تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾
وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿١٤﴾
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة.
أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة.
ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢].
أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء.
والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد.
نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿