×
البقرةالآية ١٧٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٧٣﴾

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٧٣]. قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ما محل (ما) من الإعراب؟ * طالب: اسم موصول مبتدأ. * الشيخ: مبتدأ؟ توافقونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: في الأمرين جميعًا؟ * طالب: لا، الأول اسم موصول. * الشيخ: والثاني؟ * الطالب: معطوفة على ما سبق. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: على قوله: الميتة والدم ولحم الخنزير. * الشيخ: على كل الثلاثة؟ * الطالب: إي نعم. * طالب آخر: على الأول، العطف يكون على الأول. * الشيخ: الأول، إي نعم، معطوفة على الأول، فهي في محل نصب إذن. ما معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: من الإهلال، وهو رفع الصوت، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ذبح أو كل ما عمل بشيء لغير الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إيه، وأيش معنى ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: أي يذكر عليه اسم غير الله. * الشيخ: نعم، ذكر عليه اسم غير الله بأن قيل: باسم الرسول، باسم النبي، باسم جبريل، باسم ميكائيل، أو ما أشبه ذلك. ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عندي في قوله: ﴿فَمَنِ﴾ قراءتان: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ و﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ بضم النون، أما قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ على هذه القراءة فالأمر فيها واضح، للتخلص من التقاء الساكنين، وأما الضم فمن أجل الإتباع لضمة الطاء ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ﴾ أسهل من قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ففيها قراءتان، وقوله: ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والفعل بعدها فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط، وقوله: ﴿اضْطُرَّ﴾ اسم مفعول، ولا تستعمل إلا اسم مفعول في مثل هذا الأمر في مثل هذا السياق، ما يصح أن أقول: اضطَرَّ؛ لأن اضطر أوقع غيره في ضرورة، واضطُرّ وقع في الضرورة، فمعنى اضطُرّ؛ يعني ألجأته الضرورة، والضرورة فوق الحاجة، الحاجة كمال، والضرورة لا بد منها. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة لأي شيء؟ للأكل؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ يعني فما ألجأته الضرورة إلى أكل هذا المحرم، لكن بشرطين بل بثلاثة شروط إذا جعلنا الضرورة شرطًا فبثلاثة شروط: أن يوجد ضرورة، وأن لا يكون باغيًا، ولا عاديًا ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ونحن نريد أن نعرب (غيرَ) فنقول: هي منصوبة على الحال من نائب الفاعل في قوله: ﴿اضْطُرَّ﴾. ونريد من رشاد أن يعرب لنا ﴿بَاغٍ﴾؟ * الطالب: مضاف إليه. * الشيخ: كمِّل. * الطالب: مضاف إليه مجرور بالكسرة. * الشيخ: مجرور بالإضافة، وعلامة جره؟ * الطالب: الكسرة. * الشيخ: كسرة ظاهرة على آخره، هل توافقونه على هذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يوافقون. * الطالب: فيها ياء محذوفة هي أصلها باغي. * الشيخ: إذن علامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، والتنوين هنا يسمونه تنوين عوض عن حرف، ومثلها ﴿عَادٍ﴾. قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ اختلف المفسرون في: الباغي والعادي؛ فقيل: الباغي هو الخارج على الإمام، وهم البغاة، والعادي: العاصي بسفره، المعتدي الذي عصى بسفره فسافر سفرًا محرمًا، هذا الباغي والعادي فهمتم يا جماعة؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: الباغي: هو الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره، فهذان لا يحل لهما أكل الميتة ولو اضطرا إلى ذلك؛ لأنه لا بد من الشرطين: ضرورة انتفاء البغي، انتفاء العدوان، فإن كان باغيًا أو عاديًا لم يحل له أن يأكل ولو مات؛ لأن الله تعالى اشترط غير باغٍ ولا عادٍ؛ ولأنه ليس أهلًا للرأفة والرحمة حتى يُرحم فإن الخروج على الإمام محرم، وسفر المعصية أيضًا محرم؛ ولأنه يمكنه التخلص من هذا المحرم حتى يباح له الأكل بماذا؟ بالتوبة والإقلاع؛ فينوي أنه تائب ويقلع عن هذا، ويكون ذلك سببًا يبيح له أكل الميتة، أفهمتم؟ وقال بعض أهل العلم: المراد بالباغي: الطالب لأكل الميتة، والعادي: المتجاوز للحد المباح له؛ يعني الذي يأكل زائدًا على الضرورة؛ فالعادي من الزيادة، والباغي من الطالب؛ يعني ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير طالب لأكل الميتة، ولا عادٍ في أكلها بحيث يأكل أكثر من ضرورته، وعلى هذا الرأي تكون الحال هنا شبه مؤكدة لعاملها؛ لأنه في الحقيقة ما فيه ضرورة إلا إذا كان لا يريد أكل الميتة ولا يزيد على ما يحتاج إليه، فإن الإنسان إذا لم يضطر وذهب يأكل الميتة نقول: هذا باغٍ، إذا اضطر وأكل أكثر من ضرورته نقول: هذا عادٍ، هذا القول يضعفه أن الأصل في الحال التأسيس، ويقويه أن هذا القرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة ٣]؛ لأن قوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ تُفسر قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ لأن الذي لا يأكل إلا في المخمصة ما ابتغى أكل الميتة، والذي غير متجانِف لإثم، والذي يتجانف لإثم معلوم أنه وقع في العدوان فلا يمكن أن يحل، وهذا القول بهذا التأييد في الآية الأخرى يكون أصح أن المراد غير باغٍ أيش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، غير باغٍ؛ أي مُبتغٍ لأكل الميتة، قد تقولون: هل أحد يبتغي أكل الميتة؟ نقول: نعم، يمكن، يمكن واحد تموت له شاة طيِّبة كثيرة اللحم، ويأسف عليها ويتحسف بها ويجي عنده ضيوف ويقدمها لهم، يمكن، هذا يعني نحن- والحمد لله- بطبيعتنا وبإيماننا -والحمد لله- نكره هذا، لكن فيه ناس يأكلون الميتة، في الجاهلية يأكلون الميتات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. وإن كانوا ميتة فهم فيه شركاء ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩]. وسمعت أنه يوجد ناس الآن منها هالكفار اللي في البلاد يأكلون الميتة، ويأكلون الحمير، ويأكلون الكلاب، ويأكلون القطط وما هو بغريب، فالمهم أنه ربما يقع هذا الشيء، والله سبحانه وتعالى أباح لنا الميتة إذن بثلاثة شروط: الضرورة. والثاني: أن لا يكون مبتغيًا طالبًا لها. والثالث: أن لا يكون متجاوزًا للحد الذي تندفع به الضرورة. وبناء على هذا هل له أن يأكل حتى يشبع؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، وقيل: له أن يأكل حتى يشبع إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد سواها عن قرب، وهذا هو الصحيح، ولو قيل: بأنه في هذه الحال يأخذ معه شيئًا منها يأكل الآن ما يصد رمقه ويأخذ شيئًا منها يحمله معه إن اضطر إليها أكل وإلا تركه لكان هذا أيضًا قولًا جيدًا. بقي أن نقول: هذه الميتة إذا أكل الإنسان منها في حال الضرورة، فكيف تنقلب طيبة مع أنها رجس كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟ فكيف أنها تكون طيبة لمجرد الضرورة إليها؟ فالجواب من وجهين، أو من أحد الوجهين؛ الوجه الأول: أن نقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالذي جعلها خبيثة بالموت بعد أن كانت طيبة حال الحياة قادر على أن يجعلها عند الضرورة إليها طيبة؛ مثل ما كانت الحمير طيبة تؤكل، ثم كانت خبيثة، خبيثة لا تؤكل، ومثل ما كان عصير العنب قبل أن يتخمر طيبًا يؤكل ويُشرب، فإذا تخمر صار خبيثًا، وعينه هي هي، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء، وخالق صفاتها، ومغيرها كيف يشاء، فهو قادر على أن يجعلها إذا اضطُر عبده إليها يجعلها طيبة، هذا وجه. الوجه الثاني أن نقول: هي ما زالت على كونها خبيثة، لكنه عند الضرورة إليها يباح هذا الخبيث للضرورة، وتكون الضرورة واقية من مضرته، فملابستها للضرورة مباح، وضررها المتوقع تكون الضرورة واقية له. وأظن الوجهين بينها فرق ولَّا لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: بينهما فرق؛ لأنه على الوجه الأول انقلبت من الرجس إلى الطهارة، وعلى الوجه الثاني باقية، لكن هناك ما يقي مضرتها، وهذا ربما يكون أقرب إلى المعقول؛ أن خبثها باقٍ لكن الضرورة إليها أباحتها، ووقَت من المضرة من ضررها، ويؤيد هذا المعنى الحسي فإن النفس كلما كانت أشد طلبًا للشيء كان هضمه سريعًا بحيث لا يتضرر به الجسم، وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعامًا على طعام ما متى تهضم الثاني والأول يتأخر مع ما يحصل فيه من الضرر، لكن إذا أكلت طعامًا جائعًا فإنه ينهضم بسرعة وتقبله النفس ولقوة الطلب النفسي يكون هذا الخبث زائلًا ضرره، ويشهد لهذا أيضًا «ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد فجيء إلى النبي ﷺ بتمر وهو حاضر، فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «تَأْكُلُهُ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟»[[أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣)، وأحمد (١٦٥٩١، ٢٣٤٨٠) من حديث صهيب بنحوه.]]؛ لأن المعروف أن الأرمد ما يأكل التمر توجع عينه زيادة، فقال: يا رسول الله، أمضغه مع الجانب الثاني؛ يعني مثلًا إذا كانت اليمنى أمضغ مع اليسرى، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام ومكنه. قال ابن القيم رحمه الله: إن الحكمة في أن الرسول يمكنه مع أنه مجتهد أن هذا ضرر؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول به الضرر ينهضم سريعًا ويتفاعل مع الجسم ويروح ضرره، فالحاصل الآن فهمنا أن الميتة إذا اضطر الإنسان إليها غير باغ ولا عاد، أين جواب من؟ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، هذه جواب (مَنْ)، وقرن بالفاء؛ لأن الجملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه بالفاء. ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نحن ما نتذكر إن (لا) تنصب الاسم؟ * طالب: بلى. * الشيخ: وأيش هي؟ * الطلبة: نافية للجنس. * الشيخ: نافية للجنس؟ تنصبه، ويُبنى معها على ما يُنصب به إذا كان مفردًا، وخبرها عليه هنا ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: فلا عقوبة عليه، أو: فلا جناح. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تعليل للحكم، الحكم انتفاء الإثم، العلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿غَفُورٌ﴾ يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، هو ورد أنه من صيغ المبالغة (فعول)؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: أين الشاهد من كلام ابن مالك؟ * طالب: قوله: فُعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلَا ∗∗∗ كَسَهُلَ الْأَمْرُ وَزَيْدٌ جَزُلَا * الشيخ: إيه، أنتم في واد وهذا البيت في واد. * الطالب: قريبة من هذا. * الشيخ: لا، ما هو بهذا، هذه أبنية المصادر، هي ما هي في أبنية المصادر هو قالها في أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين: فَعَّالٌ اوْ مِفْعَالٌ اوْ فَعُولُ ∗∗∗ فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ الشاهد قوله: (أو فعول). ﴿غَفُورٌ﴾ إما أن نقول: إنها صيغة مبالغة لكثرة مغفرته سبحانه وتعالى، وكثرة من يغفر له، فالكثرة هنا واقعة في الفعل وفي المحل، كيف في الفعل وفي المحل؟ الفعل اللي هو فعل الله عز وجل، وكثرة توبته على عبده، وفي المحل كثرة المغفور لهم، وقد تكون صفة مشبهة. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ كذلك. و﴿الْغَفُور﴾ مأخوذ من (الغَفْر)؛ وهو الستر مع الوقاية، وليس الستر فقط بل الستر مع الوقاية، ومنه سمي المغفر الذي يُغطى به الرأس عند الحرب؛ لأنه يتضمن الستر والوقاية، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن وحاسبه قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. وقوله: ﴿رَحِيم﴾ صيغة مبالغة، أو صفة مشبهة من الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه تعالى الذاتية؛ ذاتية فعلية، فهي باعتبار أصل ثبوتها لله صفة ذاتية، وباعتبار تجدد ما يرحمه الله صفة فعلية، ولهذا علقها الله بالمشيئة في قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]. فهي صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأهل التأويل، والأصح أن نسميهم (أهل التحريف) يقولون: إن الرحمة غير حقيقية، وأن المراد برحمة الله: إحسانه أو إرادة الإحسان؛ فيفسرونها إما بالإرادة وإما بالفعل، وهذا لا شك أنه خطأ، وحجتهم أنهم يقولون: إن الرحمة رقة ولين، والرقة واللين لا تناسب عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فنقول لهم: إن هذه الرحمة رحمة مَنْ؟ * الطلبة: المخلوق. * الشيخ: المخلوق، إنها رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها تليق به سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، النجاسة (...) حسية أو معنوية؟ * الشيخ: حسية، نجاستها حسية. * الطالب: المعنوية اللي (...) على المضطر وغير المضطر. * الشيخ: لا، هذه الحمير نجاستها حسية، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها. * طالب: بالنسبة إلى الضفادع إذا كانت ميتة؟ * الشيخ: الضفادع ما تحل. * الطالب: لا، غير الضفادع، إذا كانت تعيش في البر والبحر ووجدت في البر مقتولة ميتة؟ * الشيخ: تُعطى حكم البر، اللي يعيش في البر وفي البحر يُعطى حكم البر تغليبًا لجانب الحضر. * طالب: قالوا يا شيخ مثلًا في عروسة البحر؟ * الشيخ: مَن زوجها؟! * الطالب: ليس لها زوج، ذكر أهل العلم أنها تكون في بحر قزوين، ولو يا شيخ هذه، كيف؟ * الشيخ: هذه إذا وجدتها فاحتفظ بها وكلها. * الطالب: يعني تكون آدمية مثل السمك؟ * الشيخ: إي نعم، نحن سمعنا هكذا، سمعنا أنه يوجد سمك على شكل آدميين، على شكل الآدميات وأنهن بعد جميلات جدًّا. * الطالب: تأكلها؟ * الشيخ: إيه تأكلها. * طالب: ما يشبه الآدمي؟ * الشيخ: وأيش فيها؟ * الطالب: إذا اضطر إليها؟ * الشيخ: إذا اضطر إليها فاختلف فيها أهل العلم، وهذه تأتي بالفوائد، فالمشهور عند الحنابلة: أنه ما يجوز أن يأكلها ولو اضطُر، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة وهو الصحيح. * طالب: أقول: حتى المحرم مثل الكلاب والحمير؟ * الشيخ: ما هو بلحم الخنزير؟ * الطالب: لحم الخنزير يحل؟ * الشيخ: يحل؟! هذا اللي معنا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة ١٧٣] وأيش بعده؟ * الطلبة: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. * طالب: أظنها يعني تعود على الأول كله معطوفات على الأول؟ * الشيخ: إيه؟ إنه محرمات. * الطالب: لا، قصدي غير باغٍ ولا عاد ما هو بالميتة خاص، ولا فيهم كلهم؟ * الشيخ: لا، حتى اللي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ فيها لحم الخنزير، المهم كل المحرمات إذا كانت تزول بها الضرورة فهي مباحة، وقولي: إذا كانت تزول بها الضرورة احترازًا مما لا تزول به الضرورة، كما لو اضطر الإنسان إلى أكل السم يجوز يأكل؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: أسهل للقتل والموت، ولو اضطر الإنسان لعطش إلى الخمر عطشان وعنده جرة خمر؟ * طلبة: يشرب. * طلبة آخرون: ما يشرب. * الشيخ: لا يشربها، لا يشربها يقولون: لأن الخمر يزيد العطش، فلا يشربها، لكن لو اضطر إلى الخمر لدفع لقمة غص بها، شوف العلماء رحمة الله عليهم كيف! يقول: لو غص بلقمة ولا عنده شيء يشربه إلا جرة خمر فإنه يشرب لدفع اللقمة فقط، إذا اندفعت يقف. * طالب: يا شيخ، إذا رأيت غاصًّا يشرب؟! * الشيخ: لا، أعوذ بالله! أخاف إذا راح يتغصص يشرب غاص ولا عاد ينفعه! * طالب: فضيلة الشيخ، الزنا، إذا اضطر؟ * الشيخ: ما فيه ضرورة هذا، الزنا ما فيه ضرورة أبدًا، يعني غاية ما هنالك ثوران الشهوة، ويمكن تخفيفها بأسباب أخرى. * طالب: يجوز تخفيف الشهوة بأسباب أخرى؟ * الشيخ: إي نعم، عند الضرورة، نعم، عند الضرورة. * طالب: شيخ قيد الخنزير بلحم أيش مفهومه؟ * الشيخ: تقدم. * طالب: إذا أطلق يشمل الجميع. * الشيخ: تقدم إذا أطلق اللحم؛ فالمراد به كل ما في هذا الجسد من الحيوانات. * الطالب: وأيش معنى التقييد؟ * الشيخ: ما فيه تقييد. * الطالب: (...) الميتة أفضل؟ * الشيخ: الميتة؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: الميتة لأن أصلها حلال. (...) أنصاري وأنصار؛ لأن اللي ينسب لأبي حنيفة يقال: حنفي، والحنفي. * طالب: يقولون: إنه ليس أحنف، يعني الأحناف؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أحناف مثل: أنصاري وأنصار، حنفي وأحناف ما فيها شيء. * طالب: في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أين التفسير؛ القول الأول ولَّا الثاني؟ * الشيخ: لا، الأرجح الثاني. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤]. الجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ مكونة من (إن) الدالة على التوكيد و(الذين) اسمها، و﴿أُولَئِكَ﴾ (أولاء): مبتدأ. و﴿مَا يَأْكُلُونَ﴾ الجملة خبره، والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إن). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يكتمون بمعنى: يخفون، والإخفاء يكون عند السؤال، وعند عدم السؤال، فمتى دعت الحاجة إلى بيان العلم بسؤال أو بغيره وجب على من عنده علم أن يبينه ويظهره. وقوله: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الكتاب المراد به؛ إما أن تكون (أل) للعهد، أو (أل) للجنس، فإن قلنا: للعهد؛ فالمراد بها التوراة، ويكون المراد بالذين يكتمون: اليهود؛ لأنهم كتموا صفة النبي ﷺ، وإن قلنا: بأن (أل) للعموم شمل جميع الكتب؛ التوراة والإنجيل وغيرهما، ويكون الذين يكتمون يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا أرجح لعمومه. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أنزله على رسله، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٥]. فكل رسول فإن معه كتابًا من الله عز وجل يهدي به الناس. وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة ١٧٤] يشترون يعني يأخذون. ﴿بِهِ﴾ أي: بما أنزل الله، ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على الكتم؛ يعني يشترون بهذا الكتم. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هذا الثمن ما هو؟ هل هو المال أو الجاه؟ الحقيقة أن كلًّا منهما يصح أن يكون ثمنًا، ويصح أن يكون مرادًا لولا أن قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة ١٧٤] تُرجح أن المراد به المال. وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني يُعطون مالًا ويُقال: اكتموا هذا العلم، لا تبينونه، اسكتوا عن بيانه، وهذا واقع من اليهود والنصارى، ومن هذه الأمة أيضًا، فإن من أهل العلم من يكتم العلم من أجل الدنيا فيشتري به ثمنًا قليلًا. طيب ولو اشترى ثمنًا كثيرًا؟ * الطلبة: فهو قليل. * الشيخ: فهو قليل، فهو بالنسبة إلى الآخرة قليل، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة ٣٨] عقوبة هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. ما يأكلون إلا النارَ؛ (النارَ) مفعول (يأكلون)؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ يعني هؤلاء ما يأكلون إلا النار، وتأمل كيف جاءت العقوبة في الجملة الاسمية، وأيش الأجل؟ ثبوت هذه العقوبة واستقرارها فكأنها كُررت مرتين لو كانت الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ- استقام الكلام، لكن ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ﴾ أُعيد المبتدأ مرة ثانية فكأن الجملة مكررة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارة للبعيد ولا للقريب؟ * الطلبة: للبعيد. * الشيخ: للبعيد، هل هي لعلو مرتبتهم أو لبعد مرتبتهم والنفور منها؟ * الطلبة: للبعد. * الشيخ: نعم، للبعد منهم، والتنفير منهم، وليس لعلوهم كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لا، فهذا لدنو المرتبة والبعد عنهم. وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ كيف إلا النار؟ نقول: نعم، هذا المال يتجرعونه نارًا والعياذ بالله، هو الآن مو هو بنار، الآن أكل وشرب، لكنه يوم القيمة يكون نارًا، وهذا كثيرًا ما يعبر الله سبحانه وتعالى بالنار عن شيء من الأفعال، الرسول ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥ / ١) من حديث أم سلمة.]]. وقال في الذي لبس ذهبًا وهو رجل: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ فَيُلْقِيهَا فِي يَدِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٠ / ٥٢) من حديث ابن عباس.]]. وقال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٦) من حديث ابن عمرو بن العاص.]]. حين فرطوا في غسلها. وقال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا العمل مخالفة لأمر الله ورسوله ومعصية فاستحق العقوبة بالنار. قوله: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يعني معنى هذا أنهم يُجرّعون هذه الأشياء يوم القيمة نارًا. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يكلمهم؛ يعني تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام، ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا، ولا يمنع أن يكلمهم كلام توبيخ كما في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ نعم ما يُزكون يوم القيمة؛ لأن المؤمنين يُزكون ويشهد لهم بالتزكية، يزكيهم الله عز وجل فيقول: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيكون مغفورًا له، كذلك أيضًا يُزكّون بأنهم أخذوا كتابهم بأيمانهم؛ لأن أخذ الكتاب باليمين أو إعطاء الكتاب باليمين تزكية، لكن غير المؤمنين لا يُزكون، يأخذون كتبهم بالشمال، ويُنادى على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (فَعِيل) هنا بمعنى (مُفْعِل) مُؤلم؛ أي: موجع، والعذاب هو النكال والعقوبة (...). ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. مناسبة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٧٢]. فلما أمر بالأكل من الطيبات بيَّن ما حرم علينا من الخبائث، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله؛ أربعة أشياء، تحريم هذه الأشياء الأربعة. * ومن فوائدها: أن التحريم إلى الله لقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. والمحرم هو الله عز وجل؛ وهو المحلِّل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل به لغير الله، من أين يؤخذ؟ * الطلبة: ﴿إِنَّمَا﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّمَا﴾ لأنها أداة حصر، لكن هذا الحصر قد بُيِّن أنه غير مقصود؛ لأن الله حرم في آية أخرى غير هذه الأشياء أو لا؟ حرم ما ذبح على النصب وليس داخلًا في هذه الأشياء، «وحرم النبي عليه الصلاة والسلام كل ذي ناب من السباع[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢ / ١٢) من حديث أبي ثعلبة.]] وكل ذي مخلب من الطير[[أخرجه مسلم (١٩٣٤ / ١٦) من حديث ابن عباس.]] وليس داخلًا في هذه الأشياء، وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الحمر الأهلية[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦ / ٢٣) من حديث أبي ثعلبة.]] » وليس داخلًا في هذه الأشياء، إذن فيكون هذا الحصر قد بُيِّن انفكاكه في القرآن، وأيش بعد؟ * الطلبة: والسنة. * الشيخ: والسنة. * من فوائد هذه الآية: تحريم جميع الميتات لقوله: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ و(أل) هذه للعموم إلا أنه يُستثنى من ذلك السمك والجراد؛ يعني ميتة البحر، والجراد للأحاديث الواردة في ذلك، ويستثنى من الميتة؟ * طالب: الجلد. * الشيخ: الجلد؟! ولكنه الصحيح أنه لا يستثنى؛ لأنه غير داخل في ذلك، غير داخل في التحريم، المحرم هنا أيش؟ * الطلبة: الأكل. * الشيخ: الأكل؛ لأنه قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣ / ١٠٠) من حديث ابن عباس.]]. وعلى هذا فلا يُستثنى من هذا شيء أو لا؟ نعم ما يستثنى. ويستفاد من هذه الآية: تحريم الدم لقوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾. وهو هنا مطلق، لكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، وعلى هذا فيكون إطلاق هذه الآية مقيدًا بسورة الأنعام؛ يعني الدم المسفوح، وبناء على هذا القيد يستفاد منه: أن الدم الذي يبقى بعد خروج الروح بالحيوان المذكى، حلال ولَّا لا؟ * الطلبة: حلال. * الشيخ: حلال. * ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم لحم الخنزير لقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، وهو شامل لشحمه وجميع أجزائه، وليس من باب العموم المعنوي، بل هو من باب العموم اللفظي لحم الخنزير؛ لأن اللحم يطلق على كل ما يؤكل من الحيوان، وإن كان بعضه عند القرن أو عند الاقتران يخرج منه، فإذا قلت: لحم وشحم صار اللحم غير الشحم، وإذا قلت: لحم وكبد صار الكبد غير اللحم، وعند الإطلاق يشمل الجميع. * ومن فوائد الآية: تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه، من أين؟ * الطلبة: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحريم ما ذُبح لغير الله، ولو ذُكر اسم الله عليه، مثل من يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا للصنم الفلاني؛ لأنه أُهل به لغير الله أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: * ومن فوائد الآية: أن الشرك يُؤثر حتى في الأعيان، هو نجاسة معنوية، لكن يؤثر حتى في الأعيان، هذه البهيمة التي أهل لغير الله بها وأيش تكون؟ * طالب: نجسة، محرمة. * الشيخ: نجسة، خبيثة، محرمة، والتي ذكر اسم الله عليها طيبة، حلال. تأمل قدر الشرك، وأنه يتعدى من المعاني إلى المحسوس، وهو جدير بأن يكون كذلك، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]. لو أنه مو بنجاسة، بدنهم ما هو نجس؛ لكن لقوة خبثه المعنوي وفساد عقيدته وطويته صار مؤثرًا حتى في الأمور المحسوسة. * ومن فوائد الآية: فضيلة الإخلاص لله، من أين نأخذه؟ * الطالب: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾. * الشيخ: لا. * طالب: عند الإخلاص تكون الذبيحة طيبة، وعند الشرك تكون الذبيحة خبيثة. * الشيخ: نعم، صح. * ومن فوائد الآية: أن الضرورة تبيح المحظور لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. من قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. * ومنها: لكن هذه الضرورة لاحظوا أنها تبيح المحرم بشرطين: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناوله. والشرط الثاني: زوال الضرورة به بحيث يندفع الضرر. أنتم فاهمين؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يشترط شرطان: الشرط الأول: صدق الضرورة بحيث لا يندفع الضرر إلا به. والثاني: زوال الضرورة به. إنما قلنا ذلك لئلا يورد علينا مورد مسألة التداوي بالمحرم، التداوي بالمحرم بعض العلماء أو بعض العوام يظنون أنه من باب الضرورة، وأن الإنسان إذا اضطر إلى التداوي بالمحرم حل له، نقول: هذا ما هو صحيح لسببين: لأن كلا الشرطين منتفي، أو لا؟ كلها منتفيات في باب التداوي كيف ذلك؟ لأن صدق الضرورة غير موجود؛ إذ يمكن أن يتداوى بشيء مباح، ويمكن أن يُشفى بدون تدواي، ما هو بظاهر؟ ثانيًا: هل إذا تداوى بهذا المحرم تندفع ضرورته؟ يمكن يشفى ويمكن يموت ما هو على كل حال، وليس هذا من جنس الأكل اللي ما عنده إلا ها الميتة، ما عنده غيرها، هذا نعلم أنه إذا أكل منها تندفع ضرورته، أو لا؟ ونعلم أنه ما دام ما عنده غيرها مضطر، فبينهما فرق. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رحمة الله عز وجل، أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأن هذا من رحمة الله بالعبد أن أباح له المحرم لدفع ضرورته. * ومنها: أن الأعيان الخبيثة تنقلب طيبة حين يحكم الشرع بإباحتها، من أين نأخذها؟ * طالب: (...). * الشيخ: نحن ذكرنا أثناء الشرح وجهين وهما: هل هذه الأعيان انقلبت طيبة أو هي باقية على خبثها، لكنها أُبيحت للضرورة؛ ولأن النفس لشدة حاجتها إليها تهضمها وتقبلها حتى لا تتضرر بها؟ ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم أو وجهين، وقلنا: إن كليهما حق، فكما أن الحمير كانت بعد أن كانت حلالًا طيبة صارت بتحريمها رجسًا، صارت رجسًا نجسة، وهي أمس هذا الحمار حلال طيب واليوم صار حرامًا خبيثًا، والله على كل شيء قدير. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم. * ومنها: إثبات ما ذكره أهل السنة والجماعة الأئمة من أن أسماء الله سبحانه وتعالى المتعدية يستفاد منها: ثبوت تلك الأحكام المأخوذة منها. مو قلنا: الأسماء المتعدية تتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الحكم، العلماء يأخذون من مثل هذه الآية ثبوت الأثر وهو الحكم؛ لأنه لكونه غفورًا رحيمًا غفر لمن تناول هذه الميتة لضرورته ورحمه بحلها. فيكون في هذا دليل واضح على أن أسماء الله عز وجل تدل على الذات والصفة والحكم، على الذات اللي هو الاسم؛ على الاسم والصفة والحكم، كما أقر ذلك أهل العلم رحمهم الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تناول المحرم فهو آثم بدون عذر من أين نأخذها؟ * الطلبة: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فعُلم منه أنه إذا كان غير مضطر فعليه الإثم. * ومن فوائدها عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص، من أين تؤخذ على هذا الرأي؟ من قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فإنهم قالوا: إن المراد بالباغي: الخارج على الإمام، والعادي: العاصي بسفره. وقالوا: إن العاصي بسفره أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخص من رخص السفر؛ فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، جميع رخص السفر ما تحل له، ولا يفطر في رمضان، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وقد أشرنا إليه فيما سبق. * طالب: شيخ، تحريم قتل النفس مثل الإنسان يجب عليه أن يأكل (...) ضرورته؟ * الشيخ: ما هو بواضح؛ لأن الآية فيها الإباحة، لكن قد يقال: إنه يستفاد من إباحة المحرم وجوب تناوله؛ لأن المحرم ما يُنتهك إلا بواجب. وهذه قاعدة ذهب إليها بعض أهل العلم، قال: إن المحرم إذا انتُهك فهو دليل على الوجوب، لكنها ما هي مطردة في الحقيقة مثل ما قالوا في وجوب الختان، بعض العلماء أخذوا وجوبه من هذه القاعدة، قالوا: إن الأصل أن قطع الإنسان شيئًا من بدنه حلال ولَّا لا؟ * طالب: حرام. * الشيخ: حرام، والختان قطع شيء من بدنه، ولا يُنتهك المحرم إلا بواجب، فقرروا وجوب الختان من هذه القاعدة، لكنها ما هي مطردة تمام الاطراد، ولهذا مثلًا يجوز للمسافر أن يفطر، والفطر انتهاك محرم، مع أن الفطر ليس بواجب؛ فهي ما هي مطردة اطرادًا بيِّنًا. * طالب: أقول: عندهم دليل على ما يترخص العاصي في سفره؟ * الشيخ: ذكرنا فيما سبق يا أخي؛ قلنا: شيخ الإسلام يرى أنه لا فرق بين العاصي بسفره وغير العاصي؛ لأن هذه الأحكام عُلقت بالسفر، والعاصي يأثم، وأحكام السفر باقية. * طالب: بالنسبة لذبائح أهل الكتاب بأي طريقة تكون تحل للمسلمين ولمن؟ * الشيخ: بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]. * الطالب: بالنسبة يعني لذبائحهم؛ يعني هم لهم طريقة غير طريقة المسلمين. * الشيخ: «طعامهم ذبائحهم. » كما قال ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٥٧٨).]]. * الطالب: أقصد إذا ذبحوا بطريقة غير الطريقة الإسلامية؟ * الشيخ: إذا أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه حل. * الطالب: يشترط ذكر اسم الله عليه؟ * الشيخ: لا بد من اسم الله نعم. * الطالب: لو بطريقة يعني لو ضربوها مثلًا ضربة معينة؟ * الشيخ: لو ضربوها ضربة معينة ولما غُشي عليها ذبحوها حلّت. * الطالب: ما ذبحوها، ما ذبحوا الذبح المعروف؟ * الشيخ: وأيش لون ذبحوها؟ كيف ذبحوها؟ * الطالب: بالظفر مثلًا. * الشيخ: بالظفر؟ بالظفر ما تحل؛ لأن الرسول استثناها قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]. * الطالب: إذا كانت هذه طريقتهم؟ * الشيخ: ما تحل، لكن وأيش يذبحون الشاة بظفورهم؟ * الطالب: لا، مو شاة، دجاجة. * الشيخ: ما تحل. * طالب: يا شيخ، المسلم إذا نسي التسمية؟ * الشيخ: ما تحل. * طالب: الحمار، هل في دليل على أنه كان طيبا قبل التحريم؟ * الشيخ: إي نعم، حله يدل على طيبه. * الطالب: طيب ما يكون هذا من أعمال الجاهلية مثل أكلهم الميتة، ما نقول بأنها حلال قبل؟ * الشيخ: لا، هذا أحله الشرع يأكلونه أكلًا. * الطالب: الميتة، هل نقول: إنها كانت طيبة؟ * الشيخ: الميتة كانت طيبة فخبثت بالموت. * الطالب: بس تقول: كانت طيبة وميتة، فصارت خبيثة. * الشيخ: لا، ما هي بحلال، ما جاء في الشرع حِلها. * طالب: ما الفرق بينها وبين الحمار؟ * الشيخ: الحمار كانت حلالًا يأكلونها، لكن الميتة ما كانوا يأكلونها أصلًا، ولهذا ابن عباس يرى رضي الله عنه حل الحمار حتى بعد التحريم؛ يقول: لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام ١٤٥]، وأين الحمار؟ وبعض العلماء يحرمها إذا دعت الحاجة إلى بقائها، فمثل وقتنا -على رأي بعض العلماء- يجوز أكلها، لكن الصحيح أنها رجس ما تحل. * طالب: شرب الخمر، أما كان خبيثًا؟ * الشيخ: الخمر أيضًا حُرم، لكن الخمر الصحيح أنه ما هو بنجس لذاته، ما هي نجاسة عينية. * طالب: من الخبث. * الشيخ: الخبث عملي، فنجاسة الخمر معنوية، هذا هو الصحيح، ولهذا لا ينجس الثياب. * الطالب: ولكن يا شيخ، يؤثر في العقل. * الشيخ: يؤثر في العقل، غالبًا ما يؤثر في العقل، أكثر ما حرم من أجل هذا، ولهذا علل الله التحريم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٩١]. * الطالب: يعني ما يحكم بخبث الخمر؟ * الشيخ: الخبث المعنوي. * طالب: يا شيخ، ولد الشاة يكون في بطنها ما تذكى يجدونه في بطنها؟ * الشيخ: إيه، ذكاته ذكاة أمه. المهم أننا نقول: يا إخوانا، بالنسبة للذكاة والصيد وما أشبه ذلك لها أبواب معينة، لكن اللي في بطن الأم إذا ذُبحت فذكاته ذكاة أمه. * طالب: شيخ، حديث عائشة: «إِنَّا نُؤْتَى بِلَحْمٍ فَلَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ » هناك شيء من التعارض؟ * الشيخ: قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»[[أخرجه البخاري (٣١٧٤) من حديث عائشة.]]؟ * الطالب: المعنى مختلف الآن؛ يعني كيف يجمع بينه وبينهم؟ * الشيخ: ما بينها تناقض، ما بينها تعارض حتى يحتاج الجمع. * الطالب: لكن هذا في الذبح. * الشيخ: هذاك في الذبح، لكن الأصل أن ما ذبحه المسلم فقد سمى، هذا هو الأصل، فأنت لا تشكك في فعل غيرك لو كان القوم الذين سألوا الرسول ﷺ قالوا: إن قومًا يأتونا باللحم لا يذكرون اسم الله عليه. صار فيه شيء من المعارضة. قال الله عز وجل: ﴿