×
البقرةالآيات ١١٦–١١٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ﴿١١٦﴾

بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿١١٧﴾

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة ١١٦]. * يستفاد من هذه الآية: بيان عتو الإنسان وطغيانه؛ حيث سب الله سبحانه وتعالى هذه السبة العظيمة، فقال: إن الله اتخذ ولدًا، في الحديث الصحيح: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة.]]. فهذا من أعظم- والعياذ بالله- العدوان، ففيه دليل على طغيان الإنسان من حيث هو وعتوه لقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهو يشير كما تقدم في التفسير إلى ثلاث طوائف، مَنْ؟ * الطلبة: اليهود، والنصارى، والمشركون. * الشيخ: اليهود، والنصارى، والمشركون. ومنها،* من فوائد الآية: أن الله أبطل هذه الدعوى الكاذبة من عدة أوجه: أولًا: في قوله سبحانه، فإن تنزهه عن النقص يقتضي أن يكون منزهًا عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يُقصد به؟ * طالب: الإعانة. * الشيخ: إي نعم، الإعانة ودفع الحاجة أو بقاء العنصر، والله تعالى منزه عن ذلك، ومنزه أيضًا عن المماثلة، ولو كان له ولد لكان مثيلًا لله. وثانيًا: أبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمملوك لا يكون ولدًا للمالك حتى إنه شرعًا إذا ملك الإنسان ولده ماذا يكون؟ يَعْتِق عليه، فالمملوك ما يمكن يكون ولدًا للمالك، فالله خالق، وما سواه مخلوق، فكيف يكون المخلوق ولدًا للخالق؟ والوجه الثالث من إبطال هذه الدعوى أن جميع العباد كل العباد اللي في السماوات والأرض كل له خاضعون ذليلون، والولد لا يكون له مثل ذُلّ العبد، إذا كان الجميع عبيدًا له، كيف يكون أحد منهم ولدًا له؟ هل يذل العبد أمام أبيه كما يذل العبد أمام سيده؟ لا. ومنها الوجه الرابع: أنه سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض؛ أي مبدعهما، فالقادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب، وهم يقولون: إنه ما له أب، فأبوه هو الله، فيقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالقادر على بدعهما قادر على أن يكون له ولد، قادر على أن يخلق إنسانًا بدون أب، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧]. الوجه الخامس: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن كان هذه قدرتَه، فهل يستحيل عليه أن يوجد ولدًا بدون أب؟ * الطلبة: لا يستحيل. * الشيخ: لا يستحيل، فبطلت شبهتهم التي احتجوا بها على أن عيسى ابن الله. * الطالب: شيخ، كل له قانتون، يعني شمل العقلاء وغير العقلاء، وقانتون هم العقلاء؟ * الشيخ: تغليبًا، الآن انتهينا من الأدلة التي أبطل الله بها هذه الدعوى الكاذبة نرجع إلى الفوائد من هذه الآية؛ أولًا: امتناع أن يكون لله ولد، وأيش الدليل؟ * طالب: الوجوه الأربعة. * الشيخ: الوجوه الخمسة، هذه الوجوه الخمسة. وثانيًا: عموم مُلك الله سبحانه وتعالى لقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومن الفوائد: أن الله لا شريك له في ملكه، من أين تؤخذ؟ * طالب: من تقديم الخبر. * الشيخ: من تقديم الخبر ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * ومنها: أن القنوت يُطلق على معنيين: المعنى العام، والمعنى الخاص؛ فالمعنى الخاص هو قنوت العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر ٩]. هذا قنوت أيش؟ * الطلبة: العبادة. * الشيخ: الطاعة والعبادة الشرعية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، وكما في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]. والثاني: قنوت الذل العام، وهذا شامل لكل من في السماوات والأرض، كما في هذه الآية: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ حتى الكفار قانتون لله؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: حتى الكفار بهذا المعنى قانتون لله سبحانه وتعالى. * ومنها: عِظَم قدرة الله سبحانه وتعالى، وأيش هو؟ ببدع السماوات والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه السماوات والأرض على نظام بديع عجيب، قال الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك ٣]. هذا النظام الواسع الكبير العظيم ما يختل ولا يتغير على مر السنين والأعوام، وأيش يدل عليه؟ * الطلبة: على قدرة الله. * الشيخ: على قدرة بالغة باهرة، وحكمة عظيمة أيضًا بالغة، حكمة عظيمة، كل شيء منظم تنظيمًا بديعًا متناسبًا ما يصطدم شيء بشيء فيفسده، ولا يغير شيء شيئًا بل كل سائر على حسب ما أُمر به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢]. إذن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ * يستفاد منها: القوة والقدرة والحكمة. * طالب: (...) السماء (...). * الشيخ: نعم. * ومنها أيضًا: أن السماوات عدد؛ لأن الجمع يدل على العدد، فكم هي؟ * الطلبة: سبع. * الشيخ: سبع، وهي كما قال الله تعالى: طباق ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥]. بعضها فوق بعض، وقد دل القرآن والسنة وإجماع المسلمين على أن السماء جرم محسوس، وليس كما قال أهل الإلحاد: إن الذي فوقنا علو لا نهاية له؛ لأن هذا كفر اللي يؤمن بهذا يكفر؛ لأنه كافر بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين. * ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيء ولا يمتنع عن أمره شيء لقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]. * ومنها: إثبات أن القضاء نوعان: قضاء قدري، وقضاء شرعي، القضاء القدري مثل هذه الآية: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره كونًا وخلقًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والقضاء الشرعي كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قضى شرعًا ولا قدرًا؟ * الطلبة: شرعًا. * الشيخ: شرعًا؛ لأنه لو قضاه قدرًا ما أشرك أحد لعبد الناس كلهم الله، فهو قضاء شرعي، والفرق بينهما: أن القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ يعني قد يفعله المقضي عليه وقد لا يفعله، والقضاء الكوني لا بد أن يفعله، ولا بد أن يقع في المقضي عليه، كما أني الآن ذكرت الفرق بين القنوت العام والخاص؛ أن القنوت الخاص يُحمد عليه القانت، والقنوت العام لا يحمد عليه؛ لأنه ذل لله عز وجل كونًا وقدرًا. * ومن فوائد الآية: إثبات القول لله كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾. * ومنها: أن قوله بحروف. * الطالب: ﴿قُلْ﴾. * الشيخ: لا، قل، ما فيها قل. * الطالب: لا، كُن. * الشيخ: كن، كن هذه حروف. * ومنها: أن قول الله مسموع ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ و(له) صريحة في توجيه القول للمقول له، ولولا أنه يسمعه ما صار في توجيهه له فائدة، ولهذا يسمعه الموجَّه إليه الأمر فيمتثل. * ومنها: أن الجماد خاضع لله سبحانه وتعالى، حتى الجماد، وجه ذلك؟ لأن قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يشمل الأمور المتعلقة بالحيوان والمتعلقة بالجماد، فالجماد إذا قال الله له: كن؛ كان. ومنها،* من فوائد الآية: أنه ليس بين أمر الله بالتكوين وبين كونه تراخيًا، ما فيه تراخي بل يكون على الفورية، من أين تؤخذ؟ * طالب: من التعقيب بالفاء. * الشيخ: إيه، من قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالفاء، والفاء تدل على التعقيب، على الترتيب والتعقيب. * طالب: هل يحس الجماد؟ * الشيخ: إي نعم، يحس. * الطالب: يدل على: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] أنه قول فعلي حقيقي؟ * الشيخ: إيه، حقيقي نعم. * الطالب: عرض الأمانة على السماوات حقيقي؟ * الشيخ: نعم، إي نعم حقيقي، ما فيه إشكال. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من الذي خالف في أن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف وصوت؟ * طالب: الأشاعرة. * الشيخ: الأشاعرة. * الطلبة: الجهمية. * الشيخ: لا الجهمية ما خالفوا، قالوا: كلام الله بحرف وصوت، لكن كلام الله مخلوق ما هو من صفاته والمعتزلة كذلك، لكن الأشاعرة والكُلَّابية والماتريدية، كلهم يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات عبارة عنه أو حكاية، ولهذا قال بعض محققيهم: إنه ليس بيننا وبين المعتزلة في الكلام فرق، ما بيننا وبينهم فرق؛ لأننا اتفقنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق. لكن هؤلاء يقولون؛ المعتزلة يقولون: اللي بين دفتي مصحف كلام الله، وأولئك يقولون: عبارة، فكان المعتزلة في هذه الناحية خيرًا منهم، كانوا خيرًا منهم في هذه الناحية؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، ودول يقولون: ما هو كلام الله، هذا عبارة عنه، والكل اتفقوا على أن ما بين دفتي المصحف فإنه مخلوق، فالمهم أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بصوت وحروف، وأنه مسموع، ولكن إذا قال قائل: كيف يمكن أن نتصور هذا ونحن نقول: إن الله ليس كمثله شيء؟ وأنتم تقولون: إنه بحروف؟ قلنا: نعم الحروف هي الحروف، لكن كيفية النطق وحقيقة النطق بها أو القول، هل يشبه نطق المخلوق وقوله؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لا، ما يشبهه، فمن هنا نعرف أننا لا نكون مشبهة إذا قلنا: إنه بحرف وصوت؛ لأننا نقول: صوت ليس كأصوات المخلوقين، بل هو حسب ما يليق بعظمته وجلاله. ثم قال تعالى: ﴿