تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٢٥٠﴾
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٢٥١﴾
تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٢٥٢﴾
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٥٠]
في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي للإنسان عند الشدائد أن يلجأ إلى الله عز وجل؛ لأنه هنا لما برزوا والتقى الجمعان لجؤوا إلى الله قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن التجاء الإنسان إلى الله سبب لنجاحه؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأن اعتماده على نفسه واعتداده بها سبب لخذلانه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. وهذا مشهد عظيم في الواقع فإن كثيرًا من الناس إذا أعطاه الله سبحانه وتعالى نعمة في بدنه أو ماله أو أهله يرى أن ذلك من حوله وقوته وكسبه، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم بل هو من عند الله هو الذي منَّ به عليك، فانظر إلى الأصل لا إلى الفرع، والنظر إلى الفرع وإهمال الأصل هذا خطأ في العقل والتفكير، ولذلك يجب عليك إذا أنعم الله عليك نِعمة أن تُثني على الله بها بلسانك وتعترف له بها بقلبك وتقوم بطاعته بجوارحك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اضطرار الإنسان إلى تثبيت قدمه على طاعة الله لقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ضد تثبيت الأقدام: الفرار، ولا شك أن الفرار حين يلتقي الصفَّانِ من كبائر الذنوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يكون سببًا للإجابة لقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ما قالوا: على أعدائنا. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كأنهم يقولون: انصرنا عليهم من أجل كفرهم، وهذا في غاية ما يكون من البُعد عن العصبية والحمية، يعني ما طلبنا أن تنصرنا عليهم إلا لأنهم كافرون.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ إلى آخره، في هذا دليل على ما أشرنا إليه من قبل أن اللجوء إلى الله تعالى سبب للنجاح، وأن الإعجاب بالنفس سبب لعكسه للخذلان.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إضافة الحوادث إلى الله عز وجل، وإن كان من فِعل الإنسان لقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ هذا فعلهم، لكن ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء وخذلان هؤلاء.
* ومن فوائدها: أن داود عليه الصلاة والسلام من أنبياء بني إسرائيل. ﴿قَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
* طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؟
* الشيخ: لا لا.
* الطالب: ذكر من قبل.
* الشيخ: لأنه قال من قبل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ففيه دليل على أن داود من بني إسرائيل، وأنه بعد موسى أيضًا؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ وكان داود من بينهم.
ومن فوائدها أيضًا: شجاعة داود عليه الصلاة والسلام حيث قتل جالوت حين برز له، والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة؛ لأنه إذا قُتل المبارِز أمام جنده لا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوَهن والرعب، ولكن هل يجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: يجوز؟
* الطلبة: يجوز كما فعل عليّ.
* الشيخ: أي يجوز، لماذا يجوز أن نخدعه والخداع ليس بجيد؟ لأن المقام مقام حرب، وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه، فلا حرج أن يخدعه،« ويُذكر أن عمرو بن وُدٍّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين، فظن عمرو أن أحدًا قد لحقه، فالتفت فضربه عليٌّ» . هذه خدعة لكنها جائزة؛ لأن المقام مقام حرب، هو يريد أن يقتلني بكل وسيلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن داود عليه الصلاة والسلام أوتي الملك والنبوة لقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
ومن فوائدها أيضًا: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله لقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ فالنبي نفسه ليس عالِمًا، لا يعلم الغيب ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله لقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله عز وجل يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض ومن عليها، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وبماذا تفسد؟ تفسد بالمعاصي وترك الواجبات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج ٤٠].
* ومن فوائدها: إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضًا ويقابل بعضهم بعضًا؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض؛ لأنه لا مُعارض لهم، ولكن الله عز وجل يعارض هذا بهذا، واعتبر هذا الآن في قوة الأمم الكافرة الآن، ما ظنكم لو كان لأحد هذه الدول الكبرى القوة المطلقة على الدولة الأخرى لكانت تكتسحها وتكتسح غيرها أيضًا، ولكن الله جعل هذه لها قوة، وهذه لها قوة ليدفع بعضهم ببعض.
ومنها: أن المعاصي وهدم بيوت العبادة سبب للفساد، لأنه قلنا إن فساد الأرض بُيِّن في آيات أخرى وهو كذلك، فإن هدم بيوت العبادة لا شك أنه من الفساد في الأرض، طيب والمانع من العبادة؟
* طالب: أشد وأولى.
* الشيخ: أشد وأوْلى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤].
ومنها: إثبات فضل الله سبحانه وتعالى على جميع الخلق لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ حتى الكفار؟ إي نعم حتى الكفار، لكن فضل الله على الكفار فضل خاص في الدنيا فقط، أما في الآخرة فيعاملهم بماذا؟
* طالب: بما يستحقون.
* الشيخ: بالعدل، في الدنيا يعاملهم بالفضل، وأما في الآخرة فإنه يعاملهم بالعدل، هذا بالنسبة للكفار، أما بالنسبة للمؤمنين، فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا وفي الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذا إثبات آيات الله سبحانه وتعالى الشرعية؛ لأن المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن.
وفيها: أن الله تعالى يتلو على نبيه، يتلو على نبيه ما أوحاه إليه لقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، ولكن هل الذي يتلو ذلك هو الله، أو جبريل؟
* طالب: جبريل.
* الشيخ: اقرأ في آية القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨] يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه، فجبريل يتلوها على النبي عليه الصلاة والسلام وقد تلقاه من الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: أن القرآن كله حق، كله حق من الله ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للمصاحبة والملابسة أيضًا، فهو نازل من عند الله حقًّا، وهو كذلك مشتمل على الحق، فلم يُكذَب على الله، وليس فيه كذب في أخباره ولا جور في أحكامه، بل أحكامه كلها عدل وأخباره كلها صدق.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ومنها: أن هناك رسلًا آخرين غير الرسول لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولكنه ﷺ كان خاتم النبيين إذ لا نبي بعده.
هذا ما تيسر لنا من فوائد هذه الآيات الكريمة مع أنها عند التأمل تحتمل معاني أكثر من ذلك.
* طالب: (...): ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾؟
* الشيخ: الحكمة هي الوحي اللي أوحاه الله إليه، الوحي سواء كان سنة أو كان الزبور الذي أوحاه الله إليه.