تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٠٩﴾
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة ٢٠٩]، ﴿إِنْ زَلَلْتُمْ﴾ قال بعض العلماء: أي عدلتم، وقال آخرون: أي مِلتم، وهذا الأخير أقرب إلى معنى اللفظ؛ لأن الزَّلل مثل الزَّلَق في الدَّحْر؛ زَلَّتْ به قدمه يعني: هَوَت به، هَوَت به من دَحَض أو من عالٍ مِن دَرَج وما أشبه ذلك، وهذا أبلغ من (عدلتم)، يعني: إذا مِلتم عن الحق واتبعتم خطوات الشيطان ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢٠٩]، البيِّنات يعني صفة، هذه صفة لموصوف محذوف، أي الآيات البيِّنات والنصائح الظاهِرات، إذا زَلَلْتُم عن الحق ومِلْتم، وسمّى الله تعالى ذلك زَلَلًا؛ لأن في الميل والعدول عن الحق فيه هَلَكَة ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، مثل ما لو زَلَّ الإنسان وسقط في بئر مثلًا، أو زَلّ الإنسان وزلق وطاح في الشارع.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذا جواب الأمر، جواب (إن) (فاعلموا)، والمراد بالعلم ليس أن يبلغ ذلك إلى قلوبنا، ولكن أن نحذر ممن له العِزَّة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، والختم بهذين الاسمين يدل على أن الإنسان مُعرَّض للعقوبة أو واقع في العقوبة، وهنا يكون مُعرَّضًا للعقوبة ولّا لا؟ نعم، إذا زَلّ بعد أن جاءته البينة فقد عرَّض نفسه للعقوبة، وأما كونه كون ما خُتِمت به الآية عُقوبة فمثل قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، يقال: إن أعرابيًّا كان عند قارئ يقرأ هذه الآية، وكان القارئ يقول: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال له: لا، هذه ما هي صحيحة، اقرأ قال: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَالله غفور رحيم)؛ قال: ما يصح. أقول: إن الأعرابي قال: ما يمكن هذا، فلما قرأها الثالثة قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه عَزّ وحَكَمَ فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا استنتاج صحيح، ولهذا قال الله تعالى في الذين يسعون في الأرض فسادًا، قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، ولهذا قال العلماء: إذا تاب قُطَّاع الطريق قبل القُدرة عليهم سقطت عنهم العقوبة التي لله، فهنا يقول: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، إذن فأنتم قد عرضتم أنفسكم بعد الزلل الذي زللتم به من بعد ما جاءتكم البينات عرضتموها للهلاك.
ثم قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠]، ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: المكذِّبون الذين زلُّوا من بعْد ما جاءتهم البينات.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ (هل) استفهام بمعنى النفي، أي: ما ينظرون، و﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: ينتظرون، وتأتي بمعنى النظر بالعين، فإن عُدِّيت بـ(إلى) فهي النظر بالعين، وإن لم تُعَدَّ فهي بمعنى الانتظار، مثال الْمُعَدَّاة بـ(إلى) قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧]، ومثل قوله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.]]، ومثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]، الأولى بالضاد (ناضِرة)، والثانية بالظاء؛ لأن الأولى ناضرة يعني حسنة، والثانية من النظر بالعين، أما التي لا تتعدى بـ(إلى) فهي بمعنى: ينتظرون، مثل هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾ [البقرة ٢١٠] أي: ما ينتظر هؤلاء إلا أن يأتيهم، ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤] يعني: انتظِرْنا.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ هل معنى الآية ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ يعني: تأتيهم ظلل من الله؟
* طالب: لا ليس..
* الشيخ: كما لو قلت: إلا أن يأتيهم الله بعذاب من عنده؟
* طالب: لا (...).
* الشيخ: مثل ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢]، هل هي مثل هذه الآية؟ لا؛ لأنها عُدِّيت بـ (في) ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠] فلم يكُن المعنى أن يأتيهم ظُلل من الله، لا.
وقوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أضاف الفِعل إلى الله وهو على جادَّة أهل السُّنة والجماعة على ظاهِره وحقيقته، أي أن الله نفسَهُ يأتي، يأتي، وأما أهل التحريف فيقولون: إن معناه أن يأتيهم أمْر الله في ظُلل من الغمام، وهذا تحريف للقرآن عن ظاهِره بغير دليل إلا بدليل زعموه عقليًّا، وهو وهْميّ وليس عقليًّا، فنحن نقول: الذي نَسَبَ فِعْل الإتيان إليه مَنْ هو؟ الله عز وجل، وهو أعْلم بنفسِه، وهو يُريد أن يُبيِّن لعباده أو يُضلِّل عباده؟
* الطلبة: أن يُبين لعباده.
* الشيخ: أن يُبين، حاشاه أن يريد الإضلال، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، إذا كان الله يريد أن يُبين وهو أعْلم بنفسِه، فهل في كلامه عِيّ وعَجْز عن التعبير بما في نفسه؟ لا، هل كلامه فيه نقص في البلاغة؟ لا، إذن فكلامه في غاية ما يكون من العلم، وغاية ما يكون من إرادة الهدى، وغاية ما يكون من الفصاحة والبلاغة، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يُراد به ظاهره؟ أبدًا، لا يمكن، إلا إذا قال الله هو عن نفسه إنه ما أراد ذلك فنعم.
قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، أي: ما ينتظر المكذِّبون للرسول ﷺ إلا هذا اليوم الذي هو يوم القيامة، وهو الذي يأتي فيه الله عز وجلَّ للفصل بين عبادِه، يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، هنا (يأتي) فِعل مضارع، والفاعِل (الله)، وهو مضاف، وهو الفعل هنا مضاف إلى مَن؟ إلى الله، يعني مضاف في المعنى ما هو في الإعراب، فالفعل مضاف إلى الله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، وكل شيء أضافَه الله إلى نفسه فالمراد به حقيقة ذاته، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني بذاته، (استوى) فعل ماض يعود على الله، ينزل إلى السماء الدنيا؟
* طالب: بذاته .
* الشيخ: بذاته، ما دام أضيف إلى الله فالمراد هو ذاته سبحانه وتعالى، وكذلك يضحك يعني هو، يعْجَب هو، يأتي هو، يمشي هو، «أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، يأتي هرولة، وهكذا، فكل شيء أضافه الله إلى نفسه فالمراد إليه ذاته، إلا إذا قام الدليل على أن المراد غيره، مثل ما جاء في الحديث الصحيح: «عَبْدِي، جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي أَوِ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٩ / ٤٣) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا بيّنه الله عز وجل أن المراد استطعام، استطعام أحد من عباده، من عباده الصالحين، فإن قلت: ماذا تقول في قوله تعالى الحديث القدسي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» إلى آخره، ومعروف أن الخبر مُسنَد إلى المبتدأ (كُنْتُ) التاء هذه اسم (كان) وهي في الأصل مبتدأ، و(سمعه) خبر (كان) وهي في الأصل خبر، ومعروف أن الخبر مُسند إلى المبتدأ، فإذا قلت: زيد قائم، فالقيام لمن؟
* الطلبة: لزيد.
* الشيخ: لزيد، فكيف تقول في هذا الحديث القدسي: «كُنْتُ سَمْعَهُ»؟ هل تقول: إن الله عز وجل إن المراد كان الله ذاته سمعًا لهذا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نقول: «كُنْتُ سَمْعَهُ» على القاعِدة، لكن ليس معنى ما قال الله: إن السمع يكون هو الله، بل قال: «كُنْتُ سَمْعَهُ»، والمعنى أن الله تعالى يُسدِّد في سمعه وبصره وجوارحه، «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»، والحديث كله من أوله إلى آخره يدل على أن هذا أمْر مستحيل، «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي» إليّ عبدي، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون العابد هو المعبود، «أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، افترضت عليه، ما يمكن يكون الفارِض هو المفرُوض عليه. «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ» فهنا لا يزال عبدي، فالعبد لا يكون هو المعبود. «يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ»، ما يمكن يكون المتقرِّب هو المتقرَّب إليه، «حَتَّى أُحِبَّهُ» هناك حابّ ومحبوب. «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ»، ما يمكن إن الله يكون هو سمْع هذا المخلوق ما يمكن. أما اليد، قال: «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا»؛ لأن العمل باليد «وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]، فتبين أن القاعدة هي القاعدة، لكن يَمنع من أن يكون هذا الشيء هو الله يمنع هنا مثل ما قلنا الضمائر تدل كلها على أن هذين شيئان متباينان.
إذن ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ نطبّقها على القاعدة ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من اللي يأتي؟
* الطلبة: الله.
* الشيخ: الله نفسه، الذين يقولون: يأتي أمر الله نقول: هذا خطأ، قلتم على الله ما لا تعلمون، بل صرفتم كلام الله عن ظاهِره بغير دليل، الله يقول: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، وأنتم تقولون: يأتيهم أمر الله؟! جناية عظيمة على الله عز وجل، كيف يُثبت لنفسه إتيانًا وأنتم تقولون: لا يأتي وإنما الذي يأتي أمْره، لو كان الأمر كما قُلتم لزم أن يكون ظاهِر كتاب الله عز وجل أمرًا مستحيلًا على الله، فيكون القرآن بعد أن كان بيانًا للناس صار تعمِية للناس وتضليلًا للناس، ولّا لا؟ لأن الإنسان عندما يسمع أن ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ويقرؤها يقول: يأتي الله عز وجل نفسه، فإذا قلت: يأتي أمْره، فقد جعلتَ القرآن الذي هو بَيان جعلتَه تلبيسًا وتضليلًا، وجعلته أيضًا تعمية للخلق بعد أن كان موعظة وذكرى، ولو أن هؤلاء المتأوِّلين فكّروا في نتائج تأويلهم هذا ما استقرّت عليه أقدامهم أبدًا؛ لأنه لا يقوله مؤمن عاقل كما قال شيخنا في تفسيره: ما أحد يقوله وفي قلبه حبة خردل من إيمان، هذا تضليل عظيم ويلزم عليه لوازم من أبطل اللوازم، والشنقيطي رحمه الله أيضًا في تفسيره قال: إنه لا يَصرف مِثل هذه الآيات عن ظاهرها إلا من تنجَّس قلبُه بقذَر التشبيه؛ لأنه مثل ما قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه قال: هؤلاء المؤوِّلة إنما أوّلوا لاعتقادهم أن ظاهرها تشبيه، فشبّهوا أولًا وعطّلوا ثانيًا. فنحن نعتقد أن ما قال الله عن نفسه فهو حق؛ لأنه تعالى أعلم بنفسه، وأصدق قِيلًا، وأحسن حديثًا، وهو يريد أن يبين لعباده، والدليل على ذلك: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ما يريد أن يُخفي الأمر على عباده، وأن يظهر لهم القول بخلاف ما أراد، فإن هذا تعنُّت.
فإذا قال قائل: كيف يأتي؟ نقول: كيف هنا لا يخلو هذا الاستفهام إما أن يكون استبعادًا من الإنسان فليتُب إلى الله عز وجل؛ لأنه أنكر، يعني يقول: ويش لون يجي؟ كيف يجي؟ يعني قد يأتي الاستفهام للاستبعاد والإنكار فهذا أمر خطير، وإما أن يسأل عن الكيفية، يعني: أنا أومن بأنه يأتي لكن كيف يأتي، على أي كيفية؟ فنقول: هذا سؤال مبتدِع، وأظن الفرق بين السؤالين واضح؟ الأول: اللي قال: كيف يأتي؟ منكرًا، فهذا معناه التكذيب أو الشك، أما إذا قال: كيف يأتي؟ مؤمنًا بالأصل والمعنى سائلًا عن الكيفية، فماذا نقول له؟ نقول: هذا بدعة، ولا يجوز السؤال عن الكيفية؛ لأنه سؤال عن ما لا يمكن الجواب عنه، واضح؟ ما يمكن أحد يجيب، ولهذا اشتهر عن مالك رحمه الله أنه قال في الاستواء على العرش قال: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ »[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧).]]، فبيّن رحمه الله أن الكيف غير معقول، أي: لا تدركه عقولنا ولم يأتِ به الدليل السمعي، فإذا انتفى عنه الدليلان السمعي والعقلي فموقفنا أن نكُفّ عن ذلك.
وقال: السؤال عنه بدعة؛ لأن هذا ما كان معروفًا في عهد الصحابة رضي الله عنهم، والصحابة أحرص منا على الخير، وأفهم منا وأعقل، فقد جَمَعَ الله لهم الحرص، والفهم، والعقل، ولذلك ما سألوا؛ لأنهم يعلمون أن هذا أمر لا يُحاط به، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، وهكذا بقية الصفات، ما يُسأل عن الكيفية أبدًا، ولهذا قال بعضهم بعض أهل العلم قال: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: في النزول -يعني في حديث النزول- فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل ولم يخبرنا كيف ينزل. جواب تمام. فنقف على ما أخبرنا به ونسكت عما لم نُخْبَر به.
وقال آخرون: إذا قال لك الجهمي: كيف صفة كذا وكذا من صفات الله؟ فقل له: كيف ذاته؟ هل يكيّف ذاته؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، نقول: إذا كنت لا تعرف كيفية ذاته فإن كيفية الصفة فرْع عن كيفية الذات، فالعلم بكيفية الصفة لا يكون إلا بعد العِلم بكيفية الذات، وكما لا تعلم كيفية ذاتِه فلا نَعلم نحن كيفية صفاته، والأمر في هذا واضح. إذن نؤمن بالإتيان حقًّا وأنه يأتي سبحانه وتعالى حقيقة، ولكن على أي كيفية؟ الله أعلم، وهل هو على كيفية؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، على كيفية لكنها غير معلومة، ولهذا الإمام مالك قال: الكيف غير معقول، ما قال: لا كيفية له.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠] (في) معناها (مع)، يعني يأتي مصاحبًا لهذه الظُّلل، وإنما أخرجناها عن الأصْل الذي هو الظرفية؛ لأننا لو أخذناها على أنها الظرفية صارت مُحيطة بالله عز وجل، والله تعالى لا يُحيط به شيء من مخلوقاته، هو أعظم وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ونظير ذلك أن تقول: جاء فلان في الجماعة الفلانية، يعني معهم، وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه؛ لأن فلانًا يمكن أن تحيط به الجماعة، ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظُّلل.
وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، هذا الغمام يأتي مُقدِّمةً بين يدي مجيء الله عز وجل، كما قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان ٢٥]، فالسماء تشقّق، شوف ما قال: تَنْشق، قال: تشقق، كأنها تنبعث من كل جانب، تشقق بالغمام، والغمام قالوا: إنه السحاب الأبيض الرقيق، لكن ليس كسحاب الدنيا، الاسم هو الاسم، ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛ لأن المسميات في الآخرة وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم فإنها تختلف مثل ما تختلف الدنيا عن الآخرة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إي نعم، ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، يعني: وتأتيهم الملائكة أيضًا مُحيطةً بهم، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢١، ٢٢]، وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير وغيره أن السماوات تشقق، تتشقق السماء الدنيا بالغمام وتنزل الملائكة فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة، كل من وراء الآخر، ولهذا قال: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ يعني صفًّا بعد صف، ثم ينزل الرب عز وجل للقضاء بين عباده، ذلك النزول الذي يليق بعظمته وجلاله، ولا أحد يحيط به؛ لأنه تعالى لا يُحاط به كما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]، فالملائكة تُحيط بالخلائق، ثم ينزل الرب عز وجل فيقضي بين العباد، ولكن متى يكون هذا؟ ما يكون إلا بعد أن يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يُطيقون، فيذهبون إلى من يَشفع لهم عند الله أن يقضيَ بينهم فيريحهم من هذا الموقف، فيأتون إلى آدم ويذكرون له من مناقبه، ولكنه يعتذر بأنه أكل من الشجرة فعصى، يعتذر مع أنه تَابَ إلى الله واجتباهُ ربه وهداه، لكن مقام الشفاعة ليس بالأمر الهيِّن، الشافع لا يمكن أن يتقدّم إلى الشفاعة وهو يذكر أنه قد أذْنب في جانب المشفوع إليه؛ لأنه كما يقول العامَّة يعني: وجهه ما يستطيع يقابله، كيف يعصيه بالأمس ويجي اليوم يشفع لغيره؟! ولهذا يعتذر، ثم يأتون إلى نوح وهو أول الرسل، هذاك أول البشر، وهذا أول الرسل، يأتون إليه ولكنه يعتذر أيضًا، بماذا؟ بأنه سأل ما ليس له به عِلم ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥] وهل استغفر نوح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: استغفر؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ويش قال؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود ٤٦، ٤٧]، هذا استغفار، استغفار على سبيل الاعتراف بأنه لا بُدَّ له من أن يغفر الله له وإلا لكان خاسرًا، يأتون بعد ذلك إلى إبراهيم فيعتذر، بماذا؟ بأنه كذب ثلاث كذبات هي كذِب لكنها تورية، تورية كذب باعتبار المخاطَب ولّا حقيقة ليست بكذب. ثم يأتون إلى موسى فيعتذر، بماذا؟ بأنه قتل نفسًا لم يُؤمر بقتلها، ثم يأتون إلى عيسى ولا يذْكُر ذنبًا، ما يعتذر بذنب، لكنه يعتذر بفَضْل محمد عليه الصلاة والسلام عليه، فيقول: اذهبوا إلى مُحَمَّدٍ عبدٍ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤ / ٣٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. ولا شك أن هذا من المقام المحمود العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، الأنبياء يعتذرون، منهم من يذكر شيئًا مثلبة يخجل بها أن يكون شافعًا، ومنهم من لا يذْكُر شيئًا، لكن يرى أن في المكان مَنْ هو أحق منه وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فيأتون إلى النبي ﷺ فيسألونه أن يشفع إلى الله، ومع ذلك ما يشفع إلى الله مع كونه أوجَهَ الخلق عند الله، ما يشفع إلا بعد إذن الله، وهكذا الملك والعظمة والسلطان، أقرب الخلْق إليه ما يستطيع أن يتكلم بالشفاعة لغيره، ولا لمصلحته أيضًا، إلا بعد إذن الله، أكبر ملك من الملوك يمكن زوجته اللي هي محل وطئه تشفع ولّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بدون أن تستأذن، لكن الرب عز وجل لعظمته وسلطانه ما أحد يشفع إلا بعد أن يأذن، فيستأذن الله عز وجل فيأذن له فيسجد سجودًا طويلًا يفتح الله عليه من المحامِد والثناء على الله ما لم يفتحه عليه من قَبل، ثم يقول له: ارفع رأسك، وقل تُسمع، واشفع تُشفَّع، وسَل تعطَ، فيشفع إلى الله عز وجل فيأتي الرب عز وجل كما ذكر هنا.
﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة ٢١٠]، الملائكة تقدم لنا الكلام عليهم عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة ١٧٧]، وبيَّنّا أن الملائكة عالَم غيبي، وأنهم رسُلٌ مخلوقون، خلقهم الله عز وجل لعبادته، وأنهم يُسبِّحون الليل والنهار، ولّا في الليل والنهار؟
* الطلبة: الليل والنهار.
* الشيخ: بينهما فرق؟ الليل والنهار يعني دائمًا مستوعبين، أما (في) للظرفية يحتمل في بعض الليل، الليل والنهار.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، كلمة ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ اختلف فيها الْمُعْرِبون؛ فمنهم من قال: إنها معطوفة على ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾، فتكون في حيِّز الأمر المنتظَر: هل ينظرون إلا أن يأتيهم وإلا أن يُقضى الأمر، ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقُّق وقوعه، هكذا قال بعضهم، وعلى هذا فيكون محلّ الجملة النصب؛ لأن ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ محلها النصب بـ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يعني: هل ينظرون إلا إتيان الله، إتيان الله في ظلل من الغمام، وإتيان الملائكة، وانقضاء الأمر، هذا وجه، والوجه الثاني: أن قوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ جُملة مستأنَفة ﴿