×
البقرةالآيات ١٩٢–١٩٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٢﴾

وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٩٣﴾

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥﴾

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: فلا تقاتلوهم قد غفر لهم، أو: فاغفروا لهم وارحموهم، فالمعنى أنه إذا انتهى هؤلاء عن قتالهم فإن مغفرة الله ورحمته تسعهم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. (...) هذا أمر مُغَيًّا بغاية، غاية عدمية ولّا إيجابية؟ عدمية، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: حتى لا توجد فتنة، والفتنة هي الشرك والصد عن سبيل الله، الغاية الثانية إيجابية ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، بمعنى أن يكون الدين غالبًا ظاهرًا ما يعلو إلا الإسلام فقط، وما دونه فهو دين معلوٌّ عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا إذن القتال واجب إلى هاتين الغايتين: أن لا تكون فتنة، والثاني: أن يكون الدين لله. (...) مبتدأ و(الحرام) صفته، و(بالشهر) جار ومجرور خبره. وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ مبتدأ وخبر، ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، يعنى معناه أن الشهر الحرام يكون بدلًا عن الشهر الحرام. قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ يعني: عن قتالكم ورجعوا ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، يعني فإنه قد انتفى عنهم الظلم، وحينئذ لا يكون عليهم عدوان. وقوله هنا: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ قيل: إن معناه: فلا سبيل، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص ٢٨]، هذا في قصة موسى، ومعنى ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ يعني: لا سبيل عليّ، وقيل: لا عدوان عليّ؛ لأنه قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، فمعنى ﴿لَا عُدْوَانَ﴾ أي: لا مقاتلة لهم، وهو من باب مقابلة الشيء بمثله لفظًا؛ لأنه سببه. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ليس معناه أن فعلكم هذا عدوان، لكن لما صار سببه العدوان صح أن يُعَبَّر عنه بلفظه. وقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أين خبر (لا)؟ يجوز أن يكون خبرها الجار والمجرور في قوله: ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبرها محذوف، والتقدير: فلا عدوان حاصل أو كائن إلا على الظالمين. ثم قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وسبق الكلام عليها. وهذه الجملة الأولى لها معنيان؛ المعنى الأول: أنهم إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن مقاتلتكم إياهم في الشهر الحرام كمقاتلتهم إياكم في الشهر الحرام، فيكون هذا في مقابلة هذا. وقيل: معنى ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أنه لما صدوكم في الحديبية عن أداء العمرة في الشهر الحرام فإنكم ستقضونها في الشهر الحرام من العام القادم، فتكون عمرتكم في شهر حرام بدلًا عن الشهر الحرام، فيكون الشهر الحرام الأول السنة السادسة من الهجرة، والثاني السنة السابعة من الهجرة، يعني: فلا يغمكم ذلك ولا يحزنكم؛ فإنه إذا فاتكم أو إذا فاتتكم العمرة في هذا الشهر فإنها لن تفوتكم في الشهر الثاني، هذان معنيان؛ المعنى الأول أن الشهر الحرام يعني إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن قتالكم إياهم في شهر حرام مقابل لقتالهم إياكم في شهر حرام، وهذا من تمام العدل أن تعامل غيرك بمثل ما عاملك به، الوجه الثاني: الشهر الحرام الذي تقضون فيه العمرة من السنة السابعة بالشهر الحرام الذي فاتتكم فيه العمرة من السنة السادسة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى العمرة في السنة السادسة من الهجرة، ولكن كفار قريش لعنادهم وعصبيتهم والجاهلية منعوه أن يدخل مكة، وقاضاهم على أن يرجع من العام القادم وأن يعتمر، وأن يبقى فيها ثلاثة أيام كما هو معروف. وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ الحرمات جمع (حُرُم)، والمراد بالحرم كل ما يُحترم؛ لأن (حُرُم) جمع (حَرَام)، و(حُرُمات) جمع (حُرُم)، فالمعنى أن المحترَم يُقتص منه بمحترم آخر، وما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تُنتهك حرمته، فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر، ومن انتهك عرض مؤمن انتهكت عرضه بمثله، ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله، وهكذا. ﴿الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ الحرمات جمع (حُرُم)، والحُرُم جمع (حَرَام)، والمعنى أن كل شيء محترم يكون بدلًا عن الشيء المحترم الآخر، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها، ولكن الله تعالى سلّاهم بذلك بأن الحرمات قصاص، فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم. ولهذا قال مفرِّعًا على ذلك: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، أي: تجاوز الحد في معاملتكم، سواء كان ذلك بأخذ المال أو بقتل النفس أو بالعرض أو بما دون ذلك أو أكثر، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، قوله هنا:﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ليس أخذُنا بالقصاص اعتداء، لكنه سُمِّي اعتداء؛ لأنه مُسَبَّب عن الاعتداء، مسبب عنه، فكأنه يقول: أنتم إذا اعتدى عليكم أحد فخذوا حقكم منه، وسمى ذلك عدوانًا؛ لأن سببه؟ * الطلبة: العدوان. * الشيخ: العدوان؛ لأن سببه العدوان، ثم إن فيه نكتة أخرى وهي أنه من المعروف أن العادي يرى نفسه في مقام أعز من المعتدَى عليه وأرفع من المعتدى عليه، ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ولو كان يرى نفسه في مقام دون ما اعتدى، فكأنه يقول: إن قصاصكم أيضًا يعتبر مقام عز لكم كما أنه هو طغى واعتدى فأنتم الآن يعتبر قصاصكم بمنزلة المرتبة العليا بالنسبة إليهم، فيكون في ذلك سببان لكونه عبّر عن القصاص بالاعتداء، السبب الأول؟ * طالب: عبر عن القصاص.. * الشيخ: لسببين، السبب الأول؟ * طالب: أنه عبر عن القصاص بالاعتداء. * الشيخ: هذا هذا التعبير عن القصاص بالاعتداء له سببان؟ * طالب: أن سبب هذا هو الاعتداء. * الشيخ: نعم، عبّر عن القصاص بالاعتداء؛ لأن سببه الاعتداء، هذا واحد، الوجه الثاني؟ * طالب: أنه قد يُفهم من الاعتداء أن المعتدي قد يكون أعز من المعتدى عليه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: في مقاصتكم لهم فإنكم أعز منهم. * الشيخ: لا تعتبروا أنفسكم في مقام ذل، بل أنتم في مقام مثل ما جعلوا أنفسهم هم في هذا المقام، واضح؟ وقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ﴿بِمِثْلِ﴾، ادعى بعضهم أن الباء هنا زائدة وقال: إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم، على أن تكون ﴿مِثْلِ﴾ هنا مفعولًا مطلقًا، أي: عدوانًا أو اعتداء مثل اعتدائهم، ولكن الصواب أنها ليست زائدة وأنها أصلية، وأن المعنى: اعتدوا عليه بمثله، أن الباء للبدل، يعني: مثل ما تقول: اشتريت الشيء بدرهم، بحيث يكون المثل مطابقًا لما اعتُدِي عليكم به في هيئته وفي كيفيته وفي زمنه وفي مكانه، فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم؟ * الطلبة: فاعتدوا عليه. * الشيخ: فاقتلوه، إذا اعتدى أحد عليكم بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه، فيكون الباء هنا دالة على المقابلة والعوض كما هي في قولك: اشتريت الثوب بدرهم، فيكون المعنى أن هذا الاعتداء يكون مقابلًا تمامًا لما اعتدي به عليكم زمنًا ومكانًا، ويش بعد؟ * الطلبة: كيفية. * الشيخ: وكيفية، زمنًا ومكانًا وكيفية، ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، اتقوا الله أي: اتخذوا وقاية من عذابه، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان كما تعرفون إذا ظُلِم فإنه قد يكون عند الاقتصاص يتجاوز ويتعدى، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: فلذلك قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلا تتجاوزوا ما يجب لكم من القصاص. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ اعلموا، شوف أمرنا أن نعلم، وهذا أوكد من مجرد الخبر، هذا أوكد من مجرد الخبر، يعني لو قال: واتقوا الله إن الله مع المتقين، هذا خبر لا شك ومؤكد، لكن إذا قال: اعلموا، أبلغ، يعني: يجب أن تعلموا أن الله مع المتقين، فيكون هذا أبلغ من مجرد الخبر. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المتخذين وقاية من عذاب الله، وكثيرًا ما يذكر الله تعالى أنه مع المتقين، مع الصابرين، مع المؤمنين، وما أشبه ذلك، كما أنه ذكر أنه مع الخلق مطلقًا كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. وهذا يشمل المتقي وغير المتقي، كل نجوى ثلاثة يكون الله رابعهم، أدنى من ذلك، أكثر، يكون الله تعالى معهم أينما كانوا، بل أشد من ذلك أن الله تعالى قد يذكر معيته مع المنافقين، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]. فهنا ذُكِرت المعية على ثلاثة أوجه: ذكرت باعتبار وصف محمود، مثل: مع المتقين، مع الصابرين، وما أشبه ذلك، وذكرت باعتبار وصف مذموم، مثل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، وذكرت مجردة عن هذا وهذا، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾، وكما في قوله أيضًا في سورة الحديد التي تلتها سورة (قد سمع) قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤]، فلا بد لنا هنا من عدة أمور؛ الأمر الأول: هل ما ذكر من معية الله تعالى في هذه الأمور الثلاثة هل ينافي علو الله أو لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: الجواب: لا ينافيه، لا شك أنه لا ينافيه، لماذا لا ينافي علو الله، كيف نقول: إن الله مع هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، ونقول: إنه لا ينافي علوه؟ الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بينهما في كتابه، وما جمع الله بينهما في كتابه فليس بينهما تناقض، الدليل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، كل شيء تراه في القرآن فإنه ما يمكن يتناقض؛ إذ لو جاز التناقض في خبر الله عز وجل لكان معناه أن أحد الخبرين؟ * طالب: كذب. * الشيخ: كذب، وهذا مستحيل في أخبار الله عز وجل، إذن لا تناقض؛ لأن الله جمع بينهما في القرآن، ثانيًا الوجه الثاني: لا تناقض بين معنى العلو ومعنى المعية، فإن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقولون: نسير والنجم معنا، ويقولون: نسير والجبل الفلاني معنا، وهو بعيد عنهم، القمر موضوع في السماء، والنجم موضوع في السماء، والجبل بعيد (...) يشاهدونه، ومع ذلك يقولون: إنه معنا، فهل لزم من المعية أن يكون الشيء مخالطًا لك؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، قد يكون معك وهو بعيد جدًّا عنك، إذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق فهل يكون ممتنعًا في حق الخالق؟ الجواب: لا؛ لأن لله تعالى أعظم وأوسع وأعم إحاطة من خلقه سبحانه وتعالى، السماوات السبع كلها والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا، واضح؟ الوجه الثالث: أن يقال: لو قُدِّر أن بينهما -أي: بين المعية والعلو- تناقضًا في حق المخلوق، فإن ذلك لا يكون في حق الخالق، لماذا؟ قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: فإن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه قريب في علوّه. الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يمكن أن تقيس الله بالخلق أبدًا، الذي يقيس الخالق بالمخلوق لا شك أنه ظالم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فبهذه الوجوه الثلاثة علمنا أن ما أثبت الله لنفسه من المعية فإنه لا ينافي علوه، ولكن يجب أن نعلم أن هذه المعيات الثلاث تختلف بحسب مقتضياتها، فمثل المعية التي عُلِّقَت بوصف محمود ويش مقتضاها؟ مقتضاها مع الإحاطة النصر والتأييد والتثبيت، وما إلى ذلك، هذا مقتضاها. فهنا ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني: بنصرهم وتأييدهم وتثبيتهم وتطمين قلوبهم ومساعدتهم على لزوم التقوى، كذلك ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ و﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وما أشبه ذلك. واعلم أن هذا القسم من المعية تارة يعلَّق بشخص وتارة يعلق بوصف، المعية الخاصة تارة تعلق بوصف وتارة تعلق بشخص، ويش مثال المعلقة بشخص؟ قوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، هذه معية مقيدة بشخص، مع من؟ مع الرسول ﷺ وأبي بكر، وقال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] هذه مقيدة بشخص. أما المقيدة بالوصف فمثل قوله: ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وما أشبه ذلك، هذه مقيدة بالوصف، ويسمي العلماء هذه المعية التي تقتضي النصر والتأييد والتثبيت يسمونها المعية الخاصة؛ لأنها تقتضي نصرًا وتأييدًا بهذا المعيَّن بوصفه أو شخصه. أما الثاني الذي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]، فهذه معية تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. أما الثالثة: التي عُلِّقت بوصف مذموم فإنها تقتضي مع الإحاطة التهديد، تقتضي التهديد لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الرب عز وجل وهو معهم، هذه مقتضيات المعية عند أهل السنة والجماعة، وأنكروا غاية الإنكار على من زعم أن مقتضاها أن الله مختلط بالخلق وحالٌّ في أمكنتهم أو حالٌّ في أعيانهم، والعياذ بالله، وهذا مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم، يقولون: إن الله عز وجل مع الخلق في أمكنتهم، نسأل الله العافية، فلا يُنَزِّهُون الله تعالى عما ينزهون منه أدنى أولادهم، على رأيهم الباطل الفاسد يقتضي أن الله تعالى يكون مع الإنسان في أخبث مكان؛ أو لا؟ لأن هذا مذهبهم، ويقتضي الذين يقولون: إنه مختلط حتى بأعيان المخلوقات لا مشاركًا لها في الأماكن يقتضي أن يكون الخالق جل وعلا حالًّا في ذات أخبث الحيوانات، هؤلاء يدّعون أنهم من أهل القبلة وأنهم من المسلمين، وصاروا أخبث من النصارى، النصارى ويش قالوا؟ إن الله حالٌّ فيمن؟ * الطلبة: في عيسى. * الشيخ: في عيسى، عيسى نبي من الأنبياء رسول من الرسل من أولي العزم، لكن أولئك -والعياذ بالله- أهل الحلول يقولون: إنه حالٌّ حتى في أخبث الأبدان من الحيوانات، نسأل الله العافية؛ دعنا من الذين يقولون بوحدة الوجود عاد هذا دول ناس آخرين أخبث من هؤلاء وأخبث. إذن المعية عند أهل السنة والجماعة لا تقتضي، ما نقول: لا تستلزم فقط، لا تقتضي أبدًا بأي حال من الأحوال أن يكون الخالق مخالطًا للخلق لا في أمكنتهم ولا في ذواتهم؛ فإن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، واضح؟ لكنها تختلف مقتضياتها حسب ما أشرنا إليه، قد تقتضي التهديد، وقد تقتضي النصر والتأييد، وقد تقتضي مجرد الإحاطة والعلم، فهنا لا يلتبس عليك الأمر ولا يكون في ذهنك أو في فهمك هذا المذهب الخبيث. ومن العجائب أن قدماء الجهمية قالوا بالحلول الذي أشرت إليه، وأن متأخريهم قالوا بالنفي المحض، قالوا: إن الله لا يوجد في مكان، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، ما في شيء، ولهذا قال بعض العلماء: لو قال لنا قائل: صفوا لنا العدم، ما وصفناه بأحسن من هذا الوصف، هذا وصف محيط، نسأل الله العافية والسلامة، فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: نحن نؤمن بأن الله تعالى قد استوى على عرشه بذاته، وأنه عليٌّ على خلقه، وأن علوَّه من لوازم ذاته، وأن ما وصف الله به نفسه من كونه ينزل إلى السماء الدنيا، وكونه يقرب من بعض عباده، وكونه مع الخلق، كل هذا لا ينافي علوّه؛ لأن الله عز وجل محيط بكل شيء، فهو كما قال شيخ الإسلام: قريب في علوّه علِيٌّ في دنوه. ولكن الشيء الذي يعتري الإنسان في هذه الأمور والشبه التي تعتريه حيث يظن أن الخالق مثل المخلوق، فيقول: كيف يكون في السماء وعلى العرش ثم تقول: إنه معك، كيف يكون فوق السماء على العرش ثم تقول: يقرب منك؟ «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ لمسلم. ]] وما أشبه ذلك، فنقول: إن هذا الفهم إنما جاءك حيث ظننت أن صفات الخالق كصفات المخلوق، الآن انظر في نفسك روحك التي بين جنبيك هل صفاتها كصفات الجسم؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، تروح في الليل إذا نمت يمين ويسار وترجع، وإذا مات الإنسان صُعِدَ بها إلى السماء حتى تصل إلى السماء السابعة قبل أن يُدفن ثم ترجع، هل يتصور هذا أن يكون الجسم ولا ما يتصور؟ * الطلبة: ما يتصور. * الشيخ: ما يتصور أن الجسم يصعد بهذه السرعة ويرجع بهذه السرعة، فإذا كان هذا في مخلوقات من مخلوقات الله عز وجل ما يمكن أن تقيسه على الجسم فكيف بالخالق؟ يقول بعض المشبهة، بعض الناس اللي عندنا هنا في بلادنا يقولون: تقولون: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، معنى ذلك أنه دائمًا نازل؛ لأن ثلث الليل مستمر، مستمر دائمًا، إذا طلع الفجر عندنا وإذا باقي شوية على اللي غرب عنا؟ نقول: هذا قولوا: إن الرسول كذب، أحسن، الرسول عليه الصلاة والسلام قال ها الكلام يخاطب جماعة أصح منا عقولًا وأعمق منا فهمًا ما أوردوا هذا الإيراد؛ لأنهم يعرفون أن الرب عز وجل ليس كالمخلوق، الله سبحانه وتعالى يصح أن نقول: إنه الآن نازل في الثلث الآخر من الليل في هذه الجهة من الأرض، يعني نزل إلى السماء الدنيا حين يكون ثلث الليل الآخر على هذه الجهة من الأرض، والجهة الأخرى اللي عندهم صباح أو عندهم أول الليل يكون نازلًا ولَّا لا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يكون نازلًا، والله على كل شيء قدير، فلا يجوز للإنسان أن يرد ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله بمثل هذه .. (...) للجهاد في سبيل الله؛ لأن الآية كما ترون هذه في سياق الجهاد، كما أنها في مقدمة الحج، في مقدمة آيات الحج، فيدخل فيها الإنفاق في الحج ولَّا لا؟ نعم، يدخل فيها. قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قال: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ بعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة، أي: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والصواب أنها أصلية وليست بزائدة، وأن معنى (ألقى بيده) أقوى من معنى (ألقى يده)؛ لأن ألقى بيده أي أنه وضع يده فلم يكن بها حراك، بخلاف ألقى يده إلى التهلكة، وأيضًا يمنع أن نقول: المعنى ألقى يده، يمنعه قوله: ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ إذ لو كان المعنى ألقى يده لقال: في التهلكة، ولم يقل: إلى التهلكة، فالباء أصلية، والمعنى: لا تلقوا بها، بمعنى أن لا يكون منها حراك، ألقى بيده كما يقول: ألقى بعصاه، ألقى بيده إلى التهلكة كأنه سلّمها إلى التهلكة، و(التهلكة) (تَفْعِلَة) من الهلاك، والمعنى: لا تلقوها إلى ما يهلككم. فما معنى قوله: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ المعنى: لا تلقوا بها إلى ما فيه الهلاك، الحسي أو المعنوي؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: أو كلاهما؟ كلاهما، نعم؛ لأنها وردت فيمن امتنعوا عن القتال أو امتنعوا عن البذل في سبيل الله، وهذا هلاك حسي ولّا معنوي؟ * طالب: معنوي. * الشيخ: هذا هلاك معنوي؛ لأنهم أهلكوا أنفسهم بترك ما يجب عليهم من الجهاد والإنفاق فيه، على أن هذا الهلاك المعنوي يترتب عليه الهلاك الحسي؛ لأنهم إذا تركوا قتال الأعداء قاتلهم الأعداء وتسلطوا عليهم، وإذا تركوا الإنفاق في سبيل الله لقتال الأعداء أيضًا تسلطوا عليهم، كذلك يدخل فيها الإلقاء بالتهلكة، الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه للمخاطر، ما يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للمخاطر مثل أن يلقي نفسه في نار أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط أو ما أشبه ذلك، فإن هذا حرام، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٩]، حيث يدخل في هذه الآية ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كل ما يؤدي إلى ضرر للبدن وإن لم يصل إلى درجة القتل، الدليل: «أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول ﷺ في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه[[أخرجه أبو داود (٣٣٤)، والبخاري تعليقًا (١ /٧٧) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه بلفظ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». ]] ». مع أنه لو اغتسل يقينًا بيموت؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما (...) على كل حال، لكن دلت الآية على أن ما كان سببًا للضرر فإنه داخل في النهي، كل شيء يضر البدن فإنك منهي عنه، ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان؟ * الطلبة: حرام. * الشيخ: حلال. * الطلبة: حرام. * الشيخ: حرام؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: لأنه يضر. * الشيخ: لأنه يضر باتفاق الأطباء أنه ضار، كما أن فيه ضياعًا للمال أيضًا، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال. إذن ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ يشمل الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية والمعنوية. ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أَحْسِنُوا﴾ فعل أمر، ثم علّل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، الأمر بالإحسان يشمل الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى المخلوق، الإحسان في عبادة الخالق وفي معاملة المخلوق، فما هو الإحسان في عبادة الخالق؟ الإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، الفرق بين الجملتين ظاهر جدًّا، فالأولى: عبادة طلب، والثانية: عبادة خوف، تعبد الله كأنك تراه تطلبه، أو إن لم تكن تراه فإنه يراك تخاف منه، والمرتبة الثانية أدون ولّا أعلى؟ * الطلبة: أعلى. * الشيخ: المرتبة الثانية أعلى؟ * طالب: أدون. * الشيخ: أدون، ولهذا قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ»، فالمرتبة الأولى أعلى، أن تعبد الله طلبًا للوصول إليه لا خوفًا من عقابه، وإن كان العبادة للأمرين جميعًا، لكن الأولى أعلى، أعلى شأنًا، أما الإحسان في معاملة الخلق فإن الإحسان في معاملة الخلق جمعها كلمة واحدة من الرسول ﷺ: «أَنْ تَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ»[[معجم الصحابة لابن قانع (١ / ٢٤٩) من حديث سعد بن الأخرم الطائي بلفظ: «وَتَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ».]]، هذه كلمة جامعة أن تأتي إلى الناس ما تحب أن يأتوا إليك، إذا عامل الرجل الناس على هذا المنهاج أحسن ولّا ما أحسن؟ * الطلبة: أحسن. * الشيخ: طيب، رجل عنده سلعة فيها عيب، لكنه عيب لا يَبِين، فباعها إلى شخص ولا أخبره، يكون محسنًا في المعاملة؟ * طالب: غير محسن. * الشيخ: لأيش؟ * طالب: لأنه ما أخبره. * الشيخ: لا؛ لأنه لا يحب أن يأتي إليه أحد بهذه المعاملة، ما يحب، إذن ما أحسن، لكن عامله وقال: إن في السلعة عيبًا هو كذا وكذا يكون محسنًا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يكون محسنًا، كذا؟ طيب، بعض الناس بهذه المناسبة يريد أن يبيع سلعة ويعرف أن بها عيب، فيعرضها للبيع ويقول: ترى تشتريها على أي صفة كانت ترى كل عيب بها، كل عيب بها، إن كانت سيارة يقول: ترى ما بعت عليك إلا الكفرات ولا طار القيادة فقط، ولا أحد عيونها، يجوز هذا ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: هل يعقل واحد يشتري مثلًا بستة آلاف يشرط طار القيادة أو كفرًا ما يسوى إلا مئتين ريال لو هو جديد، معقول هذا ولَّا لا؟ * طالب: غير معقول. * الشيخ: لكن هم يقولون هكذا علشان لو يلقى بها عيب ويجي يقول: أبغي أرده لأجل العيب، قالوا: إحنا شارطين عليك، فما رأيكم في هذه المعاملة؟ إحسان ولّا إساءة؟ * الطلبة: إساءة. * الشيخ: إساءة، إذن يجب أنه يبيّن، نعم لو فُرِض أن هذا الرجل اشترى هذه السيارة ولا علم أن بها عيبًا ثم باعها وخاف أن تُرد عليه بعيب فاشترط مثل هذه الشروط، فإن هذا جائز، هذا جائز، وهذا القول هو الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن من علم بالعيب فكتمه ولو شرط البراءة من العيوب فإنها تلزمه، والمذهب يقولون: إن أبرأه من العيوب بعد العقد برئ، وإن أبرأه قبل لم يبرأ، ولكن الصواب أن المسألة ما ترجع إلى الإبراء قبل العقد أو بعده وإنما ترجع إلى علم الإنسان، علم البائع بالعيب أو عدم علمه، فإن كان عالمًا لم يبرأ إلا إذا عيّنه قال: ترى فيها العيب الفلاني، ورضي، هو دخل على بصيرة، وإن لم يكن عالمًا برئ. * طالب: ويش لون قول المذهب: يبرأ؟ * الشيخ: المذهب، بعت عليّ سيارة، ويوم بعته ابتعت، إحنا الآن في مجلس الخيار، تراك تصبر بكل عيب فيها، وقلت: أنا صابر، وهو يدري أن بها العيب الفلاني لكنه ما معلّمك، المذهب يقولون: إنه يبرأ، لو وجد عيبًا ما يرده عليك، لماذا؟ لأنه أسقط الحق بعد ثبوته بالعقد، أما لو قلت: أبغي أبيع عليك السيارة هذه وترى فيها كل عيب، وقلت: أنا راضي وشريتها منك، فإنني لا يلزمني هذا، إذا وجدت العيب أردها عليك، إذا قال: ها ما كنت سقت الخيار، قلت: نعم، سقته قبل أن يثبت؛ لأنه ما يثبت الخيار إلا بعد العقد، واضح؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لكن الصواب الذي ذكر شيخ الإسلام أنه هو المروي عن الصحابة أن المدار على أيش؟ * الطلبة: علم البائع. * الشيخ: على علم البائع أو عدم علمه. * طالب: تبيين عيب السلعة حتى لو لم يطلب المشتري؟ * الشيخ: نعم لو لم يطلب المشتري «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».[[متفق عليه؛ البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥ / ٧١)، من حديث أنس رضي الله عنه.]] قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافيًا للمؤمن أن يقوم بالإحسان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، إخواني، الإنسان ربما يصب لشخص كأسًا من الماء من البرّاد ليسقيه، هذا إحسان؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إحسان ولَّا لا؟ * الطلبة: إحسان. * الشيخ: إحسان، إذا فعلت هذا فاستشعر أن الله يحبك، الله يحبك؛ لأن هذه نقطة مهمة ومفيدة، أنك إذا فعلت الإحسان تشعر بأنك ترجو بذلك محبة الله؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، إذا أخبرت أخاك بمسألة من العلم فهمتها إحسان ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إحسان، استشعر هذا المعنى أنك بهذا العمل تعرضت لمحبة الله عز وجل وهكذا. (...) وجوب قتال الكفار حتى ينتهوا عن الفتن؛ لقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. * ويُستفاد منها: أنه إذا زالت الفتنة وقيامهم ضد الدعوة الإسلامية وذلك ببذل الجزية فإنهم لا يقاتَلون. * ويستفاد منها: أنهم إذا انتهوا إما عن الشرك بالإسلام وإما عن الفتنة بالاستسلام فإنه لا يُعتدى عليهم؛ لقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾، وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة للفعل، يعني أن تسمية المجازاة اعتداء من باب المماثلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل. ثم قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمسلمين بأنه إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها بالشهر الحرام من السنة الثانية كما حصل ذلك. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحرمات قصاص، يعني أن من انتهك حرمتك فلك أن تنتهك حرمته مثلًا بمثل، ولهذا فرّع عليها قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن المعتدي لا يجازَى بأكثر من عدوانه؛ لقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي للتشفي، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يُقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان أو نائبه خوفًا من الاعتداء، أن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه فيعتدي أكثر ثم يمثّل به أو ما أشبه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل في معاملة الآخرين، وفي كل حال؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله.. ها؟ * الطلبة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. * الشيخ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. * ومن فوائدها: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، لم يقتصر على مجرد أن يخبر بها، بل أمرنا أن نعلم بذلك، وهذا أمر فوق مجرد الإخبار. * ومن فوائدها أيضًا: إحاطة الله عز وجل بالخلق وتأييده للمتقين الذين يقومون بتقواهم، ووجه ذلك أنه من المعلوم بالعقل والفطرة والكتاب والسنة من المعلوم أن الله فوق جميع الخلق، ومع ذلك فقد أثبت أنه مع الخلق، وهذا دليل على إحاطته سبحانه وتعالى، وليس معنى كونه مع الخلق أنه مختلط بهم أو حالٌّ في أمكنتهم كما ذهب إلى هذا الوهم الفاسد مَن؟ * الطلبة: الحلولية. * الشيخ: الحلولية من الجهمية وغيرهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التقوى حيث ينال العبد بها أيش؟ معية الله، فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك ويؤيدك ويثبّتك، فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق في سبيل الله. * طالب: ﴿أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: وجوب، من أين عرفت الوجوب؟ * الطالب: الأمر. * الشيخ: الأصل في الأمر؟ * الطالب: الوجوب. * الشيخ: الوجوب، هل يدخل في هذا الزكاة ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم، تدخل، هي أول ما يدخل؛ لأن هي أوجب ما يجب، أوجب ما يكون من الإنفاق في سبيل الله الزكاة، أوجب من الإنفاق في الجهاد وفي صلة الرحم وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في العمل، من أين؟ * الطلبة: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويدخل في هذا كما قلنا في التفسير القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان ٦٧]، لا تقل: أريد أن أنفق وأنفق كل شيء، لا تسرف ولا تقتر. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقد سبق في التفسير أن الإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب وفعل المحرم، أو بعبارة أعم يتناول كل ما فيه هلاك على الإنسان وخطر في دينه أو دنياه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان؛ لقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ أما الإحسان الذي به تمام الواجب فهو للوجوب، وأما الإحسان الذي به كمال العمل فهو للاستحباب، فمثلًا إذا قُرِن الإحسان بالعدل صار الإحسان على سبيل.. * طالب: الوجوب. * الشيخ: لا، على سبيل الاستحباب؛ لأن العدل هو الواجب، فيكون الإحسان فضلًا زائدًا عن الواجب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإحسان، من أين تؤخذ؟ * الطلبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهي محبة حقيقة على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرّفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة. وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن شبهتهم هو أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وبيّنّا بطلان هذا التعليل، وأنه مخالف للنص ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت في السمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئيين غير متناسبين، فقد أثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن أُحُدًا وهو حصى «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣ / ٥٠٤) من حديث أنس رضي الله عنه.]]، والإنسان يجد أن دابته تحبه، البعير إذا سمعت صوت صاحبها حنّت إليه وأتت إليه، وكذلك غيرها من المواشي.