×
البقرةالآية ٦٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾

لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، بيّن سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدًا، وأن المؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله؛ فهذه مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة ٦١] بيّن أن من آمن منهم وعمل صالحًا فإن الله لا يضيع أجرهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ٦٢]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هل الإيمان الثاني هو الأول وأنه كان بالأول مطلقًا ثم بُيِّن بقوله: ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أو أن الأول يراد به الإيمان المقيد؛ يعني ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام بما يجب الإيمان به ويكون قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قيدًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وعلى هذا فلا يكون فيه تكرار؟ فيه خلاف بين المفسرين، منهم من قال: إن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن الصحيح أن الله تعالى ذكر خمسة أصناف: الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، أربعة. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذا عائد على قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ويكون المراد بالذين آمنوا أمة محمد ﷺ، ويكون المراد بالذين هادوا اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى. والصابئين اختلف فيهم على عدة أقوال: فمنهم من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود، ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس، ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها، ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم من كانوا على الفطرة ما يتدينون بدين، ولكنهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر صار لهم هذا الأمر، وهذا هو الأقرب؛ ولهذا سمت قريش النبي ﷺ الصابئ؛ لأنه خرج عن دين قومه، فالصابئون ليسوا فرقة من اليهود والنصارى، بل هم أمة مستقلة؛ وذلك لأن الأصل في العطف التغاير جنسًا ونوعًا. ثم نقول: إن الصابئ معناها الخارج عن الدين، في اللغة العربية، فهؤلاء قوم لا يدينون بدين، على فطرتهم، هؤلاء إذا أرسلت إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر يؤجرون، أو لا أجر لهم لأنهم كانوا صابئين؟ يؤجرون؛ ولهذا أن نقول: اليهود لا يذمون لأنهم يهود، والنصارى لا يذم لأنه نصراني، لكن إذا آمنوا فلهم أجرهم، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فيقول لك الله: أربعة أصناف: المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين، هؤلاء من آمن منهم بالله واليوم الآخر -يعني: الأصناف الثلاثة التي غير المؤمنين- من آمن بالله واليوم الآخر فإن الله لا يضيع أجرهم. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم، وسمى الله تعالى الثواب أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به، كالتزام المستأجر بدفع الأجرة لمن؟ * الطلبة: للأجير. * الشيخ: للأجير. * طالب: عندما قلنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمة محمد ﷺ، فإذا جعلناها من أمة محمد، كيف نقول عندما ختم الله عز وجل ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؟ * الشيخ: إيه، بس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه خاصة بـ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾. * الطالب: يعني: بالثلاثة أصناف، ما هم بالأربعة؟ * الشيخ: لا، ما هم بالأربعة، بالأصناف الثلاثة فقط. * طالب: الصابئين، قيل: إنهم هم المجوس؟ * الشيخ: لا، فرقة منهم. * الطالب: من المجوس. * الشيخ: إي نعم، ما هم بالمجوس؛ ولهذا ذكرهم الله في سورة الحج مع المجوس. وهنا سنكمل الآية ونرجع إلى المقارنة بينها وبين سورة الحج كما قلت في الحج إن شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) ذكرنا منهم من يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إنه عائد على الجميع، فهو بالنسبة للثلاثة واضح أنه لا بد من قيد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ واضح؟ لكن بالنسبة للأولين يقولون: بالنسبة للأولين إذا جعلناه عائدًا على الأربعة يصير قوله: ﴿آمَنُوا﴾ مجملًا، و﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مفصلًا أو مبينًا، مفصلًا مبينًا، فيكون ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عائدًا على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن على وجه التبيين والتفصيل، أما إذا قلنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قسم مستقل، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ هذه بدل من الذين هادوا والنصارى والصابئين، فلا إشكال، وقلنا: إن الأصل في الكلام الأرجح أن قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعود على الأصناف الثلاث؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، والإيمان إذا أطلق فالمراد به الإيمان بما يجب الإيمان به، من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وغير ذلك. وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه كفالة من الله عز وجل، وضمان والتزام بهذا الأجر، أجر ما هو ضايع ما يُدرى من عنده، معلوم عند من، عند؟ * طالب: ربهم. * الشيخ: عند الله سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦]. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الخوف هو الهم، أيش؟ مما يستقبل، والحزن: الغم على ما فاتك، هذا الفرق بينهما؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: حزِن ولّا خاف؟ * طالب: حزِن. * الشيخ: حزِن، ويقال لمن يستقبل أمرًا مرعبًا أو مروعًا يقال؟ * طالب: خاف. * الشيخ: خاف، إذن الخوف: الهم مما يستقبل، والحزن: الغم مما فات، يغتم الإنسان بسبب ما فات عليه من محبوب أو حصل له من مكروه. * طالب: الغم ما قيل: إنه في الحاضر؟ * الشيخ: لا، الغم على المستقبل، الهم هو اللي يكون في الحاضر والمستقبل، هممت بالشيء، وألقيت همتي به، أما الغم فهو عبارة عن شيء يطبق على القلب، فيغتم به.. * الطالب: مما يقع. * الشيخ: مما مضى، الغم مما مضى، والهم بما يستقبل. وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ من كل ما يخاف في المستقبل، من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى من الدنيا؛ لأن الكافر يحزن على ما مضى من الدنيا ويتحسر ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٤ - ٥٦]، حزن وتحسر، فهم ما يحزنون على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا يخافون من أمر مستقبل، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثم ذَكَّرهم الله تعالى -ذَكَّر بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ [البقرة ٦٣] يعني: اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق: العهد الثقيل المؤكد، وسمي بذلك من الوِثاق، وهو: الحبل الذي يشد به المأسور، الحبل الذي يشد به المأسور يسمى: وثاقًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] أو ﴿الوِثَاق﴾، فالميثاق هو العهد الثقيل الذي يؤخذ على الإنسان، مأخوذ منين؟ من الوثاق، وهو الحبل الذي يشد به الأسير فيربطه. ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ﴾ أي: فوق رؤوسكم، لكن ما هو مباشرة، فوق. الطور: هو الجبل المعروف، رفعه الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل لما تهاونوا بطاعة الله سبحانه وتعالى إنذارًا لهم، وقال لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ خذوه يعني: اقبلوه واعملوا به، ﴿بِقُوَّةٍ﴾ وأيش المراد بقوة هنا؟ الحزم والتنفيذ، يعني معنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بحزم وتنفيذ وتطبيق، وأيش ضده؟ ضده أن الإنسان يأخذه أخذًا ضعيفًا متساهلًا، فالمعنى: خذوه أخذًا مصحوبًا بقوة؛ ولهذا نعتبر أن الباء في قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ للمصاحبة، والقوة الحزم والنشاط، وضده الكسل والتراخي، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أي: أعطيناكم، منين؟ من التوراة، من الكتاب، الذين آتيناهم الكتاب، يعني: خذوا هذا الكتاب التوراة التي جاء بها موسى ﷺ بقوة. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يعني: لا تهملوا شيئًا منه، وقوله: ﴿مَا فِيهِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد؟ العموم، إذن: كل ما فيه اذكروه واعملوا به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (لعل) هذه معناها: التعليل، أي: لأجل أن تتقوا الله عز وجل، فالأخذ بهذا الذي آتاهم الله سبحانه وتعالى على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، فالطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه، كلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى، وبالعكس المعاصي، المعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل ونفورا -والعياذ بالله- ويجر المعاصي بعضها بعضًا؛ ولهذا سبق لنا أن الله قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة ٦١]. إذن: وجه كون سبب الأخذ بكتاب الله سببًا للتقوى، وجه ذلك: أن الطاعات يجر بعضها بعضًا؛ لأن الإنسان إذا ذاق طعمها ووصلت إلى قلبه اشتهاها وطلبها وصار يتقدم، مثل طالب العلم إذا أدرك العلم ونال منه شيئًا تجده -يعني- يكون نهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: طالبان منهومان: طالب الدنيا، وطالب العلم. وكذلك في الحقيقة طالب العبادة؛ فإنه دائمًا مشغوف بالعبادة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٤] بعد هذا الإنذار وكون الجبل فوقهم، في ذلك الوقت خضعوا وخشعوا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]، هم في تلك الساعة هرعوا إلى السجود وسجدوا، ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى هذه الأمة، وهو سجود مائل، تجده يسجد ولكن رافع إحدى عينيه، وقالوا: إن هذا السجود؛ سجدنا لله سبحانه تعالى على وجه التخويف فلا نزال نسجد به. فكان هذا سجودهم، هذا هو سجود اليهود. * طالب: يعتبرونه قربى؟ * الشيخ: إي نعم، يعتبرونه قربى، وفي الحقيقة إن له نظيرًا في هذه الأمة وهو الكسوف، فإن الكسوف في الحقيقة خروج عن العادة الطبيعية، والقمر يكون بين الأرض وبين الشمس، أو الأرض تكون بين الشمس والقمر؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (1059)، ومسلم (٩١٢ / ٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، فالله سبحانه تعالى في بني إسرائيل جعل آية الإنذار أعظم من هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة أقرب إلى قبول الحق والخوف من بني إسرائيل، فيخافون بهذا الكسوف، لكن بني إسرائيل ما يخافون بهذا الكسوف، ما يهبهم إلا جبل يعرفونه رفع فوقهم كأنه ظلة. ومع الأسف إننا الآن فينا من شابه اليهود في هذه المسألة، وصاروا لا يتعظون بالكسوف، ما يتعظون إلا إذا رفعت الجبال فوق رؤوسهم -والعياذ بالله- وإلا فالواجب أن يعرف الإنسان ويش اللي أخرج هذا عن مجراه الطبيعي إلى أن صار بهذا الوضع، لو اجتمع العالم كلهم على أن يكسفوا الشمس أو أن يخسفوا القمر ما استطاعوا، فما الذي أخرجه إلا الله سبحانه وتعالى لأجل الإنذار والتخويف، وعلى قول من يقول بدوران الأرض، يقولون: إن حركة الأرض هي التي اختلت، فما يدرى لعل هذه الحركة، هذا الاختلال اللي حصل بها يؤدي إلى دمارها، وإلى خسوف وزلازل أعظم، إذن يجب علينا أن نخاف. فعلى كل حال أقول: إن هذا التخويف العلوي كما كان في بني إسرائيل كان في هذه الأمة. يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه أيش؟ * طالب: رفع الجبل. * الشيخ: رفع الجبل، ﴿رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم ولم تذكروها، ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل أنه قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ﴾، (فضل) ويش إعرابه؟ مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ...................... يعني: ولولا فضل الله عليكم موجود، وإنما وجب حذفه اكتفاء بجواب لولا، ﴿لَكُنْتُمْ﴾ هذا جواب (لولا)، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما نوع هذا الفضل والرحمة؟ هو إرسال الرسل والنبيين إلى بني إسرائيل بعد رفع الطور، فإن الله ما تركهم، بل أرسل إليهم الرسل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة ٤٤]، إذن فضل الله هنا بأي شيء؟ بإرسال الرسل الذي هو مقتضى رحمته؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الخلق لا يستقلون بمعرفة عبادة الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أرسل إليهم الرسل يرشدونهم ويبينون لهم. ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللام هذه واقعة في جواب (لولا) ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة؛ لأن أخسر الناس هم الكفار، ما استفادوا من دنياهم ولا من آخرتهم، إذن ففي هذا إثبات يعني: أن الله تفضل على بني إسرائيل ورحمهم (...)؟ * الطلبة: بإرسال الرسل. * الشيخ: بإرسال الرسل الذين يذكرونهم ويعظونهم ليرجعوا إلى الله. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قوله: ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم، وعلى هذا فالجملة؟ * طالب: مؤكدة. * الشيخ: مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي؟ * الطالب: القسم المقدر واللام وقد. * الشيخ: القسم المقدر واللام وقد، يعني: (ولقد) أصله؟ والله لقد. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ علمتم علم يقين وعرفتموهم المعرفة التامة، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، و﴿اعْتَدَوْا﴾ بمعنى تجاوزوا الحدود وطغوا. وقوله: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ أي: في حكم يوم السبت، وهو معروف: اليوم الذي بعد الجمعة، وهذا اليوم كان الله تبارك وتعالى حرم فيه العمل على بني إسرائيل، وحرم عليهم صيد السمك في ذلك اليوم؛ لأجل أن يتفرغوا للعبادة؛ لأنهم هم الذين اختاروا أن يكون يوم السبت لهم، فكان لهم يوم السبت، هذا اليوم الذي اختاروه لأنفسهم حرم الله عليهم فيه العمل وصيد السمك، ثم ابتلاهم سبحانه وتعالى بما حرمه عليهم، فيسره لهم في ذلك اليوم تيسيرًا بالغًا، فكان السمك إذا كان يوم السبت جاء على الماء شُرَّعًا، ويش معنى شُرّع؟ * طالب: ظاهر. * الشيخ: طافيًا ظاهرًا من كثرته، وغير يوم السبت ما يرونه، وهذا لا شك أنه ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى يمتحن به العباد، قد ييسر لهم المعاصي وأسباب المعصية تيسيرًا أكثر من أسباب الطاعة والخير؛ لأجل الامتحان والابتلاء، هؤلاء القوم ما صبروا على هذا البلوى -والعياذ بالله- فاتخذوا حيلة، وحفروا حفرًا إلى جانب البحر، وجعلوا بين هذه الحفر وبين البحر نهرًا، يعني: ساقية، إذا جاءت الحيتان شُرّعًا ضرب بها الهواء وأدخلها مع هذا النهر إلى هذه الحفر، فإذا هبط الهواء ما استطاعت هذه الحيتان أن ترجع؛ لأن النهر ضئيل ما تتمكن من المشي معه ربما يزول بالكلية، فصاروا إذا كان يوم السبت جاءت الحيتان وسقطت في هذه الحفر، وإذا كان بالليل أو من الغد جاؤوا وأخذوها، فقال لهم فقهاؤهم: كيف تأخذون وقد حرم عليكم؟ فقالوا: نحن ما صدناه إلا يوم الأحد، ما صدناه يوم السبت، حيلة، حيلة ظاهرة، ولَّا لا؟ هو صحيح أنهم ما صادوا إلا يوم الأحد، لكن فعلوا السبب الذي يصطادونه به متى؟ * الطلبة: يوم السبت. * الشيخ: يوم السبت، إذن ففي الحقيقة أنهم صادوا يوم السبت، ولما كانت هذه -والعياذ بالله- الحيلة ظاهرها السلامة، وحقيقتها؟ * طالب: التورط. * الشيخ: التورط بالمحرم، يعني: ظاهرها الصحة والحلال، وباطنها الفساد والحرام، ماذا عوقبوا؟ عوقبوا بأن كانوا كالآدميين في الظاهر، لكنهم في الباطن سباع ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي: للمعتدين، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ للذين اعتدوا، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قردة جمع قرد، وهو معروف، و﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين -والعياذ بالله- مبعدين عن رحمة الله، فقلبوا إلى حيوان أشبه ما يكون بالإنسان، كما أن فعلهم أشبه ما يكون بالفعل الصحيح الحلال وهو حرام باطنًا، فكان الجزاء من جنس العمل. في سورة المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، هل إن هؤلاء أهل القرية كانوا خنازير ولّا قردة؟ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ في سورة الأعراف ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٣ - ١٦٦]، فيها آية ثالثة؟ المائدة: ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، فأنا ما رأيت أن أهل القرية هؤلاء كانوا قردة وخنازير إنما كانوا قردة، كانوا قردة فقط، مع أن بعض المفسرين قالوا: إن أهل هذه القرية صاروا إلى قردة وخنازير، فصار شبابهم قردة، وشيوخهم خنازير، ولكن هذا يحتاج إلى أن يثبت هذا بدليل شرعي، وإلا فالآية هنا وفي الأعراف ما ذكر الله فيها إلا أنهم كانوا قردة، ويكون الخنازير قومًا آخرين مسخوا، والعياذ بالله من ذلك. وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾ هذا القول ﴿كُونُوا﴾، ﴿قُلْنَا﴾ ﴿كُونُوا﴾، هذا الأمر أمر كوني ولّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، هل يمكن أن يوجه على أنه أمر شرعي؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ما يمكن، ولََّا لا؟ لأن الإنسان ما يقدر يقلب روحه، يقدر يقلب روحه؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يقدر، فهو إذن أمر كوني، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، (كن) هذا أمر كوني ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أمر كوني. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أولًا: هذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، وهذه القرية التي اعتدوا فيها لا شك أنها على البحر؛ لقوله: ﴿كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، قيل: إنها أيلة، وقيل: غيرها، المهم ما يهمنا اسمها، يهمنا موقعها أنها على البحر. ثانيًا: أن أهلها انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم اعتدى وتحيل على محارم الله، وقسم اعتدل ونهى عن التحيل على محارم الله، وقسم ثالث سكتوا، بل إنهم ثبطوا؛ فإنهم قالوا للذين ينهون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأجابوهم بأن لا بد فيه من فائدتين أو فائدة واحدة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾، لا شك أن الذين ينهون عن السوء نجوا، أو لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: وأن الذين اعتدوا قلبوا، بقينا بالذين سكتوا ما نهوا ولا اعتدوا، ما شأنهم؟ * طالب: قلبوا. * الشيخ: تجزم ها الجزم السريع؟ * الطالب: إي نعم، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾. * الشيخ: إيه، لكن ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾. * طالب: باقي الجنس. * الشيخ: ما يخالفه، بس الثاني ما عتوا عما نهوا عنه؟ * الطالب: هذه الضمائر ترجع لأهل هذه القرية.. * الشيخ: الساكتين لم ينكروا لكن هل نهوا؟ * الطالب: إي نعم، عتوا في أنهم لم ينهوا. * الشيخ: انتظر، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ هذا المعتدون، ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ * طالب: من الذين اعتدوا. * الشيخ: من الذين اعتدوا؟ يعني: كأن بعض إخوانهم -بعض المعتدين- قال للذين ينهون: لا تنهون، وهم من المعتدين؟ * طالب: لا، هم من الساكتين؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم يقولون لهم.. * الشيخ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أهل القرية ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ منين؟ من المعتدين ولّا من أهل القرية؟ * الطلبة: من أهل القرية. * الشيخ: من أهل القرية؟ ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ أهل القرية، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ يخاطبون الذين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يخاطبون الذين نهوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا﴾ أي: الواعظون.. * طالب: هذا القول اللي قالوه يدخلهم في الطائفة الأولى؟ * الشيخ: نشوف؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هم ما قالوا يبررون الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ﴾، ما قالوا يبررون فعل المعتدين، قالوه يائسين منهم، يعني: هم قالوا هذا ما به فائدة، هذا ما يوقف العذاب ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ما قالوا: لم تعظونهم لأنهم ما فعلوا شيئًا، لو كانوا كذلك لقلنا: إنهم راضون بفعلهم، لكن هم في الحقيقة مثل ما يوجد الآن، من الناس من ييأس: لأيش تنصح هذا؟ هذا ما به فائدة، هذا ما الله هاديه. هذا موجود الآن، هم قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يعني: فلا فائدة من نصحهم، أجاب هؤلاء: بأننا ما نيأس، عندنا فائدة محققة، وهي المعذرة إلى الله عز وجل ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذه مسألة محتملة؛ فإن الله يهدي قومًا من أضل الناس ويردهم إلى الحق، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، من؟ * الطلبة: المعتدون. * الشيخ: المعتدون، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الذين ينهون عن السوء، وسكت عن الباقين. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، من الذين ظلموا؟ * طالب: كلهم، اللي سكتوا واللي فعلوا. * طالب آخر: يا شيخ، اللي ظلموا أليسوا قد نهوهم وأيسوا فيدخلون بمن نهوا عن السوء؟ ما أيسوا إلا قد فعلوا السبب. * الشيخ: ما ندري عاد، خلوا نشوف المسألة حقيقةً تخالف فيها ابن عباس ومولاه، فنشوفها، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذه يقينا في الفاعلين ما هي في الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فالذين قلبوا قردة الآن؟ * طالب: المعتدين. * الشيخ: المعتدون، ولَّا لا؟ ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنحن الآن بقينا بالذين ظلموا، هل الساكتون ظلموا فيكون داخلين، أو أن الذين ظلموا هم الذين اعتدوا؟ إنما نحن الآن، أنا أتيقن من سياق الآية -والله أعلم- أن الذين سكتوا ما قلبوا قردة خاسئين. * طالب: أخذوا بعذاب. * الشيخ: أخذوا بعذاب بئيس، إنما أنهم قلبوا قردة، الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا في السبت فقط، الذين اعتدوا في السبت هم الذين قلبوا بلا شك، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ ولهذا بعض العلماء يقول -كما قلتم أو كما قال الأخ-: إن الذين سكتوا عذبوا، ولكن يجب على هذا القول أن لا يقال: إنهم عذبوا بأن قلبوا قردة خاسئين؛ لأن الآيات صريحة في أن الذين قلبوا قردة الذين اعتدوا فقط، لكن أخذوا بأيش؟ * طالب: بعذاب. * الشيخ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ما بينه الله، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذا إن دخلوا في لفظ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإن لم يدخلوا فيه، فلا أخذوا بعذاب بئيس؛ ولهذا لو قال قائل: إن السلامة أن تسكت عن الذين سكتوا وتقول: هم ثلاثة أصناف: صنف نجوا يقينًا، وصنف عذبوا يقينًا، وصنف لم يتبين لنا أمرهم. ولا شك من حيث القواعد -قواعد الشريعة الإسلامية-: أن هؤلاء الذين سكتوا إن كانوا مقرين لهم فهم مثلهم، كانوا مقرين ويصير وجه عدوانهم إقرارهم للمنكر، وإن كانوا غير مقرين لهم -وهو الظاهر- ولكنهم آيسون منهم، فإنه لا يلحقهم عذابهم، ولكن قد يعذبون بسبب أنه يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سواء امتثل المأمور وارتدع المنهي أو لا، هذا الواجب؛ ولهذا هؤلاء العقلاء الأكياس -جمع كَيِّس- ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون، حتى وإن لم يأتمر المأمور ولم ينته المنتهي؛ لأن فيه فائدتين عظيمتين هما: المعذرة إلى الله عز وجل، والثاني: أنه يحتمل أن يتقوا الله، وأنا أقول أيضًا: فيه فائدة ثالثة وهي: أن يعرف أن هذا منكر، ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأننا لو سكتنا قلنا: والله ما نقدر الآن إن نحن نعمل، ولو أمرنا ما امتثل لنا، معناه: إذا سكتنا جاء أناس بعدنا أو في عصرنا وقال: هذا الناس يفعلون أمام العلماء ما قالوا شيء، وكم من أمور الآن يحتج بها علينا وعلى غيرنا بأن العلماء كنا نفعله وفلان حي ولا يقول شيء، هذا واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إلى الآن، فيه في الحقيقة ثلاث فوائد: المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أن هذا منكر، والثالث: لعلهم يتقون. * طالب: ويش المؤكدات ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؟ * الشيخ: فيه: اللام وقد. * طالب: السبب؟ * الشيخ: يعني: السبب أنه أكده؟ السبب لأجل إقامة الحجة عليهم. * الطالب: هم منكرين للحجة؟ * الشيخ: لا لا، سواء أقروا ولّا أنكروا، لكن فعلهم وإنكارهم للرسول ﷺ وتكذيبهم إياه فعل منكر؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾، فإذا كانوا عالمين بهؤلاء وأنهم أصيبوا بهذه المصيبة لعدوانهم، فما بالكم تعتدون الآن وتكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام وأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم. * طالب: شيخ، ما هو الصواب؟ * الشيخ: أنا أتوقف فيه والله أعلم، الله أعلم، وإن حكمت فأنا أحكم أنهم أخذوا بعذاب بئيس لا أنهم قلبوا قردة. * الطالب: ما يقال: الذين اعتدوا أن العذاب البئيس لهم أيضًا؟ قلبهم قردة عذاب لهم؟ * الشيخ: نعم نعم، أخذوا بعذاب بئيس وقلب القردة؛ لأنهم بلا شك هم داخلون في الذين ظلموا، الذين اعتدوا هم أول من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. * طالب: العذاب البئيس ما يكون نفسه هنا قلب القردة؟ * الشيخ: لا، هذا منه، هذا من العذاب البئيس. * طالب: (...) اليائسين كانوا قردة؟ * الشيخ: إيه؛ لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وعقلًا ما راح أن أحد يقر إنسان ويرضى بفعله وهو يعلم أن فيهم. * طالب: (...). * الشيخ: (...) أبدًا، تعرف أن فعل هذا الرجل سبب للهلاك وترضى به؟ ما يمكن. * طالب: شيخ قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هذا صحيح (...)، لكن قوله حصر سبحانه وتعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا ما هو واضح؟ * الشيخ: بس هو بالمفهوم. * الطالب: مفهومه أن من لم ينهوا.. * الشيخ: أن من لم ينهوا لم ينجوا، ومفهوم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟ * الطالب: مجمل. * الشيخ: مفهومه؟ * الطالب: مفهومه أن الذين لم يظلموا لم يؤخذوا بعذاب. * الشيخ: هذا واحدة، ومفهوم ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: أن من لم يعتد في السبت؟ لم يقلب قردة وخنازير، إذن عندنا قلب القردة ما يمكن يكون وارد على الساكتين، والإنجاء ما يمكن وارد على الساكتين أيضًا ولَّا لا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لأنهم أنجينا الذين ينهون عن السوء، بقينا في أخذهم بالعذاب البئيس هل هم داخلون في الذين ظلموا لعدم قيامهم بما يجب من إنكار المنكر؟ فيكون أخذوا بعذاب بئيس ما بينه الله، أو أنهم ما ظلموا ولم يؤخذوا بالعذاب البئيس، ونسكت عنهم نقول: الله أعلم؟ يعني: نحن الآن نتأكد أنهم ما نجوا ولا أخذوا قردة خاسئين، ما أخذوا بهذا العذاب، بقينا في العذاب البئيس، هذا العذاب البئيس متى يتحقق عليهم؟ إذا تحقق أنهم ظالمون. * الطالب: بس إن سكتنا ما نكون تركنا مفهوم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ﴾؟ * الشيخ: لا، لأن عندنا منطوق، وله مفهوم معاكس. * طالب: النصوص العامة. * الشيخ: على كل حال، الحمد لله أن المسألة هذه ما هي بذات أهمية بالنسبة لنا، يعني ما يترتب عليها، حتى الحكم الشرعي بالنسبة للشريعة الإسلامية واضح في المسألة، الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية واضح، وهو أنه يجب إنكار المنكر، يجب مع القدرة أن الإنسان ينكر المنكر، ولكنه لا يجب أن يغير المنكر؛ لأن هناك يجب أن نعرف أيضًا الفرق بين الإنكار وبين التغيير، التغيير معناه إزالة المنكر، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا واجب على كل حال؛ لأنه من جنس التبليغ، عندنا ثلاث مراتب: تبليغ وأمر وتغيير، وكل واحد غير الثاني، بعض الناس يظنون أن المعنى واحد والأمر مختلف؛ لأن التغيير إنما يكون بالسلطة والأمر، يعني: بسلطة التنفيذ، مثل الأمراء يغيرون ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الأمير يقدر يغير يضرب أو مثلًا يريق الخمر، واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أو يقول، يقول، إن لم يستطع فبلسانه، لكن هو ما يستطيع يغير بيده، يغير بلسانه يأمر غيره، وغيره، أما مسألة الإنكار فهو واجب على كل أحد مع القدرة، كما هو معروف، والتبليغ أبلغ؛ لأن التبليغ يجب عليك لو ما رأيت المنكر، يجب عليك تقول للناس مثلًا: الزنا محرم، والسرقة محرمة، وشرب الخمر محرم، لو ما كانوا يشربونه، هذا التبليغ، والأمر بالمعروف يكون عند إضاعة المعروف، التبليغ يجب عليك تقول: الصلاة واجبة أو لا؟ صلاة الجماعة واجبة، والوضوء من كذا واجب، إلى آخر الواجبات، بلغها، الأمر، متى تأمر بها؟ إذا رأيت من تخلف عن فعلها، واضح؟ المنكر يجب تبلغ الناس أنه منكر، لكن متى تنهى عنه؟ طالب: (...) ذكره الله سبحانه وتعالى أنه لا تخرج الأسماك على ظهر الماء إلا (...) فيها الأسماك بكثرة، فهم أرادوا أن يحتالوا على الله سبحانه وتعالى، (...) صادوا شباكًا تدخل فيها الأسماك فتصيبها، ثم يأتون يوم الأحد، ويأخذون هذه الأسماك، فهم احتالوا على الله الحيلة. * الشيخ: هي كيف الحيلة؟ * الطالب: الحيلة بأنهم اصطادوا الأسماك في يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد. * الشيخ: كيف يعني؟ * الطالب: يضعون شبكًا تدخل فيه، فهم الصيد حصل يوم السبت وكانوا أخذوا يوم الأحد. * الشيخ: هذه (...) حيلة. * طالب: (...) أنهم فتحوا الترع من خارج البحر، وجعلوا لها سواقي، فالموج يأتي ويدفع بالماء المحمل بالسمك، ويدخل داخل هذه السواقي فتسقط في الترع، ثم في اليوم الثاني تنحسر الماء، ويبقى السمك لا يستطيع الرجوع ويأخذوه يوم الأحد. * الشيخ: إي نعم، هاتان صفتان بعضهم قال: إنهم يضعوا شباكًا تدخل فيه السمك في يوم السبت ولا تخرج منه، وبعضهم يقول: لا، إنهم يفتحون السواقي على مجتمع من الماء، ثم تدخله الأسماك، فبهذا الفعل يعتبر؟ ويش الحكم، حلال ولَّا حرام؟ * طالب: لا، حرام. * الشيخ: كيف حرام؟ هم ما صادوا إلا يوم الأحد. * الطالب: إنهم صادوا يوم السبت واحتالوا بأنهم صادوا يوم الأحد، لكن الصيد حصل في يوم السبت. * الشيخ: إي نعم، يعني حيلة هذه؟ * الطالب: هذه حيلة. * الشيخ: هذه حيلة، والحيل محرمة؟ * الطالب: والحيل محرمة. * الشيخ: هل العقوبة من جنس الفعل؟ * طالب: العقوبة (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: لأنهم عوقبوا بأن مسخوا قردة، فصارت أشكالهم أشكال الحيوانات (...). * الشيخ: أو أقرب ما يكون من الإنسان؟ * الطالب: إي نعم، وهو أقرب ما يكون. * الشيخ: أقرب ما يكون للإنسان في الظاهر، نعم، وعملهم هذا أقرب ما يكون للحلال، ولكنه في حقيقته حرام، وهكذا القرود ظاهرها أنها تشبه الآدمي؛ لأنها تفهم، حتى إنهم يقولون: إنه قد يحصل اجتماع جنسي بين القرد والمرأة أحيانًا، يشتهيها كما يشتهيها الرجل، ولكنهم في الحقيقة، حقيقتهم أيش؟ حيوان، بهائم. انقسم أصحاب هذه القرية إلى كم؟ * طالب: إلى ثلاثة أقسام: ناس اعتدوا، وأناس نهوا عن المنكر، وأناس سكتوا. * الشيخ: سكتوا، الذين سكتوا هل كان لهم دور؟ * طالب: الذين سكتوا قالوا: كفوا عن ناس الله سبحانه وتعالى معذبهم. * الشيخ: ﴿مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾. * الطالب: ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * الطالب: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * الشيخ: الغرض من هذا القول النهي عن موعظتهم أو أيش؟ * الطالب: الظاهر أنه النهي عن الفعل (...) يئسوا من رحمة الله. * الشيخ: أيش قولك؟ * طالب: الظاهر أنهم يئسوا من الاستجابة. * الشيخ: يعني: ما قصدهم النهي، يعني: ما قصدهم أنهم رضوا بالمنكر؟ * الطالب: ما رضوا. * الشيخ: ما رضوا بالمنكر. * الطالب: لكنهم يئسوا. * الشيخ: لكنهم يئسوا، وقالوا: كيف تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟ والدليل على أنهم ما رضوا بالمنكر أنهم ذكروا عقوبتهم ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف ١٦٤]. * طالب: هذا يعتبر تثبيط؟ * الشيخ: فيه نوع من التثبيط ما فيه شك، فيه نوع تثبيط، وقد يكون إنهم لما أيسوا أنهم ظنوا أن التذكير ما يجب إلا إذا نفع، كما في قوله تعالى : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]. * الطالب: (...). * طالب: الطائفة الثالثة فيها اختلاف (...) بين حال الطائفة التي اعتدت، وحال الطائفة التي. * الشيخ: نهت، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف ١٦٥]. * الطالب: فالطائفة الثالثة فيها اختلاف، هل هي تدخل في الذين ظلموا، أو أن الله عز وجل سكت عنها فنسكت عنها كما سكت، (...) أنها تدخل مع الظالمين (...). * الشيخ: يعني: حتى إذا قلنا: إنه أخذت الثالثة فهم أخذوا بعذاب بئيس؛ لأن الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة ٦٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦]. وحينئذٍ يبقى النظر: هل تدخل الطائفة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ في قوله: ﴿أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾؟ أو ما تدخل؟ قلنا: إن فيها خلافًا بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى ذكر طائفتين ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فصار عندنا منجَّى ومؤاخذ ومقلوب، المقلوب قطعًا هي الطائفة الثالثة المعتدية، والناجي الطائفة الناجية هذه واضحة، بقين: الذين ظلموا هل هم داخلون أو لا؟ كان نقول: ما يدخلون قطعًا؛ لأنهم ما هم بظالمين، لكن لما قال: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ قد يقول قائل: إن مفهوم ينهون هو قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن الله جعله قسيمًا له، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فجعلهم قسيمًا له، وقسيم الذين ينهون عن السوء يشمل النوعين، الطائفتين: المعتدية، والتي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، ونحن نقول: الحمد لله، ما هو هذا الشيء من الأمور التي يلزمنا أن نرجح، نقول: الله أعلم، إذا ما تبين لنا ظاهرًا من القرآن فنقول: الله أعلم. ثم قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة 66] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ اختلف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ على من يعود الضمير في (ها)، (جعلناها) هل هي القرية لقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، ويكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق؟ أو هي عائد على العقوبة؟ فجعلنا العقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه العقوبة. نمشي على الأول: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: هذه القرية، ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ويش معنى النكال؟ التنكيل بمعنى أن يعامل الإنسان بما لا يمكنه أن يرجع إلى ما عوقب به، نكلته يعني: عاملته بعمل لا يمكنه أن يرجع إلى ما عاقبته به، فقوله: ﴿نَكَالًا﴾ يعني: جعلناها عقوبة تنكل ما بين يديها وما خلفها، أي: تمنعهم من أن يعودوا إلى نفس هذا العمل. وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ إذا قلنا: ضمير (ها) يعود على القرية، ويش معنى ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؟ ويش يقصد بها؟ ما بين يديها من القرى وما خلفها، يعني: ما كان قريبًا منها؛ لأنهم علموا بها، وسينتهون. وقيل: إن المراد: لما بين يديها زمنًا لا مكانًا، ولكن فيه إشكال؛ لأننا إذا قلنا ما بين يديها هو مستقبلها، فكيف يصح أن يكون ما خلفها ينكل وقد مضت؟ أوما فهمتم؟ عندنا الآن: ما بين يديها مكانًا، أو ما بين يديها زمانًا، إذا قلنا: مكانًا، فالأمر واضح ولا فيه إشكال، إذا قلنا: زمانًا، فإن فيه إشكالًا؛ لأنك إذا جعلت ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مستقبلها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ماضيها، لم يصح أن تكون نكالًا لماضيها؟ ويش السبب؟ لأن الذين مضوا ما هم منتفعين بها، مضوا وانتهوا، ولكنهم قالوا: إننا نجيب عن هذا الإشكال بأن نجعل ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ للحاضرين في عصرهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، فالخلف والوراء قد يراد به الأمام، المستقبل، وعلى هذا القول ما يكون فيه إشكال، لا يكون فيه إشكال. فأيهما أعم: أن تُجعل نكالًا لما حولها من القرى، أو نكالًا لمن في عصرها ومن بعدهم؟ * الطلبة: الثانية أعم. * الشيخ: الثانية أعم، نعم؛ لأن كل من يأتي بعدك فهو خلفك، ولَّا لا؟ فمن يأتي بعدك فهو خلفك، فعلى هذا يكون القول الثاني أرجح: أن المراد بما بين يديه والخلف زمنًا لا مكانًا، وتكون هذه العقوبة نكالًا لمن كان في عصرهم ومن كان بعدهم إلى يوم القيامة. هذا إذا قلنا: إن الضمير في (ها) يعود على القرية، وفهمتم الإشكال الذي يرد على هذا القول، ويش الإشكال الذي يرد على هذا القول؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: العقوبة. * الشيخ: إن (ها) تعود على القرية، وفيه إشكال وأجبنا عنه. * طالب: الإشكال على القرية؟ * الشيخ: الإشكال على القرية: إنه لم يسبق لها ذكر، ما سبق لها ذكر، قولوا ما سبق لها ذكر، لكن أجبنا عنه شو هو؟ * طالب: بأنه مفهوم. * الشيخ: بالسياق، مفهوم من السياق، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. إذا قلنا بأن الضمير (ها) يعود على العقوبة، فجعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يصير المراد: لما بين يديها وما خلفها من الأعمال، لا من الزمان ولا من المكان، يعني: جعلنا هذه العقوبة تنكِّلهم عما بين يديها من المعاصي وما خلفها، يعني: المعاصي اللي سبق أن فعلوها ما يفعلوها، ما يفعلونها، والمعاصي المستقبلة أيضًا ما يفعلونها؛ لأنهم كلما تذكروا هذه العقوبة خافوا منها، فهمتم ولَّا لا؟ ونحن قد ذكرنا فيما مر: أنه إذا كانت الآية القرآنية تحتمل معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما، وإذا كانا يتنافيان وجب الترجيح، فيعمل بالراجح، فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولَّا لا؟ مرت علينا هذه القاعدة وهي نافعة في التفسير، وفي الحديث أيضًا، أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين أيش؟ * طلبة: وجب، لا يتنافيان. * الشيخ: لا، لازم من شرط: لا يتنافيان، وجب حملها عليهما؛ لأن كلام الله أوسع من مفهومنا، وإذا كانا يتنافيان -يعني: كالضدين والمتناقضين مثلًا- فإنه لا يمكن أن نحملها على معنيين متضادين، تحمل على الراجح منهما إن وجد مرجح، فإن لم يوجد مرجح وجب علينا أن نتوقف. * طالب: ذكرت أنه إذا كانت هاء الضمير تعود على العقوبة ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، يعني: إذا أرادوا أن يفعلوا معصية تذكروا هذه العقوبة؛ لأنه هو نزل فيهم العقوبة وأصبحوا قردة مع الحيوانات، فكيف تذكروا؟ * الشيخ: إي نعم، هؤلاء القردة ماتوا صحيح، هذا وارد، لكن هؤلاء الجماعة ثلاثة أصناف: صنف سكتوا، وصنف نهوا، وصنف اعتدوا فقلبوا قردة وماتوا، هؤلاء الأصناف الآخرين الذين بقوا، يعني يَرِد عليهم أن يخطئوا فيعصوا الله، أليس كذلك؟ يمكن أن يخطئوا فيعصوا الله، ولكن يذكرون هذا الشيء فيمتنعون منه. * طالب: (...). * الشيخ: عملًا، لكن الأخير ما يصح إلا إذا جعلنا (ها) تعود على العقوبة. * الطالب: عودها على العقوبة ماذا يكون المعنى؟ * الشيخ: يكون المعنى: ﴿جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من الأعمال، يعني: تُنَكِّلُهم عن الأعمال، والمراد جنسهم؛ لأن السؤال الذي أورده الأخ وارد، لكن المراد جنسهم ولَّا اللي انقلبوا قردة ماتوا ما بقوا، فالمعنى أنهم يتذكرون إن أرادوا معصية سبق أن فعلوا جنسها تذكروا فارتدعوا، أو أرادوا معصية جديدة لم يسبق لها فعل جنسها أيضًا تذكروا وتركوا، وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جعلناها موعظة، أي: مكان اتعاظ، مكان اتعاظ لمن؟ للمتقين الذين يتقون الله، أما الذين قلوبهم قاسية ما عندهم تقوى، فإنهم لا يتعظون بهذه الأدلة، ودائمًا يقيد الله سبحانه وتعالى المواعظ بالمتقين، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما أشبه ذلك؛ لأن القاسي قلبه لا يلين -نسأل الله العافية- ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. من هذا النوع: ما يوجد الآن في عصرنا، توجد الزلازل والكسوفات والفيضانات والرياح العاصفة، المتقي يتعظ بها ويخاف، ويعلم أن الله أرسلها عقوبة، وغير المتقي لا يلين قلبه ولا يتعظ ويقول: هذه مسائل طبيعية، ما لعقاب الله سبحانه وتعالى فيها أثر أبدًا، هؤلاء ليسوا بمتقين في الحقيقة، وإلا فالزلازل من العقوبات ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، والزلازل رجفة، رجفة في الأرض تزلزل بها ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت ٣٧]. ولهذا بعض الكتبة ما حذروا الناس من هذه الزلازل، ما حذروهم المعاصي، وإنما جعلوا يتكلمون ويقولون: هذه عبارة عن سلسلة زلازل ستمتد إلى جدة وإلى كذا وإلى كذا، أنا ذكروا لي واحدًا أمس يقول: كتبوا في الصحف أنها ستمتد إلى جدة وتروح كذا، وأن أهل جدة أخذهم من الخوف ما غاب وما حضر، وأنهم قالوا: سنرحل إلى مكة؛ لأن مكة ما جاءها زلزال، هكذا قالوا، وواحد حدثني من أهل جدة أمس عندنا يقول: حتى إنها اضطرت وزارة الإعلام أن تكذب هذا الخبر وتخلي ناس من الخبرا يتكلمون بالتلفزيون عن الزلازل وعن جدة ما يجيئها زلازل، وأن الزلازل أكثرها في البحار -من نعمة الله أنها أكثرها تكون في البحار، ما تكون في اليابس- هكذا سمعت ولا ما تبعت الخبر هذا؟ لكن كان الواجب على المسلمين، يا جماعة الواجب عليهم مو بهذا، الواجب أنهم يخوفون الناس مهما قلنا: إنها أسباب طبيعية، فمن الذي قدر أن يكون السبب الطبيعي في هذا الوقت المعين، وفي هذه الأمة المعينة إلا الله، معصيتهم مكتوبة، والطائفة مكتوبة، والزمن مقرر، والمكان مقرر، من قديم في الأزل، لنفرض أن هذه لها أسباب حسية، لكن تقديرها في زمن وفي الأمة التي سكنت على هذا الجزء الذي اهتز؟ هذا مو بتقدير الله؟ بتقدير الله عز وجل، إذن فهذا شيء مكتوب من قبل. هؤلاء كتب عليهم أن يعصوا، ولكن طبعًا معلوم أنهم بين لهم الحق، لو اهتدوا لرفع عنهم العذاب مثل ما رفع عن قوم يونس، قوم يونس أخذهم العذاب لكن آمنوا، فرفع الله عنهم ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨]، ﴿فَلَوْلَا﴾ بمعنى: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد أن نزل بأس الله بها إلا قوم يونس. أنا قصدنا: أن المواعظ الشرعية التي تكون بالوحي أو المواعظ الكونية التي تكون بالفعل، بالتقدير، هذه ما ينتفع بها إلا المتقون المؤمنون العارفون بالله، أما غيرهم فلا ينتفعون بها، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قطعة من العذاب تنزل عليهم من السماء ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، نعم، نسأل الله العافية. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة ٦٧] وهذه من بلايا بني إسرائيل، استمعوا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ قومه إضافة القوم إليه؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه الخير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينصحون لأممهم عمومًا. * طالب: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً﴾ إذا كان هذا الضمير يعود إلى القرية، فكيف تكون القرية هي الموعظة؟ * الشيخ: قلنا: موعظة: مكان اتعاظ. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة ٦٧] من قومه؟ بنو إسرائيل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالها في جوابٍ ذكره الله في أثناء القصة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة ٧٢]. قُتِلَ منهم نفس، وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع، ولكننا نحن لا يعنينا أن نعين من هذا القاتل ومن هذا المقتول، هل هو ابن عم؟ وهل هو يريد ماله؟ وهل هو يريد كذا؟ ما علينا من هذا، نعم، إنما قتلت نفس فَادَّارَؤوا فيها، يعني: تخاصموا وتدافعوا حتى كادت تثور الفتنة بينهم، ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل أو لأي غرض، هذا ما هو من شؤوننا؛ لأن القرآن ما تكلم به، ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن أو تكذيب له، هم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها واختصموا، كل يدعي أن هؤلاء قتلوه، وكادت الفتن تقوم بينهم، فقالوا: ما حاجة إلى أننا نتقاتل ويُذهِب بعضنا بعضًا، نذهب إلى نبي الله موسى ويخبرنا من الذي قتله، فذهبوا إليه، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ صدّر الأمر من الله، ما قال: آمركم، ولا قال: اذبحوا، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ ليكون أدعى إلى قبولهم وامتثالهم؛ لأنه لو قال: اذبحوا بقرة، قد يتوهم متوهم أن هذا من اجتهاداته، من موسى، لكن إذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ارتفع إيهام الاجتهاد، ولَّا لا؟ ووجب أن يكون قولًا جادًّا لا هُزْءًا، شوف ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومع هذا اللفظ الصريح ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ -أعوذ بالله- أتهزأ بنا؟ مع أنه أسنده إلى الله، وهذا -والعياذ بالله- من عتوهم، كيف هو نبيهم ويعرفون أنه نبي ومؤمنون به، ويسند الأمر إلى الله، ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ هل هذا ممكن؟ ما يمكن، لو نسب الفعل إليه لقلنا، وإن كان بعيدًا، لكن قد يكون أنه يريد أن..، لكن هذا بعيد، يعني باعتبار أنه نبي ومعصوم عن أن يهزأ بالخلق ما يمكن يقع، لكننا نقول لهؤلاء تنزُّلًا مع عقولهم: لو أن موسى ﷺ قاله من عند نفسه لقلتم: لعل هذا اجتهاد منه وليس بأمر من الله، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ ثم يقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ﴿هُزُوًا﴾ هذه مصدر، وهي بمعنى اسم المفعول، أي: أتتخذنا مهزوءًا به، ويجوز أن تكون هزءًا على بابها ويصير المعنى: أتتخذنا ذوي هزء، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، على كل حال هي بمعنى: أتهزأ بنا؟ لكنها أشد؛ لأن اتخاذ الشيء معناه: الاستمرار فيه، اتخذت الشيء، أي: جعلته مأخوذًا لي، كأنه أمر أقبله وأستمر فيه، فهو أعظم من قولهم: أتهزأ بنا؟ يعني: كأنك اتخذتنا ألعوبة، ألعوبة لك، تقول: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؟ ويش علاقة البقرة بهذا المقتول؟ هذا هزء، لكن ماذا أجاب؟ ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ولم يقل: من المستهزئين ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، والمراد بالجهل هنا ليس ارتكاب الخطأ عن غير عمد، ولكنه ارتكاب الخطأ عن عمد؛ لأن الجهل يطلق على السفه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧]، يعني: أعوذ بالله أن أكون من ذوي الجهل والسفه، فأتخذ عباد الله هزوًا، ولا سيما وأنا أسندت الأمر إلى الله، هذا أمر مستحيل؛ ولهذا استعاذ منه؛ لأنه أمر لا يليق، أولًا: لا يجوز بالنسبة إلى إسناد الأمر إلى الله وهو ليس منه، والشيء الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان أحدًا من عباد الله هزوًا، لا سيما في مثل هذا المقام. وفي هذا دليل على أن الهزء بالخلق من السفه. * طالب: لم يقل: من المستهزئين، لأيش؟ * الشيخ: لأجل أن يبين أن الاستهزاء بالخلق أو اتخاذهم هزوًا من الجهالة والسفه. * طالب: أنت قلت شيخنا: الاتخاذ بمعني الاستمرار في الفعل، إذن قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف ١٤٨] فهم ما استمروا على ذلك؟ * الشيخ: لا لا، حتى جاء موسى. * الطالب: يعني: ما استمروا طول حياتهم على ذلك. * الشيخ: إي، ما هو لازم؛ لأن الاستمرار بحسب الشيء، ما هو بلازم أنهم يستمروا طول حياتهم، المعنى: أنهم بس مستمرين؛ لأن الفعل يدل على الاستمرار، اتخذت هذا ثوبًا، يعني: معناه بلبسه دائمًا حتى يبلى، وهؤلاء اتخذوه، ولولا أن موسى جاء لاستمروا عليه. * طالب: هزوًا بضم الزاي، ولا؟ * الشيخ: هزوًا بضم الزاي، ما هي عندكم بضم الزاي؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: وعندي فيها قراءتان أيضًا: ﴿هُزْءًا﴾ و﴿هُزُؤًا﴾ ، ثلاثة، عندي فيها قراءتان غير اللي في الأصل. وفيها أيضًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ فيها قراءة التسكين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (...). * طالب: أيش وجهه؟ * الشيخ: وجه هذا التخفيف، ولا ما لها وجه؟ (...) قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾ بمعنى أعتصم بالله، والاستعاذة ما تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو بأحد فيما يقدر عليه ولَّا لا؟ إي نعم «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ» »[[أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]. ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إذن، تبرأ من اتخاذهم هزوًا، بل أبلغ من التبرؤ، سأل الله أن يعصمه منه، وأنه أمر جدير بأن يستعيذ المرء منه. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ما رأيكم لو أنهم ذهبوا وذبحوا بقرة، وامتثلوا ما أمروا به؟ انتهى الأمر؛ لأن (بقرة) مطلقة أيسر، لكن بقرة مطلقة ما فيها أي وصف، لكنهم -والعياذ بالله- شددوا فشدد الله عليهم، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» »[[أخرجه البخاري (٣٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. نعم، كل أمور الإنسان اللي تطلب فيها التشديد تصاب بأشد، حتى في أمور الطهارة، نعم، بعض الناس مثلًا قد يصاب بوساوس، ثم ينفتح عليه ما هو أشد، أو يروح بيغسل ثوبه من شيء فيه شبهة (...) أصيب بنجاسة محققة، فيشتد عليه الأمر، فالحاصل لو أنهم ذبحوا بقرة -أي بقرة كانت- انتهى الموضوع، لكنهم -والعياذ بالله- ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾، شوف هذا الأسلوب الجاهل: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ما قالوا: ربنا، ولا ادع الله، كأنهم بعيدون من موسى ومن ربه سبحانه وتعالى، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ جعلوه في منزلة المرسول لهم الخادم، نعم، الذي يدعو ربه هو -نسأل الله العافية- وهذا من عتوهم يدلك على أن بني إسرائيل -والعياذ بالله- عندهم عتو، وأن الله سبحانه وتعالى جعل موسى نبيًّا لهم، وأنهم جديرون بأن يكون لهم مثل موسى عليه الصلاة والسلام في القوة. * فوائد في هذه الآية: * أولًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجرًا. * الفائدة الثانية: ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر وهو ثبوت الأجر وانتفاء الخوف والحزن، الخوف من أين؟ مما يستقبل، والحزن على ما مضى. * الفائدة الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر، فالذين هادوا والنصارى والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم وهم أكثر أجرًا، لكن لهم أجرهم. * طالب: (...) الصابئون، القول الصحيح فيهم؟ * الشيخ: القول الصحيح أنهم من لا ينتسبون إلى دين في أصلهم، ما ينتسبون إلى دين، فإذا آمنوا بالله واليوم الآخر، يعني: مثل ما جاءتهم رسل ينتسبون إليهم. * الفائدة الرابعة: أن الجزاء قد يختلف بحسب الأمم؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أجرهم، ما قال: الأجر وأطلق، ﴿أَجْرُهُمْ﴾، هذه الأمة يضاعف أجرها، والأمم السابقة لا يضاعف، أليس كذلك؟ إذن ﴿أَجْرُهُمْ﴾ تفيد هذا ولَّا لا؟ تفيد؛ لأنه أضاف الأجر إلى نفس المأجورين، فيعطون الأجر الذي قدر لهم وكتبه الله لهم، إن كان مضاعفًا فهو مضاعف، وإن كان غير مضاعف فهو غير مضاعف. * الفائدة الخامسة: أنه إذا ذُكِر الثناء في الشر على طائفة، وكان منهم أهل خير، فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون (...)؛ لأنه بعد ما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١] بين أن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر، فله أجره ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه من تمام الإيمان بالله: الإيمان بالرسل، والإيمان بملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، كل هذا داخل في الإيمان بالله؛ لأن الله أخبر عنه. قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٣، ٦٤]. * في هاتين الآيتين: * أولًا: تذكير الله تبارك وتعالى لهذه الأمة –يعني: بني إسرائيل- بما أخذ عليهم من عهد في قوله: ﴿