خبر؟ * الشيخ: لا ما يجوز، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول الله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ جمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش معنى ﴿آمَنُوا﴾؟ * الطالب: ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدقوا. * الشيخ: بأيش؟ * الطالب: بالشريعة ﴿آمَنُوا﴾ صدقوا. * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: شوف ﴿آمَنُوا﴾، كلما جاءت ﴿آمَنُوا﴾ في القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، و﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول ﷺ، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليْسَ فيهِ فهو ردٌّ» البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧).]] فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»[[أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤ / ٦)، وابن ماجه (٢٥٢١)، واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نريد نعربها الآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ * طالب: خبر. * الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ ∗∗∗ حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول ﷺ-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: اذكر إذ أخذناه. * طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ * الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. * طالب: في قول عمر بن الخطاب[[ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٩ / ١٧٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: «الحقب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة مما تعدون» وقال: ذكره الثعلبي.]] رضي الله عنه فسر قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ * الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ مقيدة بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ما هذا الميثاق؟ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ المراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ﴿إِحْسَانًا﴾ بأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. * طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ * الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. * الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ * الشيخ: ما أتم بر والديه. * الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ تفيد الحصر؟ * الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ * طالب: معطوفة على: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. * الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب و﴿الْقُرْبَى﴾ القرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة ﴿الْقُرْبَى﴾ أظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. * طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ * الشيخ: وهو؟ * الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ * الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان. * طالب: العامة يقول: الخال والد؟ * الشيخ: لا، هذا الخال (...). * طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. * الشيخ: (...). * الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. * الشيخ: لا، يعني أرحم؟ * الطالب: أرحم. * الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. * الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. * الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قوله هنا: ﴿الْمَسَاكِينِ﴾ يدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وفي قراءة: ﴿حَسَنًا﴾ ، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فهمتم الآن؟ إذن ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أو ﴿حَسَنًا﴾ ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. كذلك هنا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ * طالب: إلا قليلًا. * الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول ﷺ، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ يعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، و﴿قَلِيلًا﴾ هنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ توليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ محلها نصب على الحال من التاء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. * طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ * الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ السفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول ﷺ في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ كيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ»[[أخرجه البخاري (٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠ / ٤٦٧) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى «أدناهم»، وبقية الحديث من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند أبي داود (٢٧٥١).]]، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ نفس الشيء ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ الإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن. ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ﴿