×
البقرةالآية ١٤٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٤٨﴾

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. * من فوائد هذه الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها، وإن اتفقت على أصل واحد وهو الإسلام، لكن تختلف المناهج لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. * ومن فوائدها: أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق ولا ينظر إلى غيره، لا يقل: والله الناس على كذا فكيف أشذ عنهم؟ بل يجب عليه أن يتبع الحق أين ما كان؛ لأن قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يشتمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية؛ يعني ما وجّه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ فالوجهة القدرية معروف من الناس من يهديه الله سبحانه وتعالى فيكون اتجاهه إلى الحق، ومن الناس من يُخذل فيضل فيكون اتجاهه إلى الباطل، فلا يغرنك اتجاه غيرك إلى الباطل إذا كنت على الحق ﴿لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ويشمل ما قلت قبل قليل يشمل الوجهة الشرعية، وهي اختلاف الشرائع بينها فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًّا، فإنها حق من الله. * ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. * ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله، فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر للفورية. * ومنها: البلاغة التامة في قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، دون استبقوا إلى الخيرات، وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزع منها حرف الجر، فليس بصحيح، الآية ما فيها نزع؛ لأن استبقوا الخيرات يشمل الاستباق إليها والاستباق فيها، ما هو المعنى إذا وصلت إلى الخير فتقف، لا حتى بنفس فعلك للخير، كن مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: اهدنا إلى الصراط؛ لأن المطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط ويستمر فيه، ولهذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه مثلها، وإن كان بعض المفسرين نحا إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: استبقوا إلى الخيرات، لكنها الصواب أنها ليست كذلك. * من فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا لقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾. * ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجمع متى يكون؟ * الطلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. * ومن فوائد الآية: إثبات قدرة الله عز وجل، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأنها شاملة لكل شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]. * طالب: شيخ، ألا يستفاد من الآية الرد على الجبرية (...)؟ * الشيخ: إي نعم، قد يستفاد على قراءة: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ أو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ ففيها قراءة هو ﴿مُوَلَّاهَا﴾ قد يحتجون به لكن لا مانع أن نبحث هذا، على قراءة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ واضح أن الفاعل هو الإنسان المتجه. وعلى قراءة: ﴿هُوَ مُوَلَّاهَا﴾ معناه أن الله هو الذي ولَّاه إياها، وليس فيه دليل على مذهب الجبرية، يعني ليس فيه دليل لهم بأنه حق؛ لأن المراد بـ﴿مُوَلَّاهَا﴾ الوجهة الشرعية، المراد بها الوجهة الشرعية، أما على ﴿مُوَلِّيهَا﴾ فتشمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية، أما ﴿مُوَلَّاهَا﴾ فإنها إنما يراد بها الوجهة الشرعية، يعني مُولًّى إياها موجه إليها، وقد تكون أيضًا للوجهة القدرية ولا مانع، فيكون الله سبحانه وتعالى يوليه إياها حينما زاغ، إذا زاغ عن الحق أزاغ الله قلوبهم. * طالب: شيخ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (...)؟ * الشيخ: إي نعم، حتى ما فيها دليل ما فيها دليل أصلًا. قال: ﴿