تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٨٢﴾
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].
هذه الآية استثناء من قوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فيستفاد منها: نفي أو رفع الإثم عمن أصلح في الوصية إذا حصل جنف أو إثم، والفرق بينهما سبق في التفسير، الجنف: الخطأ من غير قصد، والإثم: الخطأ بقصد.
* ويستفاد منه: أنه قد يُعَبَّر بنفي الإثم دفعًا لتوهمه، وإن كان الأمر في نفسه واجبًا، وهذه فائدة تنفعكم في كثير من المسائل، أنه قد يعبر بنفي الإثم أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه وإن كان الشيء أمرًا واجبًا، وهذا أقول: إنه ينفعكم في هذا المكان وفي غيره، فالإصلاح عندما يخاف جنفًا أو إثمًا أيش حكمه؟ واجب، لكن نفى الإثم الذي أُثْبت في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ فكأنه قال: ﴿لَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ويرجع الأمر إلى أصله الأول وهو أن الإصلاح واجب، ونظيره قوله تعالى فيما سبق: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]
هذا لنفي الجناح المتوهم من الطواف بين الصفا والمروة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١]، مع أن قصر الصلاة للمسافر حكمه إما واجب أو سنة مؤكدة على رأي الجمهور، ومع ذلك نفى عنه الإثم دفعًا لتوهم الإثم في قصر الصلاة.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز ولَّا لا؟ جائز، ولكنه واجب من دليل آخر، واجب من دليل آخر ما هو من هذه الآية، طيب تغيير الوصية لما هو أفضل لا لدرء الإثم ما حكمه؟
* طالب: ما يجوز.
* الشيخ: ما تقولون فيه؟ فيه خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تغير الوصية لما هو أفضل لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في الإثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز تغييره إلى ما هو أفضل، بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ وذلك لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل؛ وكل ما كان أقرب فإنه أحب إلى الله وأنفع للموصي أيضًا والموصي بشر، قد يخفى عليه ما هو الأرجح وما هو الأفضل، ثم إنه يكون في وقت ما الأفضل غير ما هو الأفضل في وقت آخر، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم ونحن أدركنا ما نسمعه من الناس أنه فيما سبق من أحب الأشياء إلى الفقراء أن يطبخ لهم الطعام واللحم ويأكلون، لكن الآن الدراهم أحب إليهم ومشاريع أخرى أنفع، وقال هؤلاء الذين أجازوا تغيير الوصية إلى ما هو أفضل قالوا: إن الرسول ﷺ أجاز تغيير النذر مع وجوبه لما هو أفضل، «فالرجل الذي جاء إليه وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد الثالثة، فقال: «اصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أو كلام هذا معناه، قال «شَأْنَكَ إِذَنْ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) من حديث جابر بن عبد الله.]] فهذا دليل على جواز تغيير الشيء إلى ما هو أفضل، والذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها؛ لتعلق حق المعين بها كما لو كانت الوصية على أولاده مثلًا، الوصية لأولاده وليس هناك وارث غيرهم، أو مثلا وَقَّفَ وَقْفًا على أولاده فإنه لا يجوز أن يُغَيِّر لماذا؟ لتعلق حق الغير المعين به، أما إذا كان على غير معين كما لو كان على المساجد، فرأينا أن الجهاد أن صرفه في الجهاد أولى صرفناه في الجهاد، على المساجد فأصاب المسلمين مسغبة، يضطرون إلى إنقاذهم من الجوع والعُرْي صار صرفها إلى هذا أفضل وأولى، فالمهم أن الذي نرى في هذه المسألة، لا في الوصية ولا في الوقف، أن ما كان على معين فإنه لا يصرف إلى غيره لتعلق حق المُعيَّن به، شخص معين كيف يصرفه إلى غيره، أما إذا كان على جهة كالفقراء والمساجد وطبع الكتب وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يصرف إلى ما هو أفضل؛ لأن ذلك أنفع للموصِي والموقِف وأصلح.
* طالب: إن كان دارًا يا شيخ أو مسجدًا؟
* الشيخ: كل واحد سواء دار أو غير دار.
* طالب: مثلا يعني (...) إذا رأى أن المسجد (...)؟
* الشيخ: إي نعم، وكذلك المسجد لو تعطل.
* طالب: أو دار.
* الشيخ: وكذلك المسجد لو تعطل مثلًا، ورحل الناس عن مَحَلته فلا حرج أن يبيعه، وينقله إلى مكان آخر.
* طالب: والدار كذلك؟
* الشيخ: وكذلك الدار على غير معين.
* طالب: (...) يجيب؟
* الشيخ: يجيب عليه إن قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ اعتبار الأصلح.
* طالب: لكن من يغير؟
* الشيخ: يغيره الوليُّ؛ لأن الوصية لا بد فيها من وصيٍّ، فإن لم يكن وصيٌّ خاص فالولي العام؛ القاضي.
* طالب: (...) معرفة الأمور (...).
* الشيخ: إذا لم يصلْ إلى هذا، فإنه يجب على الحاكم الشرعي أن يضم إليه أمينٌ عادلٌ، ما تخل للأوقاف العامة هكذا، أما الخاصَّة فشأنه، ما تغير الخاص، لكن الأوقاف العامة لا بد إذا كان الناظر عليها في الوقف أو الوصي في الوصية، إذا كان غير أهل إما لعدم قوته أو لعدم أمانته فإنه يضم إليه من يقوم بالأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وما تضمناه من وصف وحكم، وما تضمناه من وصف وحكم؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢].
* ومن فوائد الآية: فضيلة الإصلاح؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ حيث إن الإصلاح الآن صار فيه خير وهو درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة والشحناء بين الموصَى إليه والورثة؛ لقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٨٢].