تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني: معناه حولوا كل ما قيل لهم إلى قول آخر، يعني كأنهم أمروا بأن يزحفوا على أستاههم، وأن يقولوا: حنطة في شعرة، فكأنهم بدلوا أصل القول الذي قيل بقول آخر امتثلوه، وعلى هذا فتكون الآية شاملة لتبديل القول والفعل، شاملة لتبديل القول (...)، ولا يبقى فيها إشكال، وفي الحقيقة حتى لو فرض أننا فسرناها بالأول، وأنهم قالوا غير ما قيل لهم، فإن الحديث صحيح في ذلك وصريح أنهم أيضًا بدلوا الفعل.
* الطالب: ذكر بعض الشيء يستغنى عن الآخر؟
* الشيخ: هذا إذا قلنا: إن القول الذي بدلوه يعني القول الواقع منهم، أما إذا قلنا: إنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم أي جعلوا أمر الله لهم أمرًا لشيء آخر، وهو ما فعلوه، يعني كأنهم حرفوا أمر الله أي قول الله، فحينئذ ما يصير من باب ذكر أحد الطرفين استغناء به عن ذكر الآخر، والله أعلم بما أراد في كلامه.
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ الفاء للسببية، فهمتم؟ يعني فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا.
وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي عليهم، وهذا من باب الإظهار في مقام الإضمار، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن له ثلاث فوائد؟
* طالب: ما حضرت.
* الشيخ: ذكرنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟
* طالب: الإظهار في مقام الإضمار: التنبيه (...).
* طالب: أولًا الحكم على هؤلاء، أو تخصيص هؤلاء بالحكم.
* الشيخ: لا الحكم عليهم بما دل عليه هذا الظاهر، وهم أنهم ظلموا، هذه واحد.
* الطالب: الثاني: أن هذا الوصف عموم الوصف بعموم الحكم، عموم الحكم بعموم الوصف.
* الشيخ: يعني معناها أنه من أجل أن يكون..
* الطالب: عاما لهم ولغيرهم.
* الشيخ: من أجل أن يكون عامًّا لهم ولغيرهم، ثالثًا، ما ذكرنا إلا هذه؟
* الطالب: التنبيه.
* الشيخ: لا، التنبيه هذا ذكرناه -بارك الله فيكم- فيما إذا حصل التفات، التفات إذا ظهر من الغيبة للحضور أو بالعكس.
* الطالب: وهذا (...) للتأكيد؟
* الشيخ: ربما يحصل فيها انتباه عندما أن الإنسان يكون نسق الكلام على أنه يؤتى بالضمير، ثم يؤتى بالاسم الظاهر، قد يكون هذا لفت نظر، أن الإنسان ينتبه، يقال: لأيش جاء الظاهر مع أن سياق الكلام يقتضي الضمير، ربما يكون كذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن على كل حال المسألة يراد بها العموم؛ لأجل أن يعم هذا الحكم من شابههم.
* الطالب: في الوصف.
* الشيخ: والثاني: الحكم عليهم بما يقتضيه هذا الاسم الظاهر أي أنهم ظلموا.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال فرعون لموسى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف ١٣٤] يعني: العذاب وهو غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر، والرجز العذاب.
وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي عذابًا منها، مثل أيش ينزل من العذاب من السماء؟ كالحجارة، الصواعق، البرد وغيرها.
* طالب: الرياح.
* الشيخ: نعم.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، ولا يلزم أن تكون السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علاك فهو سماء ما لم يوجد قرينة، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ٣٢].
قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الباء هنا للسببية أي: بسبب، و(ما) مصدرية أي بكونهم فسقوا، إذا كانت مصدرية فقد مر علينا أن حرف المصدر يحول ما بعده من الفعل بل من الجملة إلى مصدر، وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كانوا فيما مضى أو المقصود بها (...).