تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب هنا ورد بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن السورة مدنية، وأكثر من يخاطَب في السور المدنية هم المؤمنون، ولهذا جعل المتكلمون في أصول التفسير جعل من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية؛ لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، لكن هذه الآية هي أول آية فيها نداء، أول آية فيها نداء هي هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولهذا وُجِّه الخطاب بها أو النداء بها إلى جميع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جُعلت في السورة المدينة؟ نقول: الأصل عدم ذلك، ولهذا نرى في بعض عناوين السور: مكية إلا آية كذا وكذا، مدنية إلا آية كذا وكذا، هذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، وإلا فالأصل أن السور المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية، إلا بدليل ثابت.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، في هذه ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إثبات الألوهية، يعني إثبات توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ ﴿اعْبُدُوا﴾ هذا توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية يسمى توحيد ألوهية باعتبار إضافته إلى الله، وتوحيد عبادة باعتبار إضافته إلى العبد.
يقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فما هي العبادة التي أُمرنا بها؟ العبادة التي أُمرنا بها هي التذلل لله عز وجل ذلا تاما مستلزما للمحبة والتعظيم، لا بد، وإلّا لم يكن الإنسان عبدا، أن يتذلل لله تعالى ذلا كاملا، أيش؟ مستلزما للمحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون فعل الأوامر حتى يصل العابد إلى محبوبه، وبالتعظيم يكون الفرار من النواهي لئلا يعذبه ربه العظيم عز وجل، هذا هو معنى العبادة: التذلل لله، أيش؟ ذلا كاملا مستلزما للمحبة والتعظيم، طيب، هذا تفسير العبادة بالنسبة لفعل العبد، قد تفسَّر العبادة بالنسبة لمفعول العبد، بالنسبة لمفعوله، فيقال مثلا: الصلاة عبادة، الزكاة عبادة، الصوم عبادة، وعلى هذا فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ثم ضرب أمثلة بالصلاة والزكاة وغيرها، وحينئذ نقول: العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبَّد به وهو مفعول العبد؛ يعني ما فعله العبد، واضح يا جماعة؟ طيب، ما المراد بالآية؟ المعنيان أو المعنى الأول؟ الظاهر كلاهما، وهما متلازمان.
وقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الرب هو الخالق، المالك، أيش؟ المدبر، الخالق المالك المدبر، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفةً كاشفة مبينة للواقع، وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق والثاني غير خالق، بل ربنا هو الخالق، فالصفة هنا إذن صفة كاشفة وليست صفة احترازية، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، والخلق هو الإيجاد من عدم، ولم يخلق الناس إلا الله عز وجل، لا يخلقهم أب ولا أم ولا ملَك ولا أحد، لا يخلقهم إلا الله، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ [الحج٧٣]، فعدم خلق بني آدم من باب أولى، نعم.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني: وخلق الذين من قبلكم، ولهذا نجد سبحان الله بنو آدم يتسلسلون، تنظر إلى المسجد أو تنظر إلى مجتمع تجد هذا له سبعون سنة، وهذا له خمسون، وهذا له أربعون، وهذا له ثلاثون، وهذا له عشرون، وهذا له عشر، وهذا له خمس، من أجل أن يعمر الكون، يتعاقبون، فإذا تأملت هذا عرفت كمال سلطان الله عز وجل وكمال حكمته، هؤلاء الذين قبلنا مخلوقون، ونحن من ذريتهم، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ذرية نوح، نحن من ذريتهم، إذن مَن تفرع على مخلوق فهو مخلوق، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وعلى هذا فقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على؟
* طالب: الضمير.
* الشيخ: على الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، نعم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لعل) هنا للتعليل؛ أي لتصلوا إلى التقوى، ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ [البقرة ١٩٤].
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا من باب التعدد أنواعا، أو تعديد أنواع من أفعاله عز وجل، جعل الله لنا الأرض فراشا موطأة، يستقر الإنسان عليها استقرارا كاملا، ليست نشزا وليست مؤلمة عند النوم عليها أو السكون عليها أو ما أشبه ذلك، والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة، وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبغير ذلك مما جرى في القرآن، والفراش كما نعلم يكون موطأ للإنسان مهيأ له يستريح فيه.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢] السماء جعلها الله بناء، أي بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢].
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليست هي السماء الأولى، بل المراد بالسماء في الثانية العلو؛ لأن الماء الذي هو المطر ينزل من السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه﴾ [النور ٤٣]، فالماء الذي هو المطر لا ينزل من السماء التي هي البناء، وإنما ينزل من السحاب التي في العلو، وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا، والمعنى الثاني: العلو.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، ﴿أَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، وانظر إلى الحكمة والنكتة البديعة، حيث أضاف الأمر إلى نفسه جل وعلا لكن بسبب، فالسبب موصل فقط، وإلا فهل المطر يُخرج النبات؟ لا، المخرج هو الله، لكن السبب المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وجمع الثمرات لأنها متنوعة، لو أراد الإنسان أن يحصي أنواعها لعجز فضلا عن أفرادها.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الخلق والرزق وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من أفعال الربوبية؛ لأن المشركين يقرون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله، يقرون بهذا إقرارا تاما، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا، لكن في العبادة ينكرون هذا، يشركون، يجعلون مع الله إلها آخر، وينكرون على من وحّد الله، حتى قالوا في الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص ٥]، ونقول: ما شاء الله، من الذي جاء بالشيء العجاب؟ هم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصواب، لكن هم جاءوا بالشيء العجاب، نسأل الله العافية، إذن ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في أيش؟
* الطلبة: في العبادة.
* الشيخ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية من الخلق والرزق، وغير ذلك، وإقراركم بالخلق والرزق أن الله منفرد به يلزم أن تجعلوا العبادة لله وحده، فإن لم تفعلوا فأنتم متناقضون، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزِم لتوحيد الألوهية، يعني من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ومن أقر بالألوهية فإنه لم يقر بها حتى كان قد أقر بالربوبية، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
* في هذه الآية من الفوائد، أولا: العناية بالعبادة، يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء، والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس، مما يدل على أن العبادة من أهم شيء، وهو كذلك، بل إن الناس ما خُلقوا إلا لأجل العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات ٥٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فإن الرب يستحق عز وجل أن يُعبد ولا يُعبد غيره، والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم الضراء وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى من؟ إلى الله؛ ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [لقمان٣٢]؛ لأن فِطَرهم تحملهم على ذلك ولا بد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين والآخرين؛ لقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طريق القرآن أنه إذا ذكر الحكم غالبا ذكر العلة، الحكم: ﴿اعْبُدُوا﴾، والعلة: كونه ربًّا خالقا لنا ولمن قبلنا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
هل يمكن أن نأخذ من هذه الآية التحذير من البدع؟ ربما نأخذ منها التحذير من البدع، وذلك لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعبادة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله، كيف نتوضأ، إلا عن طريق الوحي والشرع؛ كيف نصلي، يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام يقرأ ثم ركع ثم سجد، فهذه هي العبادة المطلوبة منا إلا بعد أيش؟ بعد الوحي، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الأمر بالعبادة يستلزم الأمر بالاتباع.
وهل يستفاد من الآية الحث على طلب العلم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، كيف ذلك؟ إذ لا تُمكن العبادة إلا بالعلم، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة بقوله: باب العلم قبل القول والعمل[[صحيح البخاري (1 / 24).]].
ثم قال تعالى مذكرا عباده: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى وحكمته في جعل الأرض فراشا؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال، لكن من رحمته ولطفه وإحسانه جعلها فراشا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جعل السماء بناء، لكن ما فائدتنا من جعل السماء بناء؟ فائدتنا من جعل السماء بناء أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بكل الأرض من جميع الجوانب نعلم أنها كبيرة جدا واسعة، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾ [الذاريات ٤٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا، والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة، أليس كذلك؟ نعم، وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال:« ادعُ اللهَ أن يغيثَنَا، فرفَعَ يديْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، وما نزَلَ من الخطبةِ إلا والمطرُ يَتحادَرُ من لحيتِهِ»[[متفق عليه، أخرجه البخاري (1014)، ومسلم (897 / 8).]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بإنزال المطر من السماء، وجه ذلك لو كان الماء الذي تحيا به الأرض، لو كان يجري على الأرض لأضر الناس، ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراض كثيرة، ما هي الأراضي التي تُحرم؟ المرتفعة، لا يأتيها شيء، ولكن من نعمة الله أنه ينزل من السماء، ثم هناك شيء آخر أيضا أنه ينزل رذاذا، يعني قطرة قطرة، ولو نزل كأفواه القِرَب لأضر بالناس، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل على ما تعهدون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الأسباب لا تكون سببا إلا بإرادة الله؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾.
* ومن فوائدها فائدة مَسلكية: أن الإنسان ينبغي له أن يضيف الشيء إلى الله مقرونا بالسبب، فمثلا لو أن أحدا من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه، أنقذه من الغرق، فليقل: أنقذني الله بفلان، وله أن يقول: أنقذني فلان، له أن يقول ذلك؛ لأنه فعلا أنقذه، وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، كم هذه من صيغة؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله، ويدل لهذا أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله عز وجل مقرونا بالسبب «أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام، وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأسلم، لكنه أسلم بعد أن استشار أباه، التفت إليه ينظر إليه يستشيره، قال: أطع أبا القاسم.» الجهل، أذن لولده، بل أمر ولده أن يُسلم وهو لم يسلم في تلك الحال، بعدُ ما ندري، الله أعلم، لكن على كل حال خرج النبي صلي الله عليه وسلم وهو يقول:« «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (1356).]]. شوف التعبير!! «أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ»، وهكذا ينبغي لنا نحن، إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى، أيش؟ مقرونا ببيان السبب، طيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر، تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء، فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، ففيه القدرة وفيه الفضل، ولذلك قال: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة، نعم، أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافرا كان أو مسلما، من أين؟
* طالب: من قوله (...)
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ وهو يخاطب بالأول الناس عموما، إذن فلله تعالى فضل على الناس كافرهم ومؤمنهم، كل له فضل، لكن فضل الله على المؤمن - جعلني الله وإياكم منهم - دائم متصل بفضل الآخرة، وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم جعل الأنداد لله؛ لقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهل الأنداد شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وهل هي شرك جلي أو شرك خفي؟ هذا له تفصيل في علم التوحيد، إن جعل لله ندا في العبادة بأن عبد غير الله كعبادة الله فهذا، أيش؟ شرك أكبر، وإن جعل له ندا في الربوبية وقال: إن هذا الخلق خلقه اثنان مثلا، فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، ومن ذلك أن يضيف الشيء إلى سببه وإلى الله مقرونا بالواو فهذا شرك أصغر، ما لم يعتقد أن هذا السبب له فعل كفعل الله فيكون شركا أكبر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة، من قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومن قوله في صدر الآية: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فيه إقامة الحجة على وجوب العبادة له؛ لأنه الخالق وحده.
الإعراب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة حالية في محل نصب.
* طالب: فضيلة الشيخ ما الحكمة من كثرة الآيات الدالة على توحيد الربوبية مع أن المخاطبين في هذا القرآن يقرون بتوحيد الربوبية؟
* الشيخ: نعم، إقامة الحجة.
* طالب: هم يقولون به.
* الشيخ: إي، لكن إذا قالوا به يلزمهم أن يوحّدوا بالألوهية.
* طالب: ولكن بعض الدعاة الذين يدعون يكثرون من (...) ودعوة توحيد الربوبية، مع أن الناس عندهم خلل في توحيد الألوهية ويستشهدون بكثرة الآيات في هذا في القرآن.
* الشيخ: إي، هذا مثل ما قلت، لو كان يخاطب ناسًا ينكرون الألوهية، يعني ينكرون توحيد الألوهية، فليكثر من ذكر الآيات في الربوبية، لكن إذا كان يتكلم على أناس مقرين بتوحيد الألوهية فينبغي أن يأتي لهم بآيات أخرى آيات في الصفات آيات في أفعال الله.
* طالب: هم مسلمون.
* الشيخ: ما يخالف، إذا كانوا مسلمين، فالربوبية يمكن يذكرونها من أجل أن يزداد إيمانهم.
* طالب: (...) العبادة هي تذلل يستلزم المحبة والتعظيم وهذا يكون لله عز وجل، هل مَن صرف المحبة لوحده أو التعظيم لوحده لغير الله مشرك الشرك الأكبر؟
* الشيخ: إي نعم، إذا أحب أحدا مثل محبة الله أو أعظم فهو مشرك شركا أكبر.
* طالب: أو عظّم أحدا؟
* الشيخ: أو عظّم أحدا مثل تعظيم الله أو أشد، حتى لو عظم الكعبة مثل تعظيم الله، أو عظم الرسول عليه الصلاة والسلام مثل تعظيم الله كان مشركا شركا أكبر.
* طالب: شيخ ما نقول لهؤلاء الذين عند القبور (...) الأولياء فهم يحبونهم ويعظمونهم لكن ما نعلم هل أحبوهم كحب الله أم لا؟
* الشيخ: نقول هكذا، نقول بالتفصيل، ثم نقول لهذا: هل أنت تحب هذا أشد من حب الله؟
* الطالب: إن حبه وعظمه ولكن يعني..؟
* الشيخ: في أناس الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله، وأنا أذكر أن أناسا من الحُجاج ونحن في جدة في المسجد جاء وقت المنع من السفر إلى المدينة؛ لأنه أظن بعد الرابع من ذي الحجة يمنعونهم من السفر إلى المدينة خوفا عليهم من التأخر، فجعل يبكي بكاء شديدا؛ ليش؟ قال: نور عيني. من نور عينه؟ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا ما جئت إلا لهذا، شايف الحين جاي بيحج، يقول: أنا نور عيني ما جئت إلا له، في ظني أن هذا يمكن محبة الرسول في قلبه أكثر من محبة الله، فمثل هؤلاء يجب أن يبين لهم، يقال: لولا محبة الله ما أحببنا الرسول، ولولا أن محمدا رسول الله ما أحببناه هذا المحبة، ولا قدمنا محبته على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، من أين وجب لنا أن نعظم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ من أجل أنه رسول ربنا، ما هو من أجل أنه محمد بن عبد الله، معلوم هذا؟ فهؤلاء العامة يبين لهم، يقال: لا تجعل أحدا مع الله إطلاقا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة١٦٥].
* طالب: شيخ لو حصل في شخص حب وتعظيم (...).
* الشيخ: لا لا؛ الإنسان يحب والديه ويعظم والديه، يحب معلمه ويعظم معلمه، يحب إللّي أكبر منه ويعظمه، المهم أن لا يكون هناك غلو.
* * *
* طالب: ﴿﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴾ [البقرة: ٢٣- ٢٥]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ إلى آخره؛ الخطاب لمن جعل لله أندادا؛ لأنه قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
لكن شهادة أن لا إله الله توحيد القصد، والثاني: توحيد المتابعة، فكلاهما توحيد، لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصا لله، والثاني توحيد المتابعة بأن يكون العمل متَّبَعا فيه رسول الله، وأنتم إذا تأملتم القرآن وجدتم هكذا، يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة.
مثال آخر: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِين﴾ [المؤمنون٦٨]
ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون٦٩] وهذا مطرد في القرآن الكريم،
يقول ﴿