×
البقرةالآية ١٦٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾

قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] إذ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر إذ تبرأ، وهل المراد بالذكر هنا التذكر؟ أو الإخبار بالشيء؟ أو الأمران؟ هل المعنى اذكر للناس هذا الأمر؟ أو تذكر أيها الإنسان هذا الأمر؟ الظاهر إنه هذا وهذا، إن الله تعالى يُذكِّرنا ويأمرنا أن نذكر لغيرنا. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأ تخلى، تبرأ التخلي والبعد، ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الرؤساء، والسادة يتبرؤون من الذين اتبعوا، وهم الأتباع والضعفاء وما أشبههم، من ذلك مثلًا رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر مثل فرعون دعا إلى الكفر فهو مُتَّبَع وقومه متبِعون، وكذلك غيره من رؤساء الكفر والضلال هؤلاء أيضًا مُتَّبَعون ومن تبعهم فهو متبِع هؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى مناقشة بعضهم لبعض ومحاجة بعضهم بعضا في عدة آيات. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهل يشمل هذا من اتبع أئمة الهدى؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: يشمل، من اتبع أئمة الهدى؟ ما يشملهم، ما يشملهم لا شك، فالمتبعون للرسول لا تتبرأ منهم الرسل، والمتبعون لأئمة الهدى ما تتبرأ منهم، الدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧] فالأخلة والأحبة في يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] نحن أمامنا الآن فعل ماض في تبرأ وفعل ماض في رأوا مع أن هذا الأمر مستقبل، لكن لتحقق وقوعه عُبِّر عنه بالماضي، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] أي: أنه سيأتي بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ رأوه بأعينهم كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] والعذاب هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] -أعوذ بالله- ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ الباء هنا إما أن تكون بمعنى عن أو تقطعت بهم صلة بمعنى أنهم يعني هم كأنهم متشبثون بها الآن، ثم تتقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق. وقوله: ﴿الْأَسْبَابُ﴾ جمع سبب، فما هي هذه الأسباب؟ المراد بها كل سبب يعلقون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين نعم؟ مثل قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢] وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩] هذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظنًّا منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تَقَطَّع بهم ولا يجدون سبيلًا إلى الوصول إلى غاياتهم. وفسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بالمودة[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣١١٣) من طريق عطاء عن ابن عباس. ]] ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] أي المودة، وهذا له نظر وجه قوي من النظر؛ لأن الآية في سياق قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فهم يرجون من هذا الحب أن يصلوا إلى مرادهم ولكنه لا ينفعهم، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وهكذا كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سببا للنجاة فإنه يخونه أحوج ما يكون إليه، فالمتمسكون بدعاء الأولياء، ودعاء الأنبياء، ودعاء الرسل، ومن باب أولى دعاء الأشجار، والأحجار وما أشبه ذلك تخونهم هذه أحوج ما يكونون إليه، فدعاؤهم للرسول مثلًا بأن ينقذهم من النار ما ينفعهم، وكذلك دعاؤهم لمن دون الرسل لا ينفعهم. ﴿