تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
* وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم.
وفيها أيضًا * -الفائدة الثالثة-: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.
* وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس.
* وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أو ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟
* طالب: السلبية.
* الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أو أثبتها؟
* الطلبة: نفاها.
* الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾؟
* الطلبة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾.
* وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤].
* وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى ﷺ يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.