×

البقرة

الآية ١٠٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿١٠٥﴾

ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا من المشركين، ويش ما يودون؟ ما يودون أي شيء؟ ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه مفعول ﴿يَوَدُّ﴾، يعني: ما يودون تنزيل خير. ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، و﴿خَيْرٍ﴾ نائب الفاعل يعني أن ينزل عليكم خير، والخير هنا يشمل خير الدنيا والآخرة، لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون ينزل علينا أي خير، لو تمكنوا من أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا، وهذا خاص في أهل الكتاب في عهد الرسول ﷺ؟ * طالب: عام. * الشيخ: عام، ولهذا جاء بصيغة المضارع ﴿مَا يَوَدُّ﴾ وهو دال على الاستمرار، فهم ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يحبون. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بيان لـ(الذين)، وقوله: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شاملًا لأهل الكتاب وللمشركين، هؤلاء ما يودون أن ينزل عليكم، وفي قراءة: ﴿أَنْ يُنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ قراءة سبعية، وقوله: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ و﴿أَنْ يُنْزَلَ﴾ الفرق بينهما أن التنزيل هو إنزاله شيئًا فشيئًا، وأما الإنزال فهو إنزاله جملة واحدة، فهم لا يودون لا هذا ولا هذا، لا يودون أن ينزل الخير جملة واحدة، ولا أن يُنزَّل شيئًا فشيئًا. * طالب: بالتشديد شيئًا فشيئًا؟ * الشيخ: إي نعم، بالتشديد شيئًا فشيئًا. وقد ذكر أهل العلم أنه إذا جاءت قراءتان، وفي إحداهما زيادة حرف فالأولى القراءة بها، قالوا: من أجل زيادة الثواب، لأن كل حرف فيه عشر حسنات، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأولى أن يقرأ الإنسان بهذا تارة وبهذا تارة، كما نقول في السنة العملية: إذا اختلفت أنواعها فإن الأولى أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، ولكن هذا بالنسبة لقارئ القرآن الذي يقرؤه لنفسه أو يقرؤه لطلبة العلم، وأما الذي يقرؤه لغيره من العامة فلا ينبغي أن يخرج عن القراءة المألوفة، وذلك لأن العامة إذا قرئ عليهم القرآن بغير القراءة المألوفة تنكره قلوبهم، ثم يستطيلون على القرآن ويستهونون به، فلهذا ينبغي للإنسان أن يراعي هذا الأمر، بعض الناس يقرأ بالقراءات المتعددة أمام العامة، الله أعلم بنيته هل يريد أن يعلم أو يريد أن يقال: إنه عالم في القراءات، الله أعلم بنيته، نحن ما شققنا عن قلبه، ولكنَّ هذا ليس من باب التربية الحكيمة، فإن العامة لهم شأن غير شأن طلبة العلم. وقوله: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ يصلح أن نقول: إن (من) زائدة، وإن المعنى: أن ينزل عليكم خير من ربكم، أو نجعل أن (من) داخلة في ضمن النفي فتكون للعموم، يعني: أي خير يكون قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا أولى. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ما المراد بالخير هنا؟ هل هو خير الآخرة يعني الوحي؟ أو خير الدنيا والآخرة فيشمل هذا وما ينزل من المطر أو غيره؟ الثاني هو الأولى أن يكون شاملًا، فإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ما يودون أن ينزل للمسلمين خير أبدًا، لا خير ديني ولا خير دنيوي، ولكن الله تعالى رد هذا عليهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (يختص) تستعمل لازمة ومتعدية، فإن كانت لازمة فإن ﴿مَنْ﴾ فاعل ﴿يَخْتَصُّ﴾، ومعنى يختص: أي ينفرد برحمته من يشاء، كما تقول: خصصته بهذا الشيء أي: أفردته به، وعلى هذا فتكون من؟ فاعلًا، وتستعمل (يختص) متعدية بمعنى (يخص)، يخص برحمته من يشاء، وعلى هذا فتكون ﴿مَنْ﴾ مفعولًا به لـ﴿يَخْتَصُّ﴾، والمعنى على كلا الوجهين، المعنى واحد، أي: أن الله تعالى يخص برحمته من يشاء فيختص بهذه الرحمة من خصه الله. وقوله: ﴿بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعم الرحمة التي تعود برحمة الدين والدنيا، والتي تعود برحمة الدين أو الدنيا؛ لأن الله تعالى يختص بهذا من يشاء، وقوله: ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول الله ﷺ هو من رحمة الله عليه وعليهم. وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا كما أسلفنا مرارًا مقرون بأي شيء؟ بالحكمة، يعني اختصاصه لمن يشاء بالرحمة مبني على حكمته تبارك وتعالى، فمن اقتضت حكمته أن يرحمه رحمه، ومن اقتضت رحمته أن لا يختصه بالرحمة لم يرحمه. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿ذُو﴾ خبره، وذو بمعنى صاحب، و﴿الْفَضْلِ﴾ العطاء، العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة، وقوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ يعني: الواسع الكثير الكبير، فالعِظَم هنا يعود إلى الكمية وإلى الكيفية، ومن فضله تبارك وتعالى أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة ما جعلها لأحد سواها، منها مثلًا ما في حديث جابر في الصحيحين: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ]] إلى آخر الحديث، فهذا مما اختص الله به من يشاء. ثم قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أولًا الإعراب والقراءات: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (ما) شرطية، اسم شرط جازم تجزم فعلين، الأول فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه. * طالب: يا شيخ، ما أخذنا فوائد الآية السابقة؟ * الشيخ: إي ما أخذناها نمشي. * طالب: (...). * الشيخ: يعني ممكن نقف على هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إذن إن شاء الله نقف على هذا، نأخذ الفوائد. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ * يستفاد من هذه الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، ويدلك على هذا: أن أحدهم سحر النبي ﷺ وهو «لَبِيدُ بن الأَعْصَم سحر النبي عليه الصلاة والسلام »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩ / ٤٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] كما هو معروف. * ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تَتْبَعُه على ملك سليمان. * ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر حتى في عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ لا يقرهم على هذا الأمر، ولهذا نفى عنه الكفر؛ إذ لو أقرهم على ذلك لكان -وحاشاه من أن يقرهم- لكان مقرًّا على كفر. * ومنها: أن الله تعالى قد يقدر أسباب المعصية فتنة للناس، من إنزال الملكين يعلمان الناس السحر، فإن هذا من التيسير تيسير هذا الأمر ابتلاء وامتحانًا، وله شواهد أيضًا وهو الامتحان بتيسير أسباب المعصية منها؟ * طالب: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف ١٦٣]. * الشيخ: منها قصة أصحاب السبت الذين يُسِّرَت لهم الحيتان متى؟ في يوم السبت اليوم الذي يحرم عليهم صيد السمك فيه. * ومنها: ما ابتلى الله به بهذه الأمة من الصيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤]. * ومنها: ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * ومنها أيضًا: قصة يوسف حينما غَلَّقت الأبواب امرأة العزيز وانفردت به ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف ٢٣]، فإن هذا ابتلاء من الله عز وجل في هذا الأمر العظيم، فالمهم أن الله تعالى يبتلي المرء بتيسُّر أسباب المعصية له، فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب العصية لا تفعل، احذر ترى هذا مثل العصفور الذي يُقدم له السم في الطعم، فلتكن على حذر. * ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس، وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه، قالوا: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإذا كان عندك سلعة ما هي طيبة، وأراد أحد يشري منك تسكت وتخليه يشري يمشي؟ * طالب: لا. * الشيخ: يجب عليك تحذره، تقول: ترى ما هي بطيبة، إن شرى فهو شأنه وإلا بكيفه، وكان أحد الناس المعروفين عندنا بالصدق إذا كان عنده السلعة، وسُئل عنها أخبر بالصدق حتى إنه كان من جملة ما يخبر به يقول: الناس يمدحونها وأنا ما (...) إلى هذا الحد، لكن أين هذا في وقتنا الحاضر؟ فالمهم أن هذا فيه دليل على أن من النصح أن يخبر الإنسان بالأمر على وجهه وإن أدى ذلك إلى نفور الناس عنه. * ومنها: أن تعلم السحر كفر؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. * ومنها: أن تعليم السحر كفر أيضًا ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فإن جملة ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ تعليل للكفر، إذن فتعلُّم السحر وتعليم السحر كفر. وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه خلاف، فقال بعض أهل العلم: إنها لا تقبل توبته، وقال آخرون: إنها تقبل توبته، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] أما إذا قلنا: بأن السحر ليس بكفر وأن قتل الساحر حد، فإنه إن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، وإن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط؛ لأن الحدود ما تسقط إذا تاب الإنسان بعد القدرة عليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما لهم دليل إلا أنهم يقولون: إن هذا لعظم كفره؛ لأنه كفر عظيم فلا تقبل توبته، فيقال: ما هو بأعظم من سب الله تعالى. * طالب: الصواب أنه يقتل حدًّا أو كفرًا؟ * الشيخ: الصحيح أنه يقتل كفرًا، الآية تدل على هذا؛ لأنه يكفر. * طالب: حكمه حكم الكافر على القتل؟ * الشيخ: حكمه حكم الكافر على القتل، إلا إذا تاب فإنه تقبل توبته ويُرفع عنه القتل. * طالب: التوبة تسقط الحدود؟ * الشيخ: تسقط الحدود إذا كانت قبل القدرة، قبل القدرة عليه، لأن الله قال في قطاع الطريق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * طالب: حق الناس؟ * الشيخ: لا، حق الناس ما يسقط بالتوبة، الناس مثلًا لو كان هذا الساحر قد أتلف أموالًا، فإنه لا تسقط بالتوبة، يُضمَّن هذه الأموال أو مثلًا أصاب الإنسان بشلل، سحره فأصابه بشلل أو ما أشبه بذلك فيؤخذ منه. * طالب: (...) ما يحبون اللحية (...). * الشيخ: يسحرون الواحد؟ * الطالب: لحية (...) ما يحبون اللحية. * الشيخ: إي ما يحبونها. * الطالب: (...) اللحية كيف (...)؟ * الشيخ: إحنا نبحث في السحر. * الطالب: (...). * الشيخ: إذن هذا من باب القياس، إذا قالوا هكذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢]، واقرأ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠] قل ما أنا بحالق، لا تحلق اللحية، إن يمسكوك وغصبوك وحلقوها هم فالإثم عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إي هي. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * ومن فوائد الآية: أن من أعظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء وزوجه، أن هذا من أعظم أنواع السحر؛ لقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ لأن من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين أن يفرق بين المرء وزوجه، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أن الشيطان يضع كرسيه أو عرشه على الماء، ويبث جنوده في الأرض للإفساد، فيأتي أحدهم ويقول: فعلت كذا، والثاني: فعلت كذا، والثالث: فعلت كذا، ثم يأتي أحدهم فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته »، وحينئذ ماذا يصنع به؟ «يلتزمه ويقول: أنت أنت »[[أخرجه مسلم (٢٨١٣ / ٦٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ]] فهذا دليل على أن من أعظم ما يكون، وأهم ما يكون في السحر التفريق بين المرء وزوجه، وفيه سحر مقابل لهذا، وهو الربط بين المرء وزوجه حتى إنه -والعياذ بالله- يبتلى بالهيام، ما يستطيع أن يعيش ولا لحظة إلا وزوجته أمامه، ولهذا بعضهم يقضي عليه هذا الأمر نسأل الله العافية. * ومنها أيضًا: أن الأسباب لا تأثير لها إلا بإذن الله، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. * ومنها: أن قدرة الله عز وجل فوق الأسباب، وأنه مهما وجدت الأسباب، والله لم يأذن فإن ذلك لا ينفع، هل هذا الحكم اللي استنبطناه من الآية يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ إذا قلنا: إن السبب ما يفعل إلا بإذن الله (...) ما نسوي شيء. * طالب: (...). * الشيخ: إي، نقول: الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله فأنت افعل السبب، تزوج ليولد لك، اعمل صالحًا لتدخل الجنة، وهكذا نقول في بقية الأسباب، واضح؟ تداو لتشفى، ابتعد عن المجذوم لتسلم منه، وما أشبه ذلك، فالحاصل أن هذه الأسباب ما هو معناها مؤثرة بنفسها، لا يمكن أن تمنع من تأثيرها، بل هي مؤثرة بإذن الله. * ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائمًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأنت إذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذن تلجأ إلى من؟ إليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع وفي دفع المضار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعلم السحر ضرر محض ولا خير فيه؛ لقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ فأثبت ضرره، ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفى نفعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعني: من نصيب، ولا هنا أحد ما له نصيب في الآخرة إلا الكافر، أما المؤمن مهما عذب فإن له نصيبًا من الآخرة. * طالب: هل هناك تفصيل في كفر الساحر؟ * الشيخ: لا، ما في تفصيل، الصحيح، ما فيه تفصيل. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء اليهود ارتكبوا تعلم السحر عن علم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وبذلك استحقوا وصف الغضب، فصاروا مغضوبًا عليهم، لأن كل من علم الحق وخالفه فهو مغضوب عليه؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى، لأن العلماء يرتكبون عن علم فهم كاليهود، والعباد يرتكبون عن ضلال فهم كالنصارى. ومنها أيضًا: ذم هؤلاء اليهود لما اختاروه لأنفسهم ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية: أن ذا العلم الذي ينتفع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما شروا هذا الأمر الذي يضرهم ولا ينفعهم، والذي علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُ﴾ في هذا دليل على سعة حلم الله؛ حيث يعرض عليهم الإيمان والتقوى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ يعني: فيما مضى وفيما يستقبل، وهذه من عادته سبحانه وتعالى أن يعرض التوبة على المذنبين، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠] شوف يحرقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ مفهومه إن تابوا ما عليهم شيء، ما لهم عذاب جهنم. * ومن فوائد الآية: أن الإيمان والتقوى ينال به ثواب الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من كل الدنيا؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ من أين؟ من كل شيء، كل شيء يناله في الدنيا فالمثوبة اللي عند الله على الإيمان والتقوى خير. ونأخذ منها ومن قول قوم قارون له، ومن قول الناصحين من بني إسرائيل، قالوا للذين تمنوا أن يكونوا لهم مثل ما لقارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص ٨٠] هنا قابل ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ يتبين لك أن التقوى هي العمل الصالح، وقد سبق لنا أن التقوى هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. * ومنها أيضًا: أن فعل هؤلاء اليهود واختيارهم لما فيه الكفر من تعليم السحر فعلهم هذا فعل الجاهل؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ * يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي استعمال الأدب في الألفاظ؛ لقوله: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، وأصل هذا أن أصل ﴿رَاعِنَا﴾ من أين؟ أصلها من المراعاة، راعاه يُراعيه، وراعنا فعل أمر من راعى يُراعي، لكن اليهود يقولونها ويريدون أن تكون من الرعونة، سب وشتم وهي الحمق، فالصحابة يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: إذا طلبوا منه المهلة في شيء يقولون له: راعنا، فاليهود فرحوا بذلك أن أصحاب محمد يسبونه، فنهاهم الله عن هذا، فيستفاد منه استعمال الأدب في الألفاظ. وبمعنى تجنب الألفاظ التي توهم أيش؟ سبًّا وشتمًا، لو ما هو سب وشتم في لغة القوم، لكن توهم السب والشتم فإن من الأدب أن يتجنبها المرء. * ومنها: أن الإيمان مقتض لكل الأخلاق الفاضلة؛ لأن مراعاة الأدب في اللفظ من الأخلاق الفاضلة، ووجه هذا الأمر لمن؟ للمؤمنين، فهو دليل على أن الإيمان مقتض لهذا، فالإيمان إذن مقتض لكل الأخلاق الفاضلة. * وعليه تتفرع الفائدة الثالثة: أن مراعاة الأخلاق الفاضلة من الإيمان، أنها من الإيمان، كما أن الأخلاق الفاضلة أيضًا انشراح صدر وسعة، والإنسان اللي عنده أخلاق فاضلة يكون محبوبًا عند الناس، وموقرًا بينهم، فهو أيضًا من الإيمان الذي ينفعه عند من؟ عند الله. * ومنها؛ من فوائد الآية: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء أن يُعطِي الناس بدله، ما ينهاهم ويخليهم في حيرة (...) ﴿وَاسْمَعُوا﴾ والمراد بالسمع هنا سمع الإجابة ولَّا سمع الإدراك؟ * الطلبة: الإجابة. * الشيخ: أو هذا وهذا، هذا وهذا، ولكن إذا قلت: سمع الإجابة ما يمكن سمع الإجابة إلا بعد سمع الإدراك، ليس المراد: أنك تسمع وتعصي، تسمع وتطيع ﴿وَاسْمَعُوا﴾. ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله وأنه من أعمال الكافرين؛ لقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾. * يستفاد من هذه الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى، والمشركين وهم كل أصحاب الأوثان، هؤلاء يستفاد من الآية الكريمة أن كلهم أعداء للمسلمين، من أين نأخذ أنهم أعداء؟ أنهم ما يودون الخير للمسلمين. * ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود والنصارى والمشركين، وأن نعلم أن جميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين. * ومنها؛ نستفيد من الآية الكريمة: أن أعداء المسلمين من اليهود والنصارى والمشركين يحاولون أيضًا -لأن من ود شيئًا حاول الحصول عليه - يحاولون أن يقضوا على اقتصاد المسلمين، ولَّا لا؟ لأن استقامة الاقتصاد والتكافل الاجتماعي هذا من الخير. * ومنها أيضًا نستفيد: أن هؤلاء الكفار يودون أيضًا أن يمنعوا عن المسلمين التقدم العسكري؛ لأنه من الخير. * ومنها أيضًا: نعلم أن هؤلاء الكفار يسعون للمسلمين بكل ما يصدهم عن دينهم، لأيش؟ لأن إقبال المؤمنين على الدين خير وسبب خير ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦]، هؤلاء الكفار كل شيء يصد الناس عن دينهم من ملاهي وملاعب وحيلولة دون أي شيء هم يودون هذا، وإذا أردت أن تعرف فانظر إلى مخططاتهم الرهيبة المخيفة الذين يقدمونها للمسلمين، وكأنها لابس ثوبي زور على أنها هي الحسنة، وهي المقدمة للناس ولكنها في الحقيقة كذب، كذب. * ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يولوا هؤلاء الكفار أي قيادة، بأن نعلم ما دام ما يودون لنا الخير فإنهم لا يقودوننا إلى الخير أبدًا مهما كان الأمر، اللي ما يريد لك الخير يمكن يقود لك الخير؟ أو يقودك إلى الخير؟ لا يمكن، ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط ولا في نظام ولا في أي شيء، يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين وتحت تدبير المسلمين، وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لما نعلمه من مصالحنا وهم تحت سلطتنا، أما أن نجعل لهم الأمر على المسلمين فهذا نعلم علم اليقين من كلام ربنا اللي يعلم ما في القلوب أنهم لا يريدون لنا إلا الشر، ما دام أنهم ما يودون لنا الخير يجينا من غيرهم، ما يودون أن الخير يجينا من غيرهم ما يودوا ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ما هم منهم، كيف يجيبوا لنا خير؟ ولَّا هذا يجب علينا نحن شباب المسلمين أن ننتبه لهذا الأمر من شيوخ المسلمين، يجب كل المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر، وأن أعداءهم من أهل الكتاب والمشركين لا يريدون لهم إلا الشر، وأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض لفعلوا، فإذن يجب علينا على هذا الأساس أن نحذر من مخططاتهم وأن نكون دائمًا على سوء ظن بهم، لأن إحسان الظن بمن ليس أهلًا له ما هو إلا ذل، ذل وضعف، من كان أهلًا لإحسان الظن أحسن به الظن؛ لأنك ما يمكن تمشي مع أي شخص إلا وأنت محسن الظن به، لكن من لم يكن أهلًا لذلك فإن إحسان الظن به خور وجبن وضعف وذل، ولهذا يجب علينا أن نحذر منهم ومن قياداتهم ومن مخططاتهم؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، ولهذا قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ أي خير يكون سواء كان دينيًّا أو دنيويًّا، ولذلك اليهود حسدوا المسلمين لما جاءهم الرسول محمد ﷺ وآمنوا به ونزل عليهم هذا الكتاب، أي هذا الكتاب كرهوا ذلك وهم لا يودون هذا. * ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يرده وُدُّ وَادٍّ أو كراهة كاره، من أين نأخذها؟ ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يمكن لهؤلاء اليهود والنصارى والمشركين أن يمنعوا فضل الله، وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٢٥) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]]. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، وإثبات الرحمة؛ لقوله: ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾، وإثبات الإرادة؛ لقوله: ﴿يَخْتَصُّ﴾ فإن التخصيص يدل على الإرادة، وإثبات الفضل؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ﴾، وإثبات أن فضله ليس كفضل غيره، فضل غيره فضل محدود، وفضل الله فضل عظيم لا حدود له، فإن الله تعالى يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. ما يعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة ٨٢]؟ * طالب: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة ٨٣] إلى آخر الآية، تكملة الآية تدل على أن هؤلاء النصارى الذين هم أكثر الناس مودة للمؤمنين (...)؟ * الشيخ: يعني أنهم نصارى من نوع معين، ما هم كل النصارى وإلا فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١] بعض اليهود والنصارى أولياء بعض، وهذا أمر مشاهد، ومن تتبع التاريخ وجد أن النصارى دائمًا مع اليهود، واليهود دائمًا مع النصارى؛ لأنهم ضد عدو مشترك وهو المسلمون، ومن كان لهم عدو مشترك لو كانوا فيما بينهم أعداء يحبون أن يقضوا على هذا العدو فيجتمعون عليه. * طالب: النوع الخاص من النصارى وجد في عهد الرسول ﷺ ولا باق؟ * الشيخ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٢، ٨٣] فإذا وجد هذا النوع من النصارى سواء في حياة الرسول أو بعد مماته. * الطالب: حتى اليهود قد يسلموا؟ * الشيخ: ما هو من نصرة، لكن منهم قسيسين ورهبانًا، وأنهم لا يستكبرون؛ لكن النصارى الآن مستكبرون، مو معنى أنه إذا أسلم حتى واحد حكمنا هذا للجماعة فإن رؤساءهم وكبراءهم وأحبارهم على العكس من ذلك. * طالب: شيخ أن الآية ألا تشير إلى أنهم آمنوا؟ * الشيخ: من؟ * الطالب: هؤلاء النصارى (...). * الشيخ: لا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾ ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، لكن ما يرد على هذه الشبهة بأن الآية (...)؟ * الشيخ: لا، الآية ما دلت على أنهم كلهم آمنوا؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلا أن يقال: وبأنهم إذا سمعوا، ولا يجعل ﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾ عائدًا على القسيسين والرهبان، يمكن أن نقول: إن في نصارى آمنوا في عهد الرسول ﷺ، النصارى الذين آمنوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إي نعم (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...). * طالب: يا شيخ، ما يؤخذ من الآية أن كل من لم يود للمسلمين الخير (...)؟ * الشيخ: نعم، إلا يؤخذ، أن من لم يود الخير للمسلمين، فإنه فيه شبهًا من اليهود والنصارى، هذه فائدة جميلة أن الإنسان اللي ما يود الخير للمسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود والنصارى، لأن في الحقيقة من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أراد لهم الشر أو ما أراد لهم الخير ما وده لهم فإن فيه شبهًا من اليهود والنصارى. الذين لا يودون أن تستقيم الأمة على نهج السلف الصالح؟ هؤلاء ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، لأن الاستمرار على نهج السلف الصالح هو الذي فيه الخير. فالذين يريدون منا مثلًا أن نسير على ما سار عليه هؤلاء اليهود والنصارى من الانفتاح على الدنيا وترك الآخرة وراء الظهور يقول: نعتني بالترفيه البدني دون حياة القلوب فهؤلاء فيهم شبه من اليهود والنصارى؛ لأن حقيقة الأمر أن المؤمن المخلص للإيمان وللمؤمنين هو الذي يريد للمؤمنين أن يستقيموا على دين الله بأي وسيلة ما هو بيريد أن يترفهم فيتلفهم، الإتراف الذي يستلزم إعراض الناس عن دين الله هذا في الحقيقة ليس إترافًا بل إنه إتلاف، هو سبب دخول النار ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة ٤٥ - ٤٨] كل هذه الأوصاف الآن وجدت في كثير من المسلمين بسبب ما فُتح عليهم من الدنيا، نسأل الله السلامة. * طالب: شيخ، النصارى (...) من العرب، نحن لسنا نصارى إنما مسيحيون، فأحد يوافقهم يقول: أنتم مسيحيون؛ لأنهم (...) نصارى يطلق عليهم القرآن، هم قريبون من المسلمين (...) الآية (...) فإذا كان هذا عبارتهم فنقول: من يطلق عليهم نصارى (...)؟ * الشيخ: حتى بعد إطلاق أنهم مسيحيين خطأ؛ لأن المسيحي معناه المنتسب للمسيح، وهذا المسيح بريء منه، هذه أشكل من النصارى. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأنهم هم يقولون: مسيحيين؛ لأجل أن يبرروا أنهم على دين، هذا السبب أنهم عدلوا؛ ولهذا ما عدل عن النصارى إلا في العصور المتأخرة عصور الاستعمار، وإلا كانوا في كتب الفقهاء حتى المتأخرين يسمون نصارى، لكن لما استولى الاستعمار وقويت شوكته في بعض البلاد وصار في البلدان التي استعمرت كُتَّاب صاروا يتكلمون: المسيحيين، والمسيحيين بمجرد ما تسمع المسيحي تشعر بأنه على دين صحيح، لأن المسيح عيسى بن مريم رسول الله فدينه صحيح، لكن (نصارى) ما تفهم منها هذا الفهم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أبدًا ما. * الطالب: (...). * الشيخ: أنا أظن أنه قال: نصارى، نسميهم نصارى كما سماهم الله، وصار معنى نصارى ما هو من النصرة نصارى نسبة للبلد. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي معلوم، إحنا نقول: إن اللي يؤمن بما جاء به الرسول له الأجر مرتين. * الطالب: يطلق عليهم نصارى؟ * الشيخ: لا، نقول الآن: مسلمين، إذا آمنوا صاروا مسلمين. * طالب: نسبوا إلى أي البلاد؟ * الشيخ: إلى بلد تسمى قيل: الناصرة وقيل: إن في بلد (...).