×

البقرة

الآية ١٩٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حيث: ظرف مبني على الضم، ظرف مكان ولّا زمان؟ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، يعني اقتلوهم في أي مكان. شوف الأول يقول: ﴿قَاتِلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَاقْتُلُوا﴾ أيهما أشد؟ القتل أشد، يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكمًا فإننا نقتله في أي مكان، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ لكنه يستثنى ما سيأتي إن شاء الله في الآيات، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١]. * طالب: شيخ، الجزية ما الحكمة منها (...). * الشيخ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني في أي مكان، يستثنى منه ما هو؟ المسجد الحرام ﴿لَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١]. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١] قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ﴾ ولم يقل: أخرجوهم حيث أخرجوكم؛ لأن الإخراج يكون من شيء إلى شيء، أما القتال فيكون في شيء، القتال يكون في مكان، والإخراج يكون من المكان. ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلا إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد وأخرجوا المسلمين منها، فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم، فإذا قاتلوهم يخرجونهم ولّا لا؟ نعم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجونا، فهم الذين اعتدوا علينا واحتلوا بلادنا، فنخرجهم من حيث أخرجونا. واعلم أن أحق الناس ببلاد الله الصالحون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ من ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]. فالأرض ما هي بأرض فلان ولا أرض الجنس الفلاني ولا الجنس الفلاني، الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن الذي يرثها عباده الصالحون، هؤلاء هم الذين يرثونها شرعا وقدرا أيضًا، وقدرا فإن الله تعالى يجعل العاقبة للمتقين. إذن ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ نقول: أخرجوهم من البلاد التي أخرجوكم منهما؛ لأن الحق لكم، أنتم الذين ظُلِمتم وأُخرِجتم من دياركم، فأخرجوا هؤلاء الكفار منها. ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة ١٩١] الفتنة ما هي؟ الفتنة صد الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، ففتنة الناس أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا، لكن الفتنة نقطعهم من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]. وفي هذا دليل -وإن كان ينبغي أن يجعل في الفوائد- على أن استعمار الأفكار أشد من استعمار الديار، وأن الكفار إذا تسلطوا على المسلمين بصدهم عن دينهم فهو أعظم من احتلال ديارهم، الفتنة أشد من القتل. قريش هل فتنوا المؤمنين؟ نعم، فتنوهم أيّ فتنة، فتنوهم، عذبوهم، قتلوهم، صاروا يعذبونهم بالرمضاء في شدة الحر، أذية ما فوقها أذية، هذا أشد من القتل، يعني لو فرض أن المسلمين قتلوا أحدا من المشركين فإن فتنة المشركين للمسلمين أعظم وأشد. * طالب: شيخ، صار المسلمين دول، ففيه دولة أخرجت من ديارها، هل يجب على المسلمين كلهم أن.. * الشيخ: نعم يجب عليهم مع القدرة أن يعينوا هؤلاء حتى يطردوا أعداءهم عن بلادهم. * الطالب: طيب بعض الدول بينها وبين الكفار هادول اللي أخرجوا المسلمين معاهدة يجب عليهم ولّا ما يجب؟ * الشيخ: لا، يبينوا لهم، لكنهم إذا نقضوا، عند أهل العلم إذا نقضوا العهد في طائفة من المؤمنين انتقض العهد، حتى لو بيننا وبينهم عهد، الرسول عليه الصلاة والسلام جعل نقض قريش العهد بمعاونتهم حلفاءهم نقضا لعهده، مع أنهم ما فعلوا إلا أنهم ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، على حلفاء الرسول وهم إلى الآن ما بعد أسلموا، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا نقضا للعهد، فإذا اعتدوا على أحد من المسلمين فقد نقضوا العهد، فسيأتي إن شاء الله هذا في.. يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١] لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام يعني في مكة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد نفسه وما عنده فهو البلد، يعني لا تقاتلوهم في مكة حتى يقاتلوكم فيه. و(في) هنا الظاهر أنها للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، أي: حتى يقاتلوكم بسببه. ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] إن قاتلوكم حتى عند المسجد الحرام؟ حتى عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا حتى عند المسجد الحرام فإننا نقاتلهم. هذه الآية هي منسوخة ولّا لا؟ لا، هذه الآية غير منسوخة. فإن قال قائل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، فهذا دليل على أن الآية هذه منسوخة. فالجواب على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريد بذلك قتال أهل مكة والدخول عليهم، عنوة هذا لا يجوز، أما إذا قاتلونا فإننا نقاتلهم من باب المدافعة، ولا أحد يقول: إنه إذا قاتلك المشرك في مكة فاستسلم، أبدا ما أحد يقول بهذا. فنحن لا نبدؤهم بالقتال، حتى على الفرض الممتنع؛ لو أن أهل مكة ارتدوا فإننا لا نقاتلهم، وإنما قلت: على الفرض الممتنع؛ لأن أهل مكة لا يمكن أن يرتدوا، ويش الدليل؟ الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. ]]، فإن نفي الهجرة من مكة بعد الفتح دليل على أنها ستبقى بلاد إسلام، وإلا لأمكن أن يرتد أهلها ويكون منها الهجرة. الحاصل نقول: إننا لا يجوز أن نبدأ أهل الحرم بقتال أبدا، لكن إن قاتلونا في الحرم فإننا نقاتل مدافعة حتى تهدأ الفتنة. ولهذا قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ١٩١] كذلك: المشار إليه ما سبق من الأحكام في الأمر بالقتال، أي مثل هذا الجزاء، وهو أمرنا لكم بقتال الكفار المقاتلين لكم نجزي الكافرين، وعلى هذا فيكون القتال عاما لكل كافر، فإن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار -كما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها- وجوبا. والجهاد في سبيل الله فرض كفاية في الأصل، وقد يكون فرض عين، وذكروا أنه يكون فرض عين في مواضع: الموضع الأول: إذا حضره، فإنه يكون فرض عين، ما يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥، ١٦]. الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو، إذا حصره فإنه يتعين القتال، من أجل فك الحصار عن البلد، ولأنه يشبه من حضر صف القتال. الموضع الثالث: إذا احتيج إليه، إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه؛ إما لرأيه أو لقوته أو لأي عمل يكون، فإذا كان محتاجا إليه فإنه يتعين عليه. والموضع الرابع: إذا استنفره الإمام، إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا ولا يتخلف أحد، وإلا فهو فرض كفاية. واعلم أن الفرض، سواء قلنا: فرض عين، أو فرض كفاية، لا يكون فرضا إلا إذا كان هناك قدرة، أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٩١]، فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا، وإلا لأثمنا جميع الناس مع عدم القدرة، ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل. ولهذا قيدها الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة ٩١] ليس على هؤلاء الثلاثة حرج، بشرط، ما هو؟ ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فأما مع عدم النصح لله ورسوله فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقه. فالحاصل أننا نقول: إن القتال فرض كفاية ويتعين في مواضع، وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة، أما مع العجز فلا يجب، لكن يجب أن يكون العزم معقودا على أنه إذا حصل القوة جاهدنا في سبيل الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨)، وأبو داود (٢٥٠٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، والعياذ بالله. فيها قراءات هنا، اللي عندنا ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الجمل أربع: ولا تقاتلوهم، حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم، فاقتلوهم، هذه أربع جمل كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة، كلها بصيغة المفاعلة (قاتل) إلا واحدة وهي الأخيرة ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ شوف هذه القراءات اللي عندي، يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ كل الأربعة (قتل) بدون صيغة مفاعلة، ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقتْلُوهُمْ﴾ وعلى هذا فتكون الأربعة كلها بغير صيغة المفاعلة، ولكن القراءة هذه أبلغ، حيث إن الله عز وجل نهى عن المقاتلة إلا بمقاتلة، وإذا حصلت المقاتلة لا تقتصروا على المقاتلة، ماذا تفعلون؟ تقتلون، إذا قاتلوا فاقتلوا، وهذا أبلغ وأقوم، وإن كان كله حقا؛ لأن القراءات كلها قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون بعضها يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، ويصير (لا تقاتلوهم): لا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وقطعا ما هو معناه أنه لا تقتلوهم حتى يقتلوكم كلكم، إذا قتلوكم كلكم ما فيه شيء، لكن حتى يقتلوكم ولو واحدا منكم؛ لأن قتل واحد منا كقتل الجميع، ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد في واحد من المسلمين انتقض العهد، قالوا: إذا اعتدى على مسلم بقتل أو زنا أو ما أشبه ذلك فإنه ينتقض عهده، مع أنه ما نقض العهد بالنسبة للعموم لكن الواحد منا يعتبر ممثلا للجميع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠ / ٢٠) من حديث علي بن أبي طالب. ]]. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢] إن انتهوا، ويش عنه؟ عن المقاتلة، إن انتهوا عن المقاتلة فإن الله غفور رحيم، يعني فاغفروا لهم ولا تقاتلوهم. وهل يدل هذا على أنهم إذا انتهوا عن المقاتلة غفر لهم بدون إسلام؟ لا، لكن ﴿إِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني فاغفروا لهم؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، يعني ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ما داموا تابوا، فهؤلاء أيضًا إن انتهوا ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم. * طالب: يمكن لها معنى يا شيخ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني ما يجب عليكم القتال إذا انتهوا غفور لكم. * الشيخ: يحتمل هذا أيضًا ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والله فيه احتمال لكنها فيها شيء من البعد إنما المعنى الظاهر هو هذا، وبعض المفسرين قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم، وجعل الانتهاء عاما للانتهاء عن القتال وعن الكفر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فجعل قوله: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ يعني عن قتالكم وعن الكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * طالب: حتى وإن أصابوا جمع كثير من المسلمين؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يعني يمكن يبدؤوا القتال ويقتلوا كثير ثم يقولوا: خلاص انتهينا، نكف؟ * الشيخ: نكف، لكننا ندعوهم إلى الإسلام، فإن التزموا بأحكام الإسلام وإلا قتلناهم حتى نبيدهم. * طالب: جواب الشرط.. * الشيخ: لا هو الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...). * طالب: هي خبر مقدم على كل حال. * الشيخ: هي خبر مقدم على كل حال. * طالب: تصير تعليلية؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. * الشيخ: إذا كان الكلام في الإعراب فهي جواب الشرط على كل حال. * الطالب: فإذا جعلناها تعليلية؟ * الشيخ: ما نحتاج إلى تعليل، نقول: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ فقد وصف الله نفسه بأنه ذو مغفرة ورحمة يعني فالمعنى اغفروا لهم وارحموهم، لا تعرضوا لهم. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] هذه آية فاصلة، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني يجب أن نقاتل الكفار حتى لا تكون فتنة، أي صد عن سبيل الله، بحيث لا يعتدون على أحد ويفتنونه عن دينه، سواء كان جميعا أو بعضا، فلو فرض أنّا قاتلناهم واستسلموا وتركوا القتال، لكن بدؤوا يدسون على المسلمين كتبا، كتب إلحاد وكتب ضلال، فهل نكف عن قتالهم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فلا بد أن نقاتلهم إلى أن يستسلموا ويدفعوا شرهم نهائيا، فإن بقي من شرهم شيء وجب علينا أن نقاتلهم. ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإذا قاتلناهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر، فقد كان الدين لله، وحينئذ نكف عنهم، وإلا فالواجب قتالهم، وهذه مع الأسف هذه المسائل مع أنها في أول سورة من القرآن وفي سورة مدنية نزلت متأخرة أكثرنا في غفلة عنها، يعني كأن القتال الآن أصبح شيئا يُذكر وليس بشيء يجب أن يكون، كأنها نظريات أو قراءة حوادث وأخبار ماضية، كأننا لا نطالب بها الآن، ولذلك ركنا إلى الدنيا، وصار أهم شيء علينا أن تبقى لنا هذه الرفاهية، وهذا الأشر والبطر عند بعض الناس، ولم نعبأ بما خلقنا من أجله أو بما يجب علينا نحو دين الله عز وجل. الدين الآن يفتت في كل مكان بوسائل وطرق، لا يأتون إلى البلد المستقيم كبلادنا -والحمد لله- فيقولون: اسجدوا للأصنام، اذهبوا إلى القبور، الجؤوا إلى أصحاب القبور، ما يقولون هكذا؛ لأنهم يعلمون لو قالوا هكذا لرجمهم الصبيان بالحجارة، لكنهم يدسون أشياء يفسدون بها الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق لم يكن لنا في الآخرة من خلاق. والوسائل التي تهدم الأخلاق كثيرة ومعلومة للكثير منكم، لهذا صارت فتنتهم أشد من القتل، وصرنا نطمئن إلى هذه الأمور، وبردت الجلود، وتقاصرت الهمم، حتى أصبح منا الآن من المسلمين من يقول: المسيحيون إخوة لنا، الله يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] لهم دينهم ولنا ديننا، والجامع بيننا الإنسانية، الجامع الإنسانية! ودين الإسلام دين السعة ودين الرحمة ودين السماح! وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي يشبِّهون بها، ما علموا أن الإنسان اللي يعتقد أن دين النصارى قائم الآن فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]، ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهذه الجملة حصر لتعريف ركنيها: المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ معناه: ما فيه دين سواه، حتى لو تدينوا ودخلوا الصوامع والبيع والأديرة، فإن ذلك لا ينفع ولا يجوز لنا أن نعتقده دينا؛ لأنه ليس بدين، هم وإن دانوا به لكن ليس عند الله دين. (...) * * * ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ إلى آخره [البقرة: ١٨٩]. * في هذه الآية الكريمة حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا. * وفيه أيضًا بيان، وفيه بيان علم الله وسمعه ورحمته، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، علم الله بسؤالهم وسمعه ورحمهم بالإجابة. * وفي هذه الآية من الفوائد: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله ﷺ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه، وهذا من معونته، من معونة الله للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به، أو لا؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شئون دينهم ودنياهم؛ لقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. ومن فوائدها، أي * من فوائد الآية الكريمة: أن ميقات الأمم كلها، الميقات الذي وضعه الله لها ما هو؟ الأهلة، فهو الميقات العالمي، ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ عامة. * ومن فوائد الآية الكريمة أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾. بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾. * ومن فوائدها: أن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا، من قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾؛ مع أنهم يعتقدونه بِرًّا، ولكنه قال: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾، فمن اعتقد شيئًا غير مشروع من اعتقده بِرًّا قلنا له: إنه ليس ببر، لو اعتقده وتقرب به إلى الله فإننا نحذره من ذلك. * طالب: شيخ (...) هذا الإيمان (...) هل هذا صحيح. * الشيخ: لا؛ لأنه ما تسلطه بِرًّا ما تضرر بتسلطه، أنا مرة من المرات لو وصلنا بالحديث كان واحد يسألني يقول: بالنبي إنك تعلمه كذا وكذا بالنبي، فنهيته قلت: يا أخي، هذا ما يجوز الحلف بالنبي، احلف بالله ولّا لا تحلف، ولما إنه يعني أعاد السؤال قال: بالنبي ما عمري أحلف بالنبي، والظاهر أن هذه قضيته. قلنا: إن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن البر أن يأتوا البيوت من ظهورها، ولكن الله تعالى أبطل هذه العقيدة، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، فإن هذه الآية كما تتناول البيوت الحسية كذلك أيضًا تتناول الأمور المعنوية. * ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن التقوى تسمى بِرًّا، وقد سبق أنها إذا ذُكِرت مفردة شملت البر، وإذا ذُكر البر مفردًا شمل التقوى، وإذا قُرِنَا جميعًا كقوله: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] صار البر: فعل الخير أو فعل المأمورات، والتقوى: ترك المنهيات. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والتقوى لها أكثر من مئة فائدة، وقد كتبها بعض الطلبة فيما سبق، طلبنا من الطلبة أنهم يكتبون فوائد التقوى المذكورة في القرآن فقط، فكتبوا حوالي مئة فائدة كلها مذكورة في القرآن، ومن كان بإمكانه أن يفعل يتفرغ نصف ساعة خصوصًا لحافظ القرآن عن ظهر القلب ويأتي بالفوائد هذا طيب وتكون له حسنة. ثم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠]، في هذه الآية وجوب القتال؛ لقوله: ﴿وَقَاتِلُوا﴾، ووجوب أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه ودينه؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ووجوب الإخلاص فيه؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذكر للمخاطَب ما يهيجه على الامتثال. * الطلبة: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج والإغراء، فإن قلنا: إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا اختلف الحكم. * ومن فوائد الآية: تحريم الاعتداء حتى مع الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ومع المسلمين من باب أولى، ولهذا الرسول ﷺ قال: «لَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»[[أخرجه مسلم (١٧٣١ / ٣) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه بلفظ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ..» الحديث. ]]؛ لأن كل هذا من العدوان. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله، أن الله يحب، من أين؟ * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. * الشيخ: بس، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؟ هذا نفي، ونحن نقول: في الآية إثبات محبة الله، أي أن الله يحب، وهذه نفي، أيش تقول؟ * طالب: أن يكون غير المعتدين.. * طالب آخر: لأنه لا يمكن أن لا يحب إلا الذي من شأنه أن يحب. * الشيخ: نعم، لو كان لا يحب أبدًا ما صح أن ينفى محبته عن المعتدين فقط، فهو ما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم. * ومن فوائد الآية: حسن تعليم الله عز وجل حيث يقرن الحُكم بالحكمة، الدليل؟ * طالب: ﴿لَا تَعْتَدُوا﴾. * الشيخ: ﴿لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وقد سبق لنا أن فوائد (...) الحكمة، واحد، اثنين، ثلاثة. في عموم العلة، عموم الحكم بعموم العلة إذن تكون أربعة. * طالب: هو ذكرها. * طالب آخر: هذا القياس. * الشيخ: إي، لكن ما بيّنها، إن كان القياس هو أرادها لكن ما عبّر عنها، واضح؟ عموم الحكم بعموم علته، فمثلًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٣٣]، و﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، ﴿إِنَّهُ رِجْسٌ﴾ هذه العلة، يؤخذ منها أن كل رجس فهو حرام، ولَّا لا؟ إذن صارت الفوائد أربعة، الحمد لله، الفوائد أربع. * طالب: الاستنباط أو إن كان قياس.. * الشيخ: نعيدها الآن ما خدناه نعيدها، أولًا: بيان سمو الشريعة، وثانيًا: زيادة طمأنينة العبد، وثالثًا: العموم بعموم العلة، لكن فيه رابع الآن، ذكرتم.. * طالب: عموم الحكم بعموم العلة. * الشيخ: هذا هو، هذا اللي إحنا ذكرناه أخيرًا و.. * طلبة: (...). * الشيخ: إي، لكنها إذا صارت مستنبطة يكون القياس جليًّا (...) عموم الحكم بعموم العلة، كيف عديتها أربع سبحان الله؟! * طلبة: (...). * الشيخ: أنا ما فهمت الآن أنها واحد. * طالب: نعيدها يا شيخ. * الشيخ: هات نعدها، بيان سمو شريعة، هذه واحدة، متفق عليه؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: زيادة طمأنينة المكلَّف، هذا اثنين، وكل واحدة غير التاني واضح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: والثالث؟ * الطلبة: عموم الحكم بعموم العلة. * الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة، ويش بعد؟ * الطلبة: وإن كان قياس. * الشيخ: وإن كان قياس لا ما حسبناها، إذن صاروا ثلاثة. طيب، ثم قال الله تعالى: ﴿