×
البقرةالآيات ١٠١–١٠٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿١٠٢﴾

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿١٠٣﴾

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٠٤﴾

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠١]. * من فوائد هذه الآية: أن رسالة النبي ﷺ حق؛ لقوله؟ * طالب: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أن النبي ﷺ كان قد أخبرت به الرسل من قبل أو الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن رسالة النبي ﷺ تقرِّر ما سبق من رسالات الرسل؛ لأن كلمة ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ تتضمن كما فسرناها معنيين، أيش تقول؟ * طالب: مصدق مع التوراة، يعني لما معه؟ * الشيخ: إي، من التوراة والإنجيل كلهم. * ومنها: أنه مع هذا البيان والوضوح لصدق رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فإن فريقًا من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. * ومنها: أن نبْذ مَن عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس كذلك، ولهذا نص على قوله: ﴿فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ولم يقل: فريق منهم، كما قال في الآية الأولى؛ لأجل إظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أضافه إليه في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾. * ومنها أيضًا: التسجيل على هؤلاء بالقبح مرة أخرى في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهم في الواقع يعلمون، لكن فعلهم كان فعل كأنه فعلُ مَن لم يعلم، وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم. طيب ثم قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. * طالب: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ هذه فائدة. * الشيخ: ويش الفائدة؟ * الطالب: أن ترك العمل بالقرآن نبذ وراءه. * الشيخ: لا، فيها يعني غير هذه الفائدة، فيها أن هذا النبذ الذي كان منهم نبذ لا يُرجى بعده قبول، يستفاد من قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أن نبذهم هذا لا يرجى بعده قبول؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد، كذلك لو كان عن اليمين أو الشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم مرة أخرى، فهذه هي الفائدة في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ إي نعم. * وربما أيضًا يستفاد منه: قبح هذا النبذ، من هذه الكيفية نبذ وراء الظهر، يعني ما ألقوه إلقاء رفيقًا بل نبذًا، وهو طرح، ومن وراء الظهر؛ لأنه أعظم استكبارًا، فيؤخذ منها إذن فائدتان: أولًا: أنه نبذ لا يرجى بعده إقبال. والثاني: أنه نبْذ في غاية ما يكون من القبح، حيث كان دالًّا على الاستكبار والإعراض بالكلية. * طالب: آية ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ ما أخذناها؟ * الشيخ: ما قرأناها. * طالب: لا، قرأنا. * الشيخ: أقول ما أخذنا فوائدها إلى الآن؛ في التفسير يعني؟ سبحان الله. * طالب: إلى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. * الشيخ: طيب يستفاد أيضًا من الآية من كلمة ﴿نَبَذَ﴾ شدة كراهيتهم لكتاب الله؛ لأن النبذ معناه الطرح بقوة، فهذا دليل على شدة كراهيتهم لكتاب الله سبحانه وتعالى، فكم فائدة الآن أخذنا من الآية؟ * طالب: عشرة. * الشيخ: عشر فوائد؟ الحمد لله، ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ نأخذها ولا ما نأخذها؟ * طالب: (...). * الشيخ: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾ هذه (ما) إعرابها أنها نافية تعمل عمل (ليس)، وبالاختصار تقول: (ما) حجازية، أنت إذا قلت: (ما) حجازية معناه أنها تعمل عمل (ليس)، واسمها الضمير (هم)، وخبرها (بضارين)، لكن الباء هنا حرف جر زائد إعرابًا لا معنى، وأظن ابن مالك أشار إلى هذا الحرف الزائد في قوله: وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ∗∗∗ ............................. هذه هي، وتفيد الباء الزائدة في خبر (ما) تفيد التأكيد، يعني تأكيد النفي، أي أنه لا يمكن أن يحصل أي ضرر من هؤلاء المتعلمين للسحر، ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (من) أيضًا حرف جر زائد إعرابًا، فائدته التنصيص على العموم؛ لأن (أحد) نكرة في سياق النفي، فتقتضي العموم، لكن إذا دخلت عليها (من) صارت نصًّا في العموم، فإذن ما يضرون أحد أبدًا، و(من) حرف جر زائد، و(أحد) مفعول لـ(ضارين) منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقولهم: ﴿بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ يعني: لا الزوج مع زوجته، ولا أي إنسان، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الإذن القدري، والمراد به المشيئة، الإذن القدري هو المشيئة، يعني: إلا أن يشاء الله، إن أذن الله بذلك ضروا، وإلا فلا؛ لأن السحر سبب للضرر، والسبب ليس فاعلًا بنفسه وإنما هو فاعل بما جعل الله فيه من القوة المؤثرة، والذي جعل فيها هذه القوة المؤثرة قادر على أن يسلبها منه فلا يضر؛ لأن الأسباب أسباب ما هي مستقلة بالفعل، ولهذا قال: ﴿مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهذا شر أنواع التعلم، ﴿يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأن العلوم التي يتعلمها الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضار، ونافع، وضار من وجه ونافع من وجه؛ ضار ونافع على سبيل الإطلاق، وضار من وجه، ونافع من وجه، ويمكن نأتي بقسم رابع إنه لا ضار ولا نافع، وهذا في الحقيقة ضار؛ لأن فيه من الضرر إضاعة الوقت والاشتغال عما هو أهم، فالمهم أن الله يقول هنا: ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إذن هو علم لا خير فيه، ولا يمكن أن يتعلم الإنسان علمًا ليس فيه نفع بل فيه الضرر إلا وهو أحمق جاهل. قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد)، فالضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعود إلى اليهود الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين من تعلّم السحر، علم هؤلاء ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ اللام هذه لام الابتداء، وهي معلِّقة عن العمل، عمل (علم)، ومن أين علموا ذلك؟ علموا من قول الملَكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ والكافر ما له خلاق في الآخرة، وهؤلاء علموا بذلك لكنهم والعياذ بالله أصروا على أن يمارسوا هذا العمل، وقوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اللام أقول: إنها للابتداء معلِّقة (علم) عن العمل، و(مَن) مبتدأ اسم موصول، وجملة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ هذه خبر (من)، وهو أيضًا جملة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ هي جملة مكونة من مبتدأ وخبر، وهي في محل رفع خبر عن الجملة عن اسم الموصول ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ومعنى (اشتراه): تعلّمه؛ لأن هؤلاء كأنهم في تعلّمهم له بمنزلة المشتري للشيء، والمشتري آخذ للشيء عن رغبة؛ إذ إن المشتري لا يبذل المال إلا فيما هو أحب إليه منه، فشبّه الله هذا التعلم بالاشتراء؛ لشدة تعلقهم به، وقوله: ﴿مَا لَهُ﴾ أي: ما لمن اشتراه، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ والآخرة هي ما بعد الدنيا، وهي الدار التي هي دار استقرار؛ لأن دار الدنيا دار ممر، لكن الآخرة هي دار الاستقرار، وقوله: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب، وإنما علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ لأن كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، كل كافر ما له نصيب في الآخرة؛ لأن نصيبهم من الآخرة أيش؟ النار، والنار ما هي نصيب، النار يتمنون أن يتخلصوا منها، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، ويقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، فهل الذي يتمنى الخلاص مما هو فيه له نصيب منه؟ أبدًا، إلا العذاب -والعياذ بالله- ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿وَلَبِئْسَ﴾ اللام ما نقول في إعرابها؟ إن قلنا: للابتداء ما يصلح؛ لأنها دخلت على جملة فعلية، ولكن نقول: موطئة للقسم، واللهِ لبئس ما شروا به أنفسهم، و(بئس) فعل ماض لإنشاء الذم، وهو جامد، لو نحن بالقيظ؟ * طالب: هو جامد، لا يتصرف. * الشيخ: ما يتصرف، جامد حتى في أيام القيظ، ومثله أيضًا (نِعْم)، و(عسى)، و(ليس)، وأفعال كثيرة يسمونها الأفعال الجامدة؛ لأنها ما تتغير عن مكانها، ما تذوب حتى تكون مضارعًا أو أمرًا، وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (ما) اسم موصول هي فاعل (بئس)، والمخصوص بالذم محذوف، وقوله: ﴿مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (شروا) بمعنى باعوا؛ لأن الشراء بيع، والاشتراء هو الأخذ، أخذ السلعة، فالمشتري طالب والشاري جالب، ولّا لا؟ في اللغة العامية عندنا نقول: فلان شرى من فلان كذا وكذا، يعني اشترى، لكن في اللغة العربية لا، (شرى) بمعنى (باع)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] يعني: من يبيعها، هنا ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: باعوا به أنفسهم، كيف باعوا به أنفسهم؟ نعم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر ما هو الثمن الذي بذلوه في هذا السحر؟ أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم، صارت الدنيا الآن ما لهم فيها ربح إطلاقًا، والآخرة ما لهم فيها ربح أيضًا، فلهذا قال: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هنا (لو) ينبغي أن تبتدئ بها، وأن تقف على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصلت لكان محل الذم في حال علمهم، أما إذا لم يعلموا فليس مذمومًا، يعني لو أنك قلت: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لكان محل الذم متى؟ إذا كانوا يعلمون، يعني: وإذا كانوا لا يعلمون فليس بذم، ولكن الأمر بالعكس، يعني بمعنى أقول: إنه لبئس ما شروا به أنفسهم علموا أو لم يعلموا، فتكون (لو) محل ابتداء كلام، فالأحسن الوقف على قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ثم تبتدئ فتقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما شروا أنفسهم بهذا السحر ولتجنبوه، لكن عملهم يدل على أنهم من ذوي الجهل، عملهم هذا يدل على أنهم من ذوي الجهل، وليس المراد بالجهل الذي هو عدم العلم، ولكن الجهل الذي هو السفه؛ لأنه مر علينا أن الجهل قد يراد به السفه، وقد يراد به عدم العلم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. * طالب: (لو) هنا شرطية؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ شرطية، يعني: لو كانوا يعلمون ما شروا أنفسهم، كما قدرناه. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ آمنوا بقلوبهم واتقوا بجوارحهم، فالإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح، هذا إذا جُمِع بينهما، وإن لم يُجمع بينهما صار الإيمان شاملًا للتقوى والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي ﷺ: «التَّقْوَى هَهُنَا»، وأشار إلى قلبه »[[أخرجه الترمذي في السنن (١٩٢٧) وأحمد في المسند (٧٧٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، وقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الإيمان يتكرر في القرآن كثيرًا، والتقوى تتكرر كثيرًا، ونحن ذكرنا أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق مع القبول والإذعان، وإلا فليس بإيمان، والتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه؛ لأنها من الوقاية، وأصل التقوى: (وَقْوَى)، لكن صار فيها إعلال صرفي، فصارت (تقوى)، فالتقوى هذه اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في معناها وإلا فبعضهم قال: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، وبعضهم قال: خَلِّ الذُّنُـــــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقــــــــــــــى ؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــرَى ؎لَا تَــــــــــــــــــــــــحْقِرَنَّصَغِيـــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى لكن ما قلناه هو الأجمع بمعنى كله. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ المثوبة والثواب بمعنى الجزاء، وسمي بذلك؛ لأنه من: ثاب يثوب، إذا رجع؛ لأن الجزاء كأنه عمل الإنسان رجع إليه وعاد إليه منفعته وثمرته، وقوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يقينًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد ٣١]. والفائدة الثانية في إضافتها إلى الله: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم، ولَّا لا؟ فالعطية على حسب المعطي، عطية البخيل قليلة، وعطية الكريم كثيرة، البخيل إذا أعطى الإنسان واحدًا قرشًا قال: والله، إني اليوم خسرت، أعطيت واحدًا قرش، لكن الكريم لو يعطيه ألف ريال ما يهمه، ولا يفتخر بها؛ لأنه كريم، فالله تعالى أضاف المثوبة إليه ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ للأمرين جميعًا، هما: اطمئنان العبد على حصولها، والثاني: بيان عظمة هذه المثوبة؛ لأن مثوبة العظيم لا بد أن تكون عظيمة. وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ خير من أيش؟ الأَوْلى أن نقول: إنها خيرية مطلقة، خير من كل شيء، ما هو من الفائدة التي حصلوا عليها بالسحر، خير من كل شيء، قال رسول الله ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]، بل قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه مسلم (٧٢٥ / ٩٦) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] يعني: سنة الفجر ركعتين خير من الدنيا وما فيها، فإذن ﴿خَيْرٌ﴾ الأَوْلى أن نجعله مطلقًا، خيرية مطلقة يعني: خير من كل شيء، لا من النفع الذي حصلوه بتعلم السحر ولَّا من غيره. إعراب الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (أن) هنا مفتوحة الهمزة، فمعنى ذلك أنها تؤول بمصدر وما بعدها؛ لأن (أن) المفتوحة الهمزة من حروف المصادر، (أنَّ) و(أنْ) كلها حروف مصدرية فتؤول وما بعدها بمصدر، هذا المصدر الذي تؤول به اختلف النحويون في إعرابه: فمنهم من قال: إنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت إيمانهم واتقاؤهم، ومنهم من قال: بل هو مبتدأ، وخبره محذوف، ولو إيمانهم وتقواهم ثابتة. قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ اللام واقعة في جواب (لو)، و﴿مَثُوبَةٌ﴾ مبتدأ، وهي نكرة، وساغ الابتداء بها وهي نكرة لأنها وصفت بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة جواب (لو) وليست خبر المبتدأ؛ لأن خبر المبتدأ محذوف. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ هذه مثل التي قبلها، يوقف على قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا يعلمون لآمنوا واتقوا، فـ(لو) هذه الشرطية وجوابها محذوف تقديره: لآمنوا واتقوا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادى، فأنا لو أقول لك: افعل كذا، أو أقول: يا فلان افعل كذا، أيهم أبلغ في الانتباه؟ يا فلان أبلغ، فتصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به، ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن هذا الحكم تنفيذه من مقتضيات الإيمان، وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ لأنه ما يمكن تخاطب أحدًا تقول: يا مؤمن، افعل كذا وكذا إلا لأن إيمانه يقتضي أن يفعل كذا وكذا، ولا يمكن تقول: يا مؤمن افعل كذا إلا لأنه إذا لم يفعل نقص إيمانه، وعلى هذا فنقول: تصدير الحكم بالنداء بوصف الإيمان يدل على أن التزامه من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو فواته من نقص الإيمان. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك». يعني استمع لها؛ لأنها نداء من الله لك، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء من الله لك أرعها سمعك، يعني استمع إليها، «فإنها إما خيرٌ فتؤمر به، وإما شرٌّ فتنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، الذي معنا من النهى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ يعني: لا تقولوا عند مناداة النبي عليه الصلاة والسلام: راعنا، راعنا من المراعاة، وهي العناية بالشيء والمحافظة عليه، وكان الصحابة يقولون: راعنا إذا أرادوا يكلمون الرسول ﷺ، يا رسول الله راعنا، وكان اليهود يقولون: يا محمد راعنا، لكن اليهود يريدون بها معنى سيئًا، يريدون راعنًا اسم فاعل من الرعونة يعني: راعنًا، فمعنى الرعونة أن الإنسان يكون ليس بذي مروءة، فاليهود يريدون بهذا اللفظ معنى سيئًا، المسلمون لا يريدون معنى سيئًا بلا شك يريدون من المراعاة، لكن لما كان اللفظ واحدًا، وهو محتمل لهذا وهذا نهوا - أي: المؤمنون - أن يقولوه تأدبًّا وابتعادًا عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان مثل المنافقين، فربما يقول: راعنا، وهو يريد ما أرادت اليهود، فلهذا نُهِي المؤمنون عن ذلك ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. * طالب: معنى ﴿رَاعِنَا﴾؟ * الشيخ: قلنا لك: من المراعاة، راعنا فعل طلب. * طالب: المقصود؟ * الشيخ: المقصود اسمعوا. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ يعني: مثلًا إذا أردتم من الرسول أنه ينتظركم لا تقولوا: راعنا، ولكن قولوا: انظُرْنا، من النظر بمعنى الانتظار، يعني ما تقولون: راعنا؛ لأن اللفظة هذه تقولها اليهود، وتريد بها معنى سيئًا. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فعل أمر من أين؟ من النظر بمعنى الانتظار، والنظر يأتي بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠] فأنتم إذا أردتم من النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظركم في وقوف أو قعود، أو أي حال من الأحوال لا تقولوا: راعنا، قولوا: انظرنا، ولما نهى عن الشيء ذكر بدله حتى لا يقع الإنسان في حَيْرة إذا نهي عن شيء ماذا يقول إذن؟ فبين الله البدل الذي ما فيه احتمال. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ اسمع ﴿اسْمَعُوا﴾ سمع إدراك ولَّا قَبُول؟ إدراك وقبول، لكن الإدراك، قد يكون أمرًا معلومًا ﴿اسْمَعُوا﴾ يعني: سماع تفهم وقبول ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يعني: اسمعوا ما تؤمرون به، وما تنهون عنه، فما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه. ثم توعد فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، والعذاب بمعنى العقوبة، والمراد بالكافرين هنا: اليهود، وكذلك من خالف الأمر من المسلمين، فله عذاب أليم، فإن مخالفة أمر الله إذا كانت على سبيل الإطلاق فهي ردة والعياذ بالله، وصاحبها مستحق للعذاب الأليم، ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وأما المؤمنون فلهم نعيم مقيم. * طالب: مثل قرية راعنا (...) فيها شيء؟ * الشيخ: لا، ما فيها شيء، بعد الرسول ما فيها شيء، هذا خاص بمخاطبة الرسول ﷺ. * الطالب: سمعت في ناس ينهون، يقولون: ما يجوز..؟ * الشيخ: لا لا. * الطالب: (...) قولوا: انظرنا؟ * الشيخ: دولا ما يدرون، ما يدرون، (...) تقول راعن (...) الدكان ما فيها بأس. * الطالب: (...). * الشيخ: ما فيها بأس. * طالب: شيخ، اليهود ما هي لغتهم اللغة العبرانية؟ * الشيخ: إي، لكن اللغة العبرية قريبة جدًّا من اللغة العربية قريبة، من أقرب اللغات إلى العربية هي، وأيضًا اليهود في المدينة تعلموا من العرب، تعلموا لغة العرب فصاروا يقرؤون يتخاطبون باللغة العربية. قال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ (ما) شرطية؟ * طالب: لا، نافية. * الشيخ: نافية؟ نعم، ﴿يَوَدُّ﴾ بمعنى: يحب، والود أعلى أنواع الحب، يعني: هو الذي يلي الخلة، الخلة أعلى الأنواع، والود هو الذي يقرب منها، ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: ما يحبون، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (من) للتبعيض ولَّا للبيان؟ * طالب: للبيان. * الشيخ: ويش الفرق بين هذا وهذا؟ * الطالب: إذا قلنا * الشيخ: يصير المعنى: أن أهل الكتاب كلهم كفار، ويصير المعنى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وتصير أيضًا ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: ما يود الذين كفروا من هؤلاء ولا هؤلاء، ولهذا قال: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، ولم يقل: ولا المشركون؛ لأنه لو كانت معطوفة على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكانت بلفظ: ولا المشركون، فعلى هذا تكون (من) لبيان الجنس أي: الذين كفروا من هذا الصنف اللي هم أهل الكتاب، وكذلك من المشركين، وتقدير الآية: