تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ إلى آخره، (أم) هذه من حروف العطف، ولكنها هل هي هنا متصلة أو منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة؟ طيب اللي بيقول: منقطعة نبغي نسأله ويش الفرق بينهما؟ وإلا كان مثل الصبي، الصبي إن قلت: تحب أباك ولا أمك؟ قال: أمي، ولو قلت: تحب أمك ولا أبوك؟ قال: أبوي، يجعلها الأخيرة، فالآن نشوف أنت قلت: منقطعة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ويش السبب؟
* الطالب: لأنها لم يذكر معها المعادل، المنقطعة إذا لم يذكر معها المعادل فهي منقطعة.
* الشيخ: (أم) إذا لم يذكر معها المعادل فهي منقطعة، زين، فرق آخر؟
* الطالب: بمعنى (بل).
* الشيخ: بمعنى (بل)، والمتصلة بمعنى؟
* الطالب: بمعنى العطف (أو).
* الشيخ: بمعنى (أو)، صح، (...) الفرق بين المتصلة والمنقطعة من وجهين: المتصلة يذكر فيها المعادل، كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]، والمنقطعة لا يذكر فيها المعادل، ثانيًا: المنقطعة بمعنى (بل)، والمتصلة بمعنى (أو).
هنا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قالوا: إنها منقطعة يقدر بعدها همزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم، فهي إذن للإضراب، الإضراب الإبطالي أو الانتقالي هنا؟
* طالب: الانتقالي.
* الشيخ: الانتقالي، انتقال من كلام إلى آخر، بل: أحسبتم.
و﴿حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى ظننتم، وعلى هذا فتنصب مفعولين، ولكن أين مفعولاها؟ قال بعض النحويين: إن (أنْ) وما دخلت عليه تسد مسد المفعولين، وقال آخرون: بل إن (أنْ) وما دخلت عليه تسد مسد المفعول الأول، ويكون المفعول الثاني محذوفًا، الكلام مفهوم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، إذا قلنا: إن مفعوليها يسد مسدهما (أنْ) وما دخلت عليه، فالأمر واضح ما يحتاج إلى تقدير شيء آخر، وإذا قلنا: إن (أنْ) وما دخلت عليه تسد مسد المفعول الأول، فكيف نقدر الثاني؟ يكون التقدير: أم حسبتم دخولكم الجنة واقعًا ولما يعلم الله.
ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة 214] الخطاب في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ يعود إلى من؟ إلى كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي ﷺ، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم.
وقوله: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الجنة تقدم لنا مرارًا أنها في اللغة: البستان الكثير الأشجار، وأنه سمي بذلك؛ لأنه يُجِنُّ من كان فيه، أي: يستره ويغطيه، وأن أصل هذه المادة: الجيم والنون، أصلها: الاستتار، ومنه سمي الجن، ومنه سميت الجُنَّة التي يتترس بها المقاتل، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٦]، فعندنا: جُنة وجِنة وجَنة كلها موجودة في القرآن أو لا؟ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾، ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦]، ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات ١٥٨]، أما الجَنة فكثير.
لكن هل نقول في الجنة التي وعد الله المتقين: إنها البستان الكثير الأشجار؟
* طالب: نعم.
الشيخ: قلنا لكم: لا نقول هذا؛ لأنك لو قلتها؛ لكان فيها توهين لأمرها وتهوين لشأنها، لكن إذا قلت: هي الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أيما أعظم في النفس أن تقول مثل هذا الكلام، أو أن تقول: هي البستان الكثير الأشجار؟ في ظني أن الأول أبلغ؛ لأنك إذا قلت: البستان الكثير الأشجار، قال: هذا موجود، روح لبستان فلان كثير الأشجار، لكن إذا قلت: الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كان هذا أعظم في النفوس.
* طالب: شيخ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الحديث الذي «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ (...)، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ: «وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ..» الحديث.]]؟
* الشيخ: نعم صحيح.
* الطالب: طيب هذا يوحي أنها يعني جنة مثل..؟
* الشيخ: إيه، لكن الغراس غير الغراس هذا؛ لأن كثيرًا من الناس ما يتوهم عندما تقول: البستان كثير الأشجار إلا ما يشاهد في الدنيا فقط.
ثم قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ إلى آخره، ﴿لَمَّا﴾ هنا جزمت الفعل ولَّا لا؟
* طالب: جزمت.
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: حذف الياء.
* الشيخ: حذف الياء، نعم.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ لو كان لم يجزم لقيل: يأتيكم، ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ﴾ هل (لما) هنا على معناها وعلى ظاهرها، أو هي بمعنى لم يأتكم؟ قال بعض المعربين: إنها بمعنى (لم)، وقال آخرون: بل هي على ظاهرها بمعنى (لما)؛ لأن الأصل إبقاء الكلام على ظاهره، هل هناك فرق بين القولين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، إذا قلنا: (لم) ما دلت إلا على انتفاء ذلك الشيء، أو على نفي ذلك الشيء دون أن يكون متوقعًا، لكن إذا قيل: (لما يأتكم) صار هذا الأمر متوقعًا، من أجل أن تُهيأ النفوس لوقوعه، والمتوقع قد يقع وقد لا يقع، أليس كذلك؟ لكن إذا سيق مساق المتوقع، فإن النفوس تتهيأ له، وهذا الوجه أصح أنها على ظاهرها.
وقد تقدم أنك إذا قلت: سرت إلى البلد ولم أدخلها، فهذا نفي للدخول، لكن ما يتوقع أن تدخلها، لكن إذا قلت: سرت إلى البلد ولما أدخلها، صرت قريبًا منها ويتوقع دخولك إياها.
قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ مثلهم، أي: صفة ما وقع لهم، والمثل يطلق على الصفة، يعني: يكون بمعنى الصفة مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد ٣٥]، أي: صفتها كذا وكذا. إذن ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: صفة ما وقع بهم.
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿خَلَوْا﴾ بمعنى: مضوا، فما فائدة قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ما دامت ﴿خَلَوْا﴾ بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد، والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، فإن الإفساد هو العتو، ومع ذلك جاء حالًا من الواو، فهو مؤكد لفعله لعامله، هذه ﴿خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مؤكدة لقوله: ﴿خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
ثم لما كانت (مثل) مبهمة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ما هذا المثل؟ بينه الله تعالى بقوله: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ المس -كما تعرفون- هو: المباشرة مباشرة الشيء، تقول: مسسته -مثلًا- بيدي، مس ثوبُه الأرض، وما أشبه ذلك، ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ يعني: أصابتهم إصابة مباشرة، وهذه الجملة استئنافية لبيان المثل الذي ذكر في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾، ثلاثة أشياء: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ قالوا: إنها شدة الفقر، مأخوذة من البؤس وهو الفقر الشديد، ﴿الضَّرَّاءُ﴾ قالوا: إنها المرض والمصائب البدنية، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بالمخاوف والقلق، فتكون الإصابات هنا في ثلاثة مواضع: في المال، ويش بعد؟ والبدن، والنفس.
﴿زلزلوا﴾ زلزلوا بماذا؟ هل المراد زلزلت بهم الأرض؟ لا، زلزلوا بالمخاوف والفتن العظيمة، انظر إلى قصة أصحاب الأخدود زلزلوا ولَّا لا؟ نعم، زلزلوا وفتنوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، فالزلزلة هنا ليست زلزلة الأرض، لكنها زلزلة القلوب بما يحصل لها من المخاوف والفتن والشبهات والشهوات، وقد حصل ذلك للمؤمنين، حصل ذلك للمؤمنين في غزوة الخندق، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: اتلو الآية؟ ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١]، وهو كذلك واقع، وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ أن الصواب فيها إبقاؤها على ظاهرها.
﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ في ﴿يَقُولَ﴾ قراءتان: ﴿يَقُولُ﴾ ، و﴿يَقُولَ﴾، أما قراءة الرفع فعلى إلغاء (حتى)، وأما قراءة النصب فعلى إعمالها، وقد سبق هل هي التي تعمل بنفسها وإلا (أن) مضمرة بعدها، لكنها لا تعمل، لا تعمل إلا في المستقبل أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، هنا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ هذا القول صدر من الذين خلوا من قبلنا، فكيف يصح أن ينصب وهو قد خلا؟ انتبه كيف يصح أن ينصب؟ قال المعربون: إنه نصب على حكاية الحال، وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار ﴿يَقُولَ﴾ مستقبلًا بالنسبة لها، فإن ﴿يَقُولَ﴾ بالنسبة للزلزال والبأساء والضراء مستقبل ولَّا غير مستقبل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾ هو مستقبل بالنسبة لما سبقه، لكن بالنسبة لنا غير مستقبل؛ لأنه ماضٍ، لكن باعتبار حكاية الحال يكون مستقبلًا، وعلى هذا فنقول: إنه مستقبل بالنسبة لما سبقه، لكن الحال الواقعة بالنسبة لنا كلها ماضية.
وأما على قراءة الرفع ﴿حَتَّى يَقُولُ﴾ فهو على حكاية الحال الماضية، ويش معنى على حكاية الحال الماضية؟ يعني: أن الله تعالى يحكي لنا ذلك وهو شيء مضى، يعني: حتى إنه ليقول الرسول والذين معه، إلى آخره. فصار في الآية قراءتان: النصب، ويش بعد؟ والرفع، أما النصب فعلى تقدير حكاية الحال الحاضرة كأنها حال حاضرة الآن فنقول: ﴿حَتَّى يَقُولَ﴾ بالنصب، وأما الثاني: فعلى حكاية الحال الماضية، يعني: كأن الله يخبرنا عن هذا القول.
وقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ من الرسول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المراد به الجنس، يعني: حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا وأصيبوا ومستهم البأساء والضراء.
وقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (متى) اسم استفهام، وترد للانكار والاستبعاد وللاستبطاء وللرجاء، ولعدة معانٍ، فهنا هل هو للإنكار؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا. للاستبعاد؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، طيب للإنكار ويش مثاله؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] هذا للإنكار، لكن هذه لا يمكن أن تكون للإنكار، ولا يمكن أن تكون للاستبعاد، لماذا؟ قالوا: للاستبطاء، يعني: أنهم استبطؤوا النصر، ما هم استبطؤوا وقوعه، يعني: (...) سيقع، لكن يريدون تعجيله، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في بدر: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»[[أخرجه مسلم (١٧٦٣ / ٥٨)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، فهم يريدون تنجيزه، يعني: يقول: يا ربنا، أبطأ علينا نصرك فأنجزه لنا، وهذا يدل على شدة ما نزل بهم حتى إنهم يقولون هذا الدعاء، دعاء الملهوف الطالب للإغاثة: متى النصر؟ متى النصر؟ متى النصر؟ يعني: أنهم في شدة ولهف لطلب هذا النصر من قوة الأمر الذي أصابهم.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ كلمة (معه) هل هي متعلقة بـ﴿يَقُولَ﴾، ولا متعلقة بـ﴿آمَنُوا﴾؟
* طالب: ﴿آمَنُوا﴾.
* الشيخ: حتى يقولوا معه، وإلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه، إذا قلنا: يقول معه، صار قولهم جميعًا، كأن يقولوا جميعًا: متى نصر الله، وإذا قلنا: والذين آمنوا معه، فمعناها أن إيمانهم إيمان مصحوب بمعيتهم له، يعني: ما هم آمنوا وتخلوا عنه بل آمنوا معه، فيكون دالًّا على أنهم مؤمنون مصاحبون لهذا النبي، ولا يعني ذلك أنه لا يفهم أنهم يقولون، لا، يقولون؛ لأن العطف ﴿وَالَّذِينَ﴾ يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي هو القول، ولكن تعلقه بقوله: ﴿آمَنُوا﴾ أقرب من تعلقه بقوله: ﴿يَقُولَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ هذا الجواب من أين؟
* طالب: من الله.
* الشيخ: من الله، يعني: أن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، ولكن هل إنه يقول لأولئك الذين قالوا: متى نصر الله، أو أن الله يخبرنا الآن أن نصر الله قريب؟ هو كونه يخبرنا أن نصر الله قريب أبلغ، يعني أن الأمر ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ حتى تصل الحال بهم إلى هذا مع أن نصر الله قريب ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، أظن سبق لنا في البخاري في التفسير الكلام على هذا، وقلنا: إن بعض المفسرين يقول: إن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ من كلام الرسل، وإن المعنى ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الذين يقوله المؤمنون، ويكون الرسول يقول: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، ولكنه سبق أن هذا قول بعيد من الصواب؛ لأنه يقتضي تشتيت الآية (...) معناها، والصواب أنه من كلام الله سبحانه وتعالى وأن قول الرسول والمؤمنين ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾.
(...) ﴿وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن دين الإسلام هو الفطرة؛ لقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، فقبل أن يحصل ما يفتنهم كانوا على دين واحد دين الإسلام.
* ويستفاد من ذلك: الحكمة في إرسال الرسل، وهو التبشير والإنذار؛ لقوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
ويستفاد من ذلك: أن النبوة لا تنال بالكسب، وإنما هي فضل من الله؛ لقوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ قال السفاريني في عقيدته:
وَلَا تُنَــــــــــالُ رُتْبَــــــــــــةُالنُّبُــــــــــــــــــــــــوَّة ∗∗∗ بِالْكَسْــــبِ وَالتَّهْذِيــــبِوَالْفُتُــــــــــــوَّة؎لَكِنَّهَا فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلْ ∗∗∗ لِمَنْ يَشَــــا مِنْ خَلْقِهِ إِلَىالْأَجَــــلْ
والدليل هذا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أحق وصف بالتبشير إنما هو لأتباع الرسل؛ لقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾، وأما أخذ النصارى -قاتلهم الله- هذا الوصف لدعاتهم الآن لكونهم يقولون للداعية إلى النصرانية يسمونه: مبشرًا، فهذا عدوان وظلم منهم، وغفلة ونوم من المسلمين، وإلا فالمسلمون المتبعون للرسل هم أحق الناس بهذا الوصف، أما أولئك فإن أحق وصف لهم أن نقول: هم منصِّرون أو مضللون.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى أوامر ونواهٍ، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
* الشيخ: كيف؟ لأن الإنذار عن الوقوع في المخالفة، والبشارة لمن امتثل وأطاع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكتب نازلة من عند الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾.
* ويستفاد منها: علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كانت الكتب من عنده نازلة لزم أن يكون هو عاليًا أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأن النزول يكون من؟ من فوق إلى تحت.
* طالب: رحمة الله بعباده.
* الشيخ: نعم.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضا: أن الواجب الرجوع إلى الكتب السماوية عند النزاع؛ لقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وإلا لضاعت فائدة الكتب المنزلة.
* ويستفاد من الآية أيضا: رحمة الله عز وجل بالعباد؛ حيث لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأنهم لو وكلوا إلى عقولهم لفسدت السماوات والأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١]، كل إنسان يقول: العقل عندي، والصواب معي، ولكن الله تعالى بعث النبيين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الخلاف بين الناس كائن لا محالة؛ لقوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا ما قامت الدنيا، ولا قام الجهاد، ولا قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا امتحن الصادق من الكاذب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك الذين اختلفوا في الشرع كانوا قد أوتوا الكتاب؛ لقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ وكان عليهم لما أوتوا الكتاب ألَّا يختلفوا.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد أو بيان ضعف الحديث الذي يروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[قال العراقي في تخريج الإحياء (١ / ١٠٦): ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية بغير إسناد بهذا اللفظ.]]، فإن هذا الحديث لا يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام، والاختلاف ليس برحمة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، نعم دخول الجميع تحت عفو الله رحمة؛ حيث إن الله عز وجل لم ينتقم من المخطئ، فالمختلفون تسعهم الرحمة إذا كانوا مجتهدين؛ لأن «مَنِ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤)، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، بلفظ: «إِذَا حكَمَ الحاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ]]، أما أن نقول: إن الخلاف بين الأمة رحمة فلا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك الذين اختلفوا وأنكروا الحق أن فعلهم بغي وعدوان؛ لقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، فاليهود الذين علموا الحق واختلفوا في الرسول عليه الصلاة والسلام منهم من آمن به ومنهم من كفر، الذين كفروا كفروا بغيًا وعدوانًا، وكذلك الذين أنزل الله عليهم القرآن من قريش وغيرهم فاختلفوا فيه، فإن المخالفين له إنما خالفوه بغيًا وعدوانًا.
* ويستفاد من هذا: أن كل مخالف للحق بعد أن يتبين له فهو باغٍ، وإن قال: أنا لا أريد البغي ولا أريد العدوان، نقول: إنك باغٍ، إذا تبين لك الحق فالواجب عليك أن تتبعه وألَّا تخالفه، وإلا فإنك باغٍ.
وبهذه المناسبة أود أن ما رتب على وصف معين من الأحكام، فإنه لا يشترط فيه النية، فإذا حصل البغي فهو بغي وإن لم ينوه الفاعل، لو أن أحدًا لبس لباس النصارى أو لباس المشركين، وقال: أنا ما قصدت التشبه، ماذا نقول له؟ نقول: حصل التشبه، التشبه نفسه حصل، نويت أم لم تنوِ؛ ولهذا لا يشترط للتشبه قصد النية ما دام الفاعل يعلم أن هذا من فعلهم، أما إذا كان لا يعلم، فهو إذا علم يجب أن يزيل ما تشبه به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه يجب على المرء الذي هداه الله ألَّا يعجبَ بنفسه، وألَّا يظنَّ أن ذلك من حوله وقوته؛ لقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أيضًا، بأمره الكوني والقدري، ولولا ذلك ما اهتدوا لكانوا مثل أولئك القوم الذين ردوا الحق بغيًا وعدوانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإيماء إلى أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الهداية ممن؟ من الله؛ لقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق، من أين تؤخذ؟ لأن الله علق الهداية على الإيمان بهذا الوصف، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقرب لإصابة الحق، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ ولهذا كانت الصحابة رضي الله عنهم أقرب إلى الحق ممن بعدهم، لا في تفسير القرآن، ولا في أحكام أفعال المكلفين، ولا في العقائد أيضًا، الصحابة أقرب الناس إلى الحق؛ لأن الهداية الحق علقت بالإيمان، ولا شك أن الصحابة أقوى الناس إيمانًا، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن قول الصحابي حجة ما لم يخالف النص، فإن خالف النص فليس بحجة، أو يخالفه صحابي آخر، فإن خالفه صحابي آخر نظر في الترجيح أيهما أقرب إلى الصواب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات صفة الإذن؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ يعني: بأمره، ما هي صفة الأُذُن، الإِذْن ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
* ويستفاد منه: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله: ﴿فَهَدَى﴾ ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ وكذلك: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
* ويستفاد منه: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ و﴿بِإِذْنِهِ﴾ أيضًا، الهداية ظاهرة في أفعالهم، فإذا كان ذلك من فعل الله دل على أن الله هو الذي خلق أفعالهم، وإذا كان بإذنه دل ذلك على أن الله هو الذي شاء أفعالهم، والقدرية يقولون: إن العبد لا يتعلق فعله بالله في حال من الأحوال، فهو الذي أراد فعله، وهو الذي أوجد فعله استقلالًا عن الله سبحانه وتعالى.
* ويستفاد منه: الرد على الجبرية أيضًا؛ لقوله: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فأضاف الفعل إلى من؟ إليهم، والجبرية يقولون: الإنسان ما له فعل، الإنسان مجبر على فعله، فهو في حركاته كتحرك الأغصان، أغصان الشجرة بالهواء، ما له فيها اختيار، أفهمتم؟ أنت الآن تكتب غصبًا عليك، مجبر على أنك تأخذ القلم وتكتب، لو تركت الكتابة غصبًا عليك، الآن تضع الشريط في المسجل غصبًا عليك، الآن أنا أكلمكم غصبًا علي، هذا مذهب الجبرية، وهو جنون في الحقيقة.
والذين يقولون: إنك تتكلم وتفعل بغير مشيئة الله ولا قدرته، هذا أيضًا نوع من الجنون، أنت مخلوق لله عز وجل، صفاتك مخلوقة لله، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ إثبات المشيئة.
وعندي سؤال: هل المشيئة بتنقسم كالإرادة؟
* طالب: نعم.
* طالب: ما تنقسم.
* الشيخ: ما تنقسم؛ لأن المشيئة قسم واحد: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وتتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما سوى الشرع فهو طريق معوج، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
* ويستفاد منها أيضا: أن الشرع لا ضيق فيه ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صراط واسع، ومستقيم.
* ويستفاد منه: الإشارة إلى الطرق الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في سورة الفاتحة، وهي: الطريق الذين أنعم الله عليهم، وطريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، الذين أنعم الله عليهم هم الرسل وأتباعهم، والمغضوب عليهم اليهود وأمثالهم، والضالون النصارى وأمثالهم.
وهذا -أعني القول بأن الضالين هم النصارى وأمثالهم- قبل أن يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، أما لما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وكذبوه صاروا من المغضوب عليهم، من قسم اليهود؛ لأن اليهود كانوا مغضوبًا عليهم حيث جاء عيسى، فكذبوه بعد أن علموا الحق، وبعدما بعث عيسى واتبعه النصارى وطال الأمد ابتدعوا ما ابتدعوا من الدين، فضلوا، فصاروا ضالين، لكن لما بعث محمد ﷺ وكذبوه وأنكروه صاروا من قسم اليهود من المغضوب عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذه الأمة حيث يسليها بما وقع بغيرها، ولَّا لا؟ نعم، وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة، فالرسول عليه الصلاة والسلام «لما جاء أصحابه يشكون إليه في مكة أخبرهم بأن من كان قبلنا يوضع المنشار على رأسه، ويمشط به ما بين لحمه وعظمه، ثم لا يرده ذلك عن دينه[[أخرجه البخاري (٣٦١٢)، من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه.]] »، تثبيتًا للمؤمنين.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ما تقول: أنا مؤمن، فابدخل الجنة، لا، لا بد من إصابة.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل؛ حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة ويش لأجله؟ امتحانًا حتى يتبين ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد ٣١].
أظننا لا نعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار ولَّا لا؟ ولا نعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار، أيضًا ما يعرف المخلص إلا بالامتحان والابتلاء، فعليك يا أخي بالصبر، قد تؤذى على دينك، قد يستهزأ بك وربما تلاحق، وربما تراقب، ولكن اصبر واصدق، اصبر وانظر إلى ما حصل لأولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، الرسول عليه الصلاة والسلام كان ساجدًا لله في آمن بقعة على الأرض، ساجد ما آذى أحدًا ولا شيئًا، في آمن بقعة على الأرض وهو المسجد الحرام، فيأتي طغاة البشر، يأتون بالأذى والقذر سلا الناقة يضعونه عليه وهو ساجد، عليه الصلاة والسلام، هذا أمر عظيم، يعني: ما يصبر عليه إلا أولو العزم، ويبقى ذلك حتى تأتي ابنته الصغيرة فاطمة تزيله عن ظهره، فيبقى القوم يضحكون ويقهقهون[[أخرجه مسلم (١٧٩٤ / ١٠٧)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
أنا أعتقد أن الإنسان نفسيًّا إلا من عصمه الله وثبته، فسيمل، يتعب، يقول: ليش يفعل بي هذا؟ وعلى الأقل يختفي بدينه، لكن اصبر واحتسب واعلم أنه مهما كان، يعني مهما كان الأمر، غاية ما هنالك الموت، وإذا مت على الصبر في الله عز وجل انتقلت من دار إلى أيش؟ إلى خير منها، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠]، لا تكن هكذا، اصبر واحتسب، واعلم بأن ﴿اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨] وأن الله مع الصابرين، وأن لك أقوامًا من إخوانك يرقبون ما يحصل منك، فإذا صبرت شجعتهم وصبرتهم، وتعلمون أن الأمة أفراد إذا صلح فرد وفرد وفرد وفرد كونوا أمة.
وأيش اللغة هذه؟ الركِيَّة هي البئر إذا طاح منها واحد من حصاها اختلت ويطيح الجميع.
فالمهم أن الله عز وجل يسلي المؤمنين بمثل هذا، ويخبر أنه أصاب من قبلنا، أصابهم بأساء قلة مال وإعواز عظيم، فقر، مضرة في أبدانهم، يُضرَبون، ويجرحون، وربما يقتلون كما كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء بغير حق، وتأتيهم المخاوف العظيمة وزلزلوا.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يسأل النصر إلا من القادر عليه وهو الله؛ لقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة 214].
ويستفاد من ذلك: فضيلة اتباع الرسل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يتفقون على هذه الكلمة التي فيها استدعاء النصر ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾.
ويستفاد من هذه الآية: تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
ويستفاد منها: حكمة الله حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن مع أنه قريب ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الصبر على البلاء في ذات الله عز وجل من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٤٨٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٨٢٢ / ١) من حديث أنس بن مالك واللفظ له.]] أو لا؟ لأن هذه مكاره، ولكنها هي الطريق إلى الجنة.
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر، وهو من قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى آخره.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وقد سبق أن مآل الخلق إلى دارين لا ثالث لهما: إما الجنة وإما النار، فالجنة للمتقين والنار للكافرين.