×

البقرة

الآيات ١٠٧–١٠٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿١٠٧﴾

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴿١٠٨﴾

ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض أو تريدون أن تسألوا ما يصح، فهي بمعنى (بل)، أيضًا ما في معادل، تقول مثلًا: أتحب الخبز أم الرز، هذه أيش نسميها؟ متصلة، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] وأيش يصير؟ متصلة نعم. قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ فهي منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، يعني: بل، أتريدون والإضراب هنا ليس للإبطال. * طالب: (...). * الشيخ: (...)، وأما قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قلنا: إنها بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل، بل هو باق، فالإضراب هنا إضراب انتقال، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ الإرادة: هنا بمعنى المشيئة، وإن شئت فقل: بمعنى المحبة؛ لأن الإنسان محبته مشيئته، ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ والخطاب هنا هل هو للمسلمين أو لكل أحد؟ قال بعض المفسرين: إن الخطاب لليهود حينما سألوا النبي ﷺ آيات يأتي بها، وقيل: إنه للمشركين ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء ٩٠]، وقيل: إنه للمسلمين. ولكن الآية صالحة للأقوال كلها، لأن محمدًا ﷺ رسول للجميع، لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ ولم يقل: كما سألتم موسى من قبل، إنما نحن نقول: إن الآية صالحة للجميع، يعني: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كانت بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها، وهذا لا شك أن الاستفهام يراد به الإنكار، يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام صح عنه: «أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٣٥٨ / ١٣٣) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. ]]، هذا أعظم المسلمين جرمًا والعياذ بالله فالحاصل.. * طالب: من سئل ولا؟ * الشيخ: «مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»، فهذا نهي وإنكار على الذين يسألون الرسول ﷺ مسائل، إما أنها ما وقعت أو مسائل فرضية لا تقع يمكن إلا نادرًا، والمطلوب من المسلم أن يسكت إذا قيل له شيء فعل وإذا لم يقل له شيء فهو عفو، من هذه المسائل مثلًا قول الأقرع بن حابس لما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ» فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ »[[أخرجه النسائي في السنن (٢٦٢٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]] هذا السؤال في غير محله. فعلى هذا نقول ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾: هذا إنكار لأي شيء؟ في سؤال النبي ﷺ عن أمور لم يُكلَّف الإنسان بها، وأما ما كُلِّف الإنسان به فلا حرج فيه، والصحابة دائمًا يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويرضى الله سؤالهم فيبين الحكم، ونقل عن ابن عباس «أن في القرآن من سؤال المسلمين للرسول عليه الصلاة والسلام اثني عشر سؤالًا »[[مسند البزار (٥٠٦٥) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] وهي يمكن عدها، نعدها الآن؟ جب لنا سؤال من سؤال المسلمين اللي في القرآن. طالب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]. * الشيخ: قلناها. * طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات ٤٢]. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة ٢٢٠] * الشيخ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ سبعة. * الطالب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه ١٠٥] * الشيخ: نعم، ثمانية. * الطالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] * الشيخ: تسعة. * الطالب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء ٨٥] * الشيخ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ عشرة. * طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٤] * الشيخ: نعم، إحدى عشر. * طالب: (...). * الشيخ: ذكرناها، ما بقي إلا واحدة. * طالب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٨٣] * الشيخ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هذه اثنا عشر. * طالب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة ١٨٦] * الشيخ: لا ما هي منها. * طالب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء ١٢٧]. * الشيخ: طيب، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ ما تصلح؟ * طالب: لا تصلح. * الشيخ: تصلح؟ * طالب: مثل ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. * الشيخ: نعم هم سألوا الرسول ﷺ قالوا:« يا رسول الله ﷺ أقريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ »[[أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة برقم (٥٢٢) مرسلًا من حديث عيينة بن أبي عمران.]] لكن ما قالوا: يسألونك. * طالب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (...). * الشيخ: طيب الاستفتاء مبني على السؤال، لكن بس الإنسان، إن كان مراد ابن عباس السؤال بهذا اللفظ، احنا نسقط ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ مرتين يبقى عندنا واحدة. * طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. * الشيخ: ذكرناها، هي اللي عدت. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان المعنى واحد ما في عبرة في (...). * طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٢١٥] * الشيخ: قلناها، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال ١] قلتوها؟ * الطلبة: ما قلناها. * الشيخ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ اثنا عشر، بإسقاط ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، طيب، على كل حال هنا ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾، الصحابة رضي الله عنهم بقي فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كم من سنة؟ ثلاث وعشرين سنة، ما سألوه إلا اثني عشر سؤالًا، هذا كما جاء في القرآن، وأما في السنة فكثيرًا ما يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام عن أشياء. * طالب: يا شيخ؟ الأقرع بن حابس الذي سأل النبي ﷺ عن سراقة؟ * الشيخ: لا الأقرع بن حابس، سراقة سأله لما أمر بالتمتع، قال: «ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري برقم (١٧٨٥) ومسلم برقم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * طالب: هل السؤال للرسول ﷺ خاص أم عام؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: خاص أم عام؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...) * الشيخ: هو بعد وفاة الرسول ما هو ممكن هذا، بعد وفاة الرسول ما يمكن يحرم شيء ولا يحلل شيء؛ لأن الحرام والحلال قد ثبت، ولهذا بعد وفاة الرسول اسأل ولا حرج عليك، لكن ما ينبغي عاد أن تسأل الأغلوطات، هؤلاء الذين يأتون بهذه الأشياء التي تحرج ولا يكون فيها خير، تجده مثلًا يسأل: ما لون كلب أصحاب الكهف؟ * طالب: ما لونه؟ * الشيخ: دوّر، راجع بالكتب كتب التاريخ، يمكن يمضي خمسة أيام ستة أيام وهو يطالع كتب التاريخ، والفائدة؟ لا شيء، الفائدة لا شيء، ومن هذا أيضًا عناية بعض المحدثين بالمبهَمين، جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله كذا وكذا، جاء أعرابي فقال: يا رسول الله كذا وكذا، بعض الناس يكون عنده نهمة ليطلع من هذا السائل؟ ومن هذا الرجل؟ هذا بالحقيقة لا شك أن العلم به خير من الجهل به، لكنه من فروع العلم، بمعنى إنه ما ينبغي أن نمضي أعمارنا بطلب مَن هذا القائل من هذا السائل. * طالب: شيخ، ممكن السؤال هذا يترتب عليه أشياء مفيدة؟ * الشيخ: احنا قلنا: إن معرفته خير، لكن ما هو معنى أن نمضي أعمارنا عشان نفهمه، فالحاصل إن السؤال عن الأشياء التي تعتبر أغلوطات وألغاز وأحاجي حتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ما ينبغي، ولهذا كان بعض السلف إذا سُئل عن شيء قال للسائل: أوقعت بك؟ إن قال: نعم، قال: سيعين الله، الله ما ينزل بلية إلا أنزل لها حلًّا، وإن قال: ما وقعت بي، قال: ما أنا مفتيك؛ لأنهم ما (...) يتعبون أنفسهم مثلًا في طلب الحكم إذا كانوا ما يحسنونه، أو أنهم يضعون حكمًا قد يتغير رأيه فيه فيما بعد، ويكون هذا السائل قد أخذ به، إلا في أمر وقع، يعني إذا وقع الأمر لا بد من إيجاد الحل، فالمسائل الأغلوطات التي يأتي بها بعض الناس ويسألون إذا كان ليس فيها مصلحة فلا تنبغي، أما إذا كان فيها مصلحة مثل إنسان بيمرن طلبته على هذه المسائل، فهذا لا شك إنه من باب العلم، وهو طريق من طرق التعليم، وقد ألقى النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه لغزًا، ما هو؟ * الطلبة: الشجر. * الشيخ: الشجر. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة ١٠٨] ﴿رَسُولَكُمْ﴾ أضافه الله تعالى إليهم، فقال: ﴿رَسُولَكُمْ﴾، مع أنه في آيات كثيرة أضافه الله إلى نفسه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ﴾ [المائدة ١٥]، فما هو الجمع بين ذلك، هل هذا من باب التعارض والتناقض؟ أو أن كل واحدة من الإضافتين تُنَزَّل على حال؟ نقول: كل واحدة من الإضافتين تنزل على حال، فهو رسول الله باعتبار أنه أرسله، وهو رسولنا باعتبار أنه أُرسل إلينا، نعم، والمراد به محمد ﷺ بالإجماع، ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، هو موسى سُئِل؟ * الطلبة: كثير ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣] * الشيخ: إي نعم، إلى هذا الحد ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣]، والبقرة عدة أسئلة وردت فيها، و﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، وغير ذلك، فبنو إسرائيل هم المشهورون بالأسئلة والتعنت والإعياء والإعجاز، أما هذه الأمة فإنها قد أدبها الله عز وجل فأحسن تأديبها، ما يسألون إلا عن أمر لهم فيه حاجة، ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الاستنباط بيأتي بعد، وهذا إنكار من الله عز وجل على هذه الأمة أن يكون دأبهم السؤال للرسول ﷺ كما كان دأب بني إسرائيل. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، ﴿يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾، يعني يأخذه بديلًا، شو عنه؟ عن الإيمان، وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مخلوق يولد على الفطرة، كل مولود يولد على الفطرة، فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، طيب، ما مناسبة آخر الآية لأولها؟ مناسبتها ظاهرة؛ لأن كثيرًا من الناس الذين يسألون قد يسألون ولا يعملون، لا سيما في الوقت الحاضر، فإن كثيرًا من الناس يسأل فلان وفلان وفلان وفلان، ما يريد أن يعمل، يريد أن يعلم ما عند الناس فقط، أما العمل فلا، ولهذا نحن جربنا ذلك في مواسم الحج، تجد السؤال يُطرح على عدة علماء، ومعنى ذلك أن السائل ما أراد الحق؛ لأنه لو أراد الحق لكان إذا استفتى من يثق به أخذ به وانتهى، لكن يجي يسأل هذا ويسأل هذا، وتجد هذا السؤال يتردد بين علماء كثيرين، كلما بحثنا عالم ولا عنده علم منه؛ لأنه مسؤول عنه، ربما يبحث عن الأسهل نعم، وربما إذا كلهم ما جازوا له، قال: خلاص، دول متناقضين ما عندهم علم، والعلم براسنا (...) وهذا أمر معروف، فالإنسان الذي يتبدل الكفر بالإيمان، بمعنى أنه لا يتبع الحق بعد ظهوره ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى: تاه، و﴿سَوَاءَ﴾ بمعنى: وسط، و﴿السَّبِيلِ﴾ الطريق، يعني: خرج عن وسط الطريق إلى حافات الطريق وإلى شُعَبها، وطريق الله تعالى واحد، فالواجب عليك أن تمشي في سواء الصراط، في الوسط حتى لا تضل. ثم قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾، ﴿وَدَّ﴾ بمعنى: أحب، بل إن الود خالص المحبة، خالص المحبة يسمى ودًّا، والمعنى أن كثيرًا من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم أن يردوكم كفارًا، ويردوا بمعنى يُرجعوا، وعلى هذا فهي تنصب مفعولين؛ الأول: الكاف في ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾، والثاني ﴿كُفَّارًا﴾، يردونكم، أي: يرجعونكم كفارًا، وقوله: ﴿لَوْ﴾ هذه مصدرية ولّا شرطية؟ * طالب: مصدرية. * الشيخ: هذه مصدرية، يعني: ودوا ردَّكم كفارًا، فهي مصدرية، وهي كلما أتت بعد ما يدل على المودة والمحبة فإنها مصدرية، أحب لو تفعل كذا وكذا، أود لو تفعل كذا وكذا، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢]، فتكون مصدرية كلما جاءت بعد فعل يدل على المحبة. وقوله: ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، وهذا أشد إن الإنسان - والعياذ بالله - بعد أن يؤمن يرتد، ولهذا الكافر الأصلي اللي ما آمن من قبل يُقَرّ على كفره، وأما الذي آمن ثم كفر فإنه لا يقر، بل يقال: إما أن ترجع إلى الإسلام الذي خرجت منه، وإما أن تُضرب عنقك. وقوله: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿حَسَدًا﴾ هذه مفعول من أجله، أي: لأجل الحسد، وعامله قوله: ﴿وَدَّ﴾، يعني: هذا الود لا لشيء، ولكن حسدًا؛ لأن أهل الكتاب يعلمون أن الإيمان سعادة في الدنيا والآخرة. في هذه الآية، أولًا: إثبات النسخ، وأنه جائز عقلًا وواقع شرعًا، وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني فإنه زعم أن النسخ مستحيل، وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص وليس من باب النسخ، وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه، بل أمدها إلى يوم القيامة، فإذا نُسخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ، أخرجناه من الحكم، فمثلًا وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجبًا إلى متى؟ إلى يوم القيامة، شاملًا لجميع الأزمان، فلما نُسخ أُخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصًا، فيسميه تخصيصًا، وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وبين جمهور الأمة بل عامة الأمة خلافًا لفظيًّا؛ لأنهم متفقون على جواز مثل هذا الأمر، إلا أنه هو يسميه تخصيصًا وغيره يسميه نسخًا، والصواب تسميته نسخًا؛ لأنه صريح القرآن، ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾، ولأنه هو الذي جاء عن السلف ثبوت النسخ، فالصواب إذن جواز النسخ، وقوع النسخ شرعًا، وجوازه عقلًا، ولا مانع. * ومن فوائد الآية: أن الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة، فإن الله لا يبدل حكمًا بحكم إلا لمصلحة. ومنها من فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾، أو مماثل له عملًا، وإن كان خيرًا منها مآلًا، لقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾. ومن فوائد الآية أيضًا: أن أحكام الله سبحانه وتعالى تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان، بمعنى أنه قد يكون الحكم خيرًا للعباد في هذا الوقت، ويكون غيره خيرًا لهم في وقت آخر، أليس كذلك؟ إي نعم. أليس كذلك؟ إي نعم. ومنها من فوائد الآية: عظمة الله عز وجل في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾، فإنه الضمير هنا ضمير تعظيم، ما قال: ما أنسخ، قال: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾، الضمير هنا ضمير تعظيم، وهو سبحانه وتعالى أهل العظمة. ومنها أيضًا، من فوائد الآية: إثبات تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ومنها: أن القدرة عامة شاملة؛ لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ومنها: أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية، فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها، فإذا كان قادرًا عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية، وهذا فائدة قوله بعد ذكر النسخ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنه قد يقول قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؟ والفائدة أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ من فوائد الآية أيضًا: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾. ومنها، من فوائد الآية: اختصاص الملك لله، يُستفاد من أين؟ من اين يُستفاد اختصاص الملك لله؟ * طالب: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. * طالب: ﴿لَهُ مُلْكُ﴾، تقديم (...). * الشيخ: تقديم الخبر، تقديم الخبر يدل على الحصر، له وحده ملك السماوات والأرض. ومنها: أن إضافة الملك إلى العباد إضافة مقيدة، فالله أضاف الملك للعباد، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣]، ولكنها إضافة مقيدة، تؤخذ من قوله؟ * طالب: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾. * الشيخ: نعم ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أنا مثلًا عندما يضاف الملك لي ملك مقيد، ما هو ملك مطلق، الملك المطلق لله وحده لا شريك له. ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء ويُثبت؛ لأن هذا كالتعليل لقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، فالمالك للسماوات والأرض يتصرف فيهما كما يشاء. ومنها، من فوائد الآية أيضًا: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءًا، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية والنصر، تؤخذ من أين؟ إنه يجب على الإنسان إنه يرجع إلى الله في طلب الولاية والنصر من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. * الشيخ: إي نعم؛ لأنا متى علمنا ذلك، احنا ما نطلب من أحد يتولانا إلا الله، ولا أحد ينصرنا إلا الله، طيب، فإذا قال قائل: إن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢]، ويقول: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة ٤٠]، فأثبت نصرًا لغير الله؟ فالجواب على ذلك: أن إثبات النصر لغير الله إثبات السبب، سبب فقط وليس مستقلًّا، والنصر المستقل من عند الله، أما انتصارنا بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب، ليس على وجه الاستقلال. * طالب: شيخ، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧] (...)؟ * الشيخ: إي نعم، نفس الشيء، يعني تنصروا دينه، تفعل ما يكون به نصر الدين. * الطالب: هل يجوز إن الواحد يقول: مولانا؟ * الشيخ: إي، يجوز، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم ٤]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، و﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة ٥٥]، طيب. * * * * الشيخ: قال تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ١٠٨] يستفاد من هذه الآية إنكار كثرة الأسئلة؛ لأن هذا الاستفهام ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ يقصد به الإنكار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذرًا من ذلك: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهَلَكَ الذَّيِنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِم وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيائِهِم»[[متفق عليه، البخاري برقم (٧٢٨٨)، ومسلم برقم (١٣٣٧ / ١٣١) من حديث أبي هريرة.]] وأخبر ﷺ: «أَنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»[[متفق عليه، البخاري برقم (٧٢٨٩)، ومسلم برقم (٢٣٥٨ / ١٣٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. ومنها، هل نقول: هذا الحكم جارٍ حتى الآن؟ نقول: نعم، هو جارٍ حتى الآن، فلا ينبغي كثرة السؤال إلا لمصلحة، إما رجل وقعت به مسألة فيسأل عن حكمها، أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها، وأما الأسئلة التي مجرد استظهار ما عند الإنسان فقط، أو أقبح من ذلك مَن يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك، أو لأجل إعنات المسؤول وإحراجه فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا ينبغي، فالسؤال نقول: لا ينبغي إلا في حالين: حال رجل وقعت به مسألة يحتاج إلى معرفة حكمها، والحال الثانية طالب علم يحتاج إلى معرفة أحكام المسائل لينتفع وينفع، ويعرف كيف يستنتج المسائل من أصولها، وأما مجرد كثرة الأسئلة للنظر ما عند الإنسان، أو لضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو لإعنات الإنسان وإحراجه، وما أشبه ذلك، فهذا من الأمور المذمومة. * طالب: لكن لو كان مثلًا طالب عند معلم يريد أن يختبر المعلم هذا ليثق بأقواله (...)؟ * الشيخ: هذا أيضًا قد يكون هذا لمصلحة، لكن هذا بعيد، كيف متعلم يبي يختبر معلم؟ * الطالب: قد يكون عالمًا بمسألة. * الشيخ: لكن أنت تأخذ المتعلم ولا المعلم؟ * الطالب: متعلم عالم بمسألة، يعني بحث في مسألة، أراد أن يختبر هذا الإنسان ليثق بأقواله ليأخذ بها؟ * الشيخ: على كل حال إذا كان لمصلحة ما فيه بأس، إن كان يريد أن يُظهر أيضًا إن كان يريد أن يظهر عجزه وغلطه فهذا غلط أيضًا ما يجوز؛ لأن هذا من باب محاولة إظهار عيوب المسلمين. * ومن فوائد الآية: أن اليهود كانوا أيضًا سألوا موسى، سألوا موسى عن أشياء، فكان العاقبة فيها سليمة ولا وخيمة؟ وخيمة، يسألون عن أشياء بُيِّنت لهم لكنهم ما عملوا بها، فكان نتيجة السؤال الخيبة. ومن فوائدها أيضًا: إثبات رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، تؤخذ من أين؟ * طالب: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، يعني وهو رسول. ومن فوائد الآية أيضًا: ذم من استبدل الكفر بالإيمان، بمعنى أخذ الكفر بديلًا عنه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. * ومن فوائدها: عكس هذه المسألة أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدِي إلى سواء السبيل، أي إلى وسطه وخياره. ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما سأل وأجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان، بعد ما تبين له أنكر، فالواجب على المرء إذا سأل أن يعمل، ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتيًا ملتزمًا بقوله حَرُم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه لما سأله ملتزمًا قوله وأيش صار يعتقد؟ أن ما قاله فهو الشرع، إذا كان تعتقد هذا لا تسأل غيره، نعم إذا سألت إنسان تثق به وأفتاك وبناء على أن فتواه هي الشرع، ولكنك سمعت في مجلس عالم آخر حكمًا نقيض ما أُفتيت به مدعمًا بالأدلة، فحينئذ لك أن تنتقل، أو سألت عالمًا مقتنعًا بقوله للضرورة، ما عندك مثلًا في البلد أعلم منه وسألته على أساس أنك إذا وجدت من هو أعلم سألته، فهذا أيضًا يجوز أنك تسأل غيره إذا وجدت أعلم منه؛ لأن الإنسان أحيانًا يقول: أنا بسأل هذا العالم اللي عندنا على أنني في اعتقادي إني إذا وجدت من هو أعلم سأبحث عن الحق، فهذا لا بأس به، وإلا فلا ينبغي، على أنه أيضًا إذا سألت عالمًا ملتزمًا بقوله وذهبت تسأل آخر ربما تختلف الفتوى، وحينئذ تبقى متذبذبًا، من تتبع؟ فأنت الحمد لله ما دام أنك فعلت ما أوجب الله عليك، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣] (...) ومن أهل الذكر فامش على قوله ولا تسأل ولا تبحث. * طالب: هل في فرق بين خير وأخير؟ * الشيخ: لا، الخير والأخير. * الطالب: وأبلغ أخير؟ * الشيخ: لا، أصل خير هي أخير، بس إنها حذفت الهمزة تخفيفًا مثل شر وأشر.