تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٣٤﴾
وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿١٣٥﴾
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، فنحن معنيون الآن بأنفسنا، أما ما جرى بين معاوية وعلي بن أبي طالب أو بين علي وعائشة وما أشبه هذا فإن هذا أمر لا يعنينا الآن، نحن علينا أن نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].
* الطالب: غير الصحابة يدخل فيها ولَّا لا؟
* الشيخ: وغير الصحابة أيضًا يدخل، ولا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمثل هذه الأمور، وعليه أن ينظر ما ينفعه في دينه ودنياه.
* ومنها: أن الإنسان وعمله؛ لقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا أحد يعطى من عمل أحد ولا يؤخذ منه، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨].
* ومنها: أن الآخِر لا يسأل عن عمل الأول، أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: عكسه؟ الأول يسأل عن عمل الآخر؟
* طالب: يمكن.
* الشيخ: يمكن، الأول قد يسأل عن عمل الآخر كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١] فقد يكون الأول صاحب بدعة ويتبع على بدعته، فيكون دالًّا على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أفهمتم؟ لكن الآخر ما يسأل عن عمل الأول.
فإذا قيل: هل آخر الآية ينقض أولها؟ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالجواب؟ لا؛ لأنهم إذا دعوا إلى ضلالة أو إلى حق واتبعناهم نحن الآخرين فهذا من كسبهم فلهم ما كسبوا.
* ومنها من فوائد الآية: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يؤاخذ أحدًا بما لم يعمله؛ لقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيسأل، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ منطوق الآية واضح نفي السؤال عن عمل الغير ومفهومها ثبوت السؤال عن عمله، وأنك مسؤول عن العمل وهو كذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في هذه الآية دعوة وادعاء، وين الدعوة؟
* الطلبة: ﴿كُونُوا﴾.
* الشيخ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والادعاء ﴿تَهْتَدُوا﴾،* فيستفاد منها: أن أهل الباطل يدعون إلى ضلالهم ويدَّعون فيه الخير، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ هذا دعوة إلى ضلال، ﴿تَهْتَدُوا﴾ ادعاء أن ذلك خير، وهكذا أيضًا ورث هؤلاء اليهود ورثهم من ضل من هذه الأمة، قال النبي ﷺ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٢١٨٩٧)، وابن حبان في صحيحه (٦٧٠٢) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. ]].
في الأمة أهل بدع ولَّا لا؟ يدعون إلى الضلالة، ويدَّعون أن هذا هو الخير، مثلًا المعتزلة يدعون إلى الاعتزال ويقولون: إن الخير فينا، نحن المنزِّهون لله عن النقائص، وأنتم أيها المثبتون للصفات أنتم مجسمة، أنتم مجسمة ممثلة، كذا ولَّا لا؟ والتنزيه عندنا، هؤلاء دعوا إلى ضلال، وادعوا أنه الحق والخير، فقالت الأشعرية: نحن جُذَيْلُها الْمُحَكَّك، نحن أصحاب الشأن أنتم من المعتزلة على خطأ والسلف مجسمة أو مفوضة، إن كانوا مفوضة فهم مسالمون لهم؛ لأن المفوض عند الأشعرية هو الذي لا يزيد على قراءة القرآن والحديث، هذا المفوض، تفويض المعنى والكيفية؛ ولهذا تجدهم الأشاعرة يقولون: مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف إثبات المعاني، فمذهبنا أعلم وأحكم من مذهبكم أيها السلف، وهو صحيح، لو كان مذهب السلف -كما يقولون- إنه مجرد أنك تقرأ وأنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] إلا قراءة، لو كان هذا مذهب السلف لكنا نشهد الله أن مذهب الخلف خير؛ لأنه يثبت أن للقرآن حقيقة ومعنى، نزل لنتعبد بهذا المعنى لله.
لكن نقول: كذبتم على مذهب السلف، ما هو مذهب السلف حقيقة؟ التفويض فيما لا يدركون علمه وهو حقيقة هذه الصفات وكيفيتها، هذا ما يقدر أحد يتكلم عن هذه الكيفية أبدًا، لكن المعنى يفوضونه ولَّا لا؟ يثبتون المعنى اللائق بالله عز وجل، إذن فهم أعلم وأحكم وأسلم فهمتم؟ الأشاعرة يقولون: إحنا اللي معنا الحق، اتْبَعونا بس، الحق معنا، لا تثبتون لله إلا سبع صفات، وسبع أحوال على خلاف بيننا وبينهم في كيفية إثبات هذه الصفات، بأن نضرب مثلًا: الكلام عندنا ثابت وعندهم ثابت أيضًا، لكن وأيش هو الكلام عندهم؟
* طالب: المعنى القائم.
* الشيخ: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهو معنى واحد سواء جاء بلفظ الاستفهام أو الخبر أو الأمر أو النهي، وسواء كان توراة أو إنجيلًا أو قرآنًا، لكن يعبر عنه بهذه التعبيرات ليكون إما خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو توراة أو إنجيلًا أو القرآن، وهذا ما هو إثبات بالحقيقة، فالمهم إني أقول يا إخواننا: كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى، دعاة السفور الآن يقولون: خل المرأة تتحرر، خلها تبتهج بالحياة، لا تغطها بالغطاء، لا تعمي عيونها بالغطفر، خلها تمش مع الناس، هذا هو الحرية، أليس كذلك؟ ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ نفس الشيء، أطلِقوا لها العنان لأجل الحرية؛ لأن هذا هو الخير، ليس من العدل أنك أنت تروح تتفرج وتنزه وتقف على هذا الدكان، وعلى هذا الدكان وهي محبوسة في البيت، وهكذا كل داع إلى ضلالة فطبعًا سوف يقني هذه الضلالة بما يغر الغريب فهو شبيه بمن؟ باليهود والنصارى.
* من فوائد الآية: مقابلة الباطل بالحق، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ لا بد أن الإنسان يسير على طريق، لكن هل هو حق ولَّا باطل؟ أثبت الله الباطل في قوله: ﴿بَلْ﴾، وقد ذكرنا في التفسير أن (بل) هنا للإضراب الإبطالي.
* من فوائد الآية: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث كنا أتباعًا له في ملته، هذه واحدة، وجه آخر: وصفه بأنه حنيف، وجه ثالث: وصفه بأنه لم يك من المشركين، ففي هذا ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام من وجوه ثلاثة، أولًا: إمامته، وأيش وجه أنه إمام؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: حيث أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، من ناحية أنه حنيف مائل عن كل دين سوى الإسلام، من ناحية ثالثة: ليس فيه شرك في عمله ﷺ.
* ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنها نوع من الشرك، كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك، لكن إن اتخذ إلهًا فهو شرك حقيقة وواقعًا وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بعض المعربين يقول: إن ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِلَهَ﴾ يعني: وإله إسماعيل وإسحاق؟
* الشيخ: لا، هذا بعيد، أقول هذا بعيد؛ لأنه يشتت النظم.
* الطالب: يتخلص منه يعني نسبة..
* الشيخ: لا، هذا معروف في اللغة العربية، الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٣ / ١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] ما في محذوف.